روايات

زواج غريب للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما اتكتب كتابي جوزي بعتلي تاني يوم الصورة النهائية للشقة اللي دفع فيها كل ما يملك، وقتها الفرحة مكنتش سيعاني، وريت الصور لوالدي اللي قالي أروح أشوف الشقة بنفسي عادي واتفرج عليها، وفعلًا روحت أنا وهو وقابلنا جوزي (عبدالرحمن) واتفرجت على الشقة اللي اتسحرت بيها وبكل رُكن فيها؛ مكتبة الكُتب، المُصلية الصغيرة اللي هنصلي فيها، أوضة الضيوف، كل حاجة كانت معمولة بإتقان غير طبيعي، طلب رأيي وقتها قولتله إني لو هعيش معاه في كوخ أنا موافقة..

يومها سمعت منه كلمتين خلوني طايرة زي الحمامة في السما، قالي إن لما كنت بقوله كل شوية ميكلفش نفسه ويجيب أبسط حاجة كان بيجهد نفسه أكتر عشان يعمل أحسن حاجة للشقة، وكل ما كان بيشوفني قنوعة كان بيكلف نفسه أكتر ويجيب أحسن حاجات للشقة، وقالي كمان إنه اتأكد إنه واخد أحسن واحدة في الدنيا، وإنه طول ماهو معاه مش هيبخل عليا بأي حاجة مهما كانت..

طلبت من والدي نرجع البيت لأني مش هتحمل جرعة الحنان الزايد ده، ونأجلها لبعد الفرح، وبدأت التجهيزات واتفقنا إننا مش هنعمل فرح، هي عربية هتيجي تاخدني وهنروح على بيته، ولو كنت قدرت أوفر عليه تمن العربية كنت هعمل كدا، طول عمري بدعي ربنا بواحد كويس ومحترم ومش عