روايات

زفاف إلى المو.ت للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ـ يا بنتي ده عريس زي الفُل.. قالتها أمي وابتسامة مشرقة بتزين وشها وبتحاول بكل الطرق إنها تزين العريس ده في عنيا، وليه متعملش كدا وهو واحد جاي وعنده شقته جاهزة من كل حاجة، وعنده عربية كويسة وشغال شغل كويس قادر إنه يفتح منه بيت..

وقتها كانت قدامي صورة شهاب، شهاب اللي حبينا بعض من غير ما نتكلم اكتر من تلت كلمات، اول ما عنيه لمعت ناحيتي كلمني عشان يقدر يتواصل مع أهلي، بما إن أبويا مي.ت فهو راح لوالدتي واتكلم معاها إنه عاوزني بس ظروفه صعبة شويتين، وقالها إنه مينفعش يكلمني من غير علمها أو ياخد طريق غير طريق البيت لإن ده الدين ودي الأصول، وكمان اللي شجعه على ده إنه قريبنا..

احترمته جدًا وكبر في عيني أكتر، بس والدتي أديته مهلة سنة يحل مشاكله واللي أكبرها إنه بيجهز أخته ومعندوش شقة وبعدها يجي يتقدم، وإني هستناه لحد ما يجهز، ومشي شهاب وانهاردة بس جه وائل يتقدم، وأمي كانت طايرة بيه من الفرحة.. واشتغل الزن على الودان اللي أقوى من السحر نفسه، شاب جاهز من كله وهيعيشك في مستوى كويس، ولما جبت سيرة شهاب لقيت المقارنة اشتغلت، وطبعًا كلها بتصب ناحية وائل، حتى لما قولتلها إن شهاب محترم ومتدين جدًا قالتلي إن الاحترام مش هيأكلك، بعدين مهو وائل أهو محترم برضه..

وعشان مبقاش كدابة أنا كمان كان فيه جزء جوايا مايل ناحية وائل، وائل يعني الرحمة من زحمة المواصلات، يعني الفلوس والشقة التمليك، أما شهاب يعني الإيجار والبهدلة والفقر.. وأنا عارفة إن الفقر قادر يقهر ألف راجل وراجل، ولما جه وائل يزورنا تاني لقيت نفسي بقتنع بيه، يمكن حاولت اتدلع شوية وأخلي أمي تقنعني بيه، ويمكن عشان أوهم نفسي إني مجبورة عشان لو ضميري أنبني ناحية شهاب..

واتخطبت أنا ووائل، وطبعًا لأنه جاهز مكنش فيه سبب إننا نأخر الجواز، تلت شهور بس واتحدد يوم الفرح، ونسيت ليلتها الدنيا كلها وركزت على الفستان والتباهي بالفرح اللي في قاعة فخمة في نادي كبير، وكانت ليلة من ألف ليلة وليلة، رقص وضحك وهزار، يمكن اللي فصلني إني شوفت شهاب يومها في القاعة بيبصلي، معرفش جه أمتا وازاي..

بس وقتها شوفت في عنيه نظرة انكسار رهيبة، لدرجة إني لمحت دمعة بتلمع جوه عنيه، واختفى بعدها وحاولت أنسى، مانا لازم أنسى عشان أعرف أعيش، وعدت الليلة وبعدها أسبوع وكمان شهر، وكانت الحياة جميلة، هادية، قاعدة في شقة فخمة ومصروفي معايا وعربية جوزي بتوديني أي مكان عاوزة أروحه.. بس بعد أيام بدأ الشيطان يكشف عن أنيابه، والشيطان ده كان وائل، بدأ العذاب لما شوفته في ليلة قاعد في الصالة وبيدخن سيجارة، شكل الدخان والسيجارة كان بيقول إن دي سيجارة حشيش مش سيجارة عادية..

وقتها خدت أقل صدمة في وائل وقولتله: ـ أنت بتشرب مخدرات؟! ابتسم بهدوء شديد وقالي: ـ تحبي تشربي معايا؟؟ كان بيكلمني بكل برود الدنيا وكأنه بيشرب قهوة مش حشـ ـيش، حسيت وقتها بالغيظ وسبته ودخلت أوضتي، مفيش دقايق ولقيته داخل الأوضة وبيقرب مني، زقيته بغضب وأنا حاسة بالقرف منه، ونزلت الصدمة التانية عليا على هيئة قلم نزل على خدي وصوته الغليظ بيقول: ـ أنتي هتعملي فيها الطاهرة الشريفة، أمال أنا متجوزك ليه؟؟

وقبل ما استوعب اللي حصل لقيته بيتهجم عليا ولا كأنه واحد بيغتـ ـصب واحدة، حسيت لحظتها بكل قهر الدنيا وأنا جسمي مستباح ومش قادرة حتى أدافع عن نفسي، إحساس صعب جدًا وبيخليك إنسان بلا قيمة ولا كرامة، إنسان بلا مشاعر، مجرد بهيمة بيستغل جسمها شخص تاني عشان يشبع شهوته.. ليلتها قعدت أبكي وأنا مقهورة، الإحساس الزائف جوايا خلاص راح وبقيت شايفة كل حاجة على حقيقتها، الحقيقة المُجردة اللي بتخلي قلبك يرتجف من الخوف وعقلك يستوعب السواد اللي أنت داخل عليه..

وطالما ض.ربني مرة فهيض.ربني ألف مرة، ومن يومها خدت حياتي منحنى مُخيف، بقا بيشرب في البيت وحتى في أوضة النوم، علاقتنا بقت عبارة عن قرف، وكأنه اغتـ ـصاب مش علاقة زوجية مقدسة، كلامه بقا عبارة عن شتايم قذرة واستهزاء بيا في الرايحة والجاية.. واتكشفت قدامي كل حاجة، وائل كان مُدمن حشـ ـيش وأفيـ ـون وأوقات كان بياخد كيمـ ـيا، ومع الوقت كان مخه بيضيع أكتر وأكتر، وحتى شكوتي لأمي كانت دايمًا مجرد كلام، وكان الرد العادي:

ـ كل البيوت بيحصل فيها كدا ، طالما مش بخيل معاكي يبقا أي حاجة تانية تتعالج.. وكانت بتقدر تدس كلمات تخليني اترعب من فكرة الطلاق أو حتى التفكير فيها، وكلها أيام وعرفت إني حامل، وغرزت أكتر وأكتر في المصيدة، ورغم حملي مكنش ده بيوقفه، الإهانة مستمرة والض.رب بل وزادت لو اتأخرت عن حاجة هو عايزها، مكنش متفهم أي متاعب بتحصلي بسبب الحمل..

وولدت سها، وبقيت بستخبى فيها من حياتي المُخيفة دي، لدرجة إني كنت ببكي في ح.ضنها مش هي اللي بتبكي في ح.ضني، وزاد وائل في شرب المُخـ ـدرات بكل أنواعها، بل بقا بيرجع كل يوم الفجر وهو مُغيب عن الواقع، كنت بتحاشاه بقدر الامكان بس المصيبة لما كان بيرجع عشان ياخد غرضه مني، كنت بعيش وقتها جحيم على الأرض.. وكلها سنة ونص وغرزت أكتر وخلفت مصطفى، وزاد وائل في قرفه بدون ما يعمل أي حساب لإنه بقا أب لولد وبنت..

اتقبض قلبي في ليلة لما حسيت إن فيه حدث كبير هيغير كل حاجة في حياتي، وللأسف الحاسة كانت صادقة جدًا، يومها لقيته جاي من بره وبيقولي جهزي كل حاجة في الشقة عشان هنعزل منها.. جسمي كله اتنفض من كلامه وعرفت إنه باع الشقة كلها لأنه اتنصب عليه في مبلغ كبير وكان هيتحبس، وللأسف انصعت لكلامه وروحنا نسكن في شقة إيجار، ومن ضيق لضيق بدأت الحياة تدوس علينا، مفيش فلوس، مفيش رعاية، إهانة، حياة أشبه بالجحيم..

كبت، كبت، كبت لحد ما جه في ليلة وكان عايزني من تاني، وقتها بس انفجرت فيه، صرخت وشتمته وطلعت فيه غضب تلت سنين من القهر والذل، بس هو كان استحالة يسكت، ونزل عليا بعفش البيت كله تقريبًا لحد ما خلى جسمي عبارة عن بحيرة دم وشوية عضم متك.سر.. رجعت لأمي منهارة، بمو.ت، وأخيرًا اتحرك إحساس الأمومة جواها، وقالتلي مترجعيش غير لما يجي ونحط شروط، أنا مش هستنى لما يق.تلك، وقتها بس خدت نفس، حسيت إن لسة فيه حد في الدنيا بيخاف عليا..

وبعد أسبوع جه، كنت حاسة تجاهه بكل غضب الدنيا، عايزة أهينه آخد ولو جزء يسير من حقي، بس مكنتش متوقعة إني لما هرد عليه بقسوة وأمي هتهزقه هيقوم يض.ربني قدامها ويفضحنا.. كان ده أكبر من استيعابي بس حصل، واتهزقت واتض.ربت واتشتمت قدام أمي والجيران كلهم، وأخيرًا جه قرار الطلاق اللي وافقت عليه أمي، بس هو رفض، وحلف يمين إنه مش هيسبني.. ومكنش فيه حل غير المحاكم، كلمت أمي وقولتلها: ـ وهنجيب منين أتعاب المحامي وأحنا مش معانا حاجة..

قالتلي بنبرة قهر: ـ ربك هيحلها وهيبعت لنا حد ابن حلال.. ونمت ليلتها بتوجع من جسمي اللي متدغدغ، تاني يوم لقيت أمي بتقولي إننا هنروح للمحامي، وقالتلي ملكيش دعوة بحاجة.. روحت معاها وركبنا عربية خمس دقايق لحد ما وصلنا عند عمارة كبيرة، طلعنا الدور التاني و…… ولقيت مكتوب على اليافطة، مكتب المحامي ” شهاب الدين موسى السيد”.. واتنفض جسمي كله، بصيت لأمي بخوف وقلتلها: ـ مين ده؟؟ ـ هو يابنتي شهاب، ربنا كرمه وفتح مكتب وبيقولوا إنه محامي شاطر أوي..

لطمت على وشي وقولتلها: ـ هي المشكلة شاطر ولا مش شاطر، مش شهاب ده اللي ك.سرناه زمان وموافقناش بيه.. ـ أيوة يابنتي بس محترم وهيقف جنبنا.. بصيتلها بصة غضب وقولتلها: ـ يعني دلوقتي الاحترام بقا بيأكل عيش، مش كان زمان الاحترام ده مش حاجة حلوة.. بصتلي وسكتت خالص عشان أكمل كلامي وأقول: ـ أنا مش هدخل ادخلي لوحدك.. أمي سابتني وقربت من باب المكتب بس كان مقفول، بصتلي وقالتلي: ـ أهو المكتب مقفول.. حمدت ربنا وجيت انزل لقيتها بتخبط على الشقة اللي جنب المكتب، استغربت من اللي بتعمله وقبل ما أسأل عن السبب لقيت الباب بيتفتح، وظهر شهاب..

وقتها كأن الزمن كله وقف بيا، بصلنا بابتسامة بسيطة ورحب بينا جدًا، كنت بتمنى يشتمنا أو يطردنا، بس ترحيبه ده كان بيضغط عليا أكتر وأكتر..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى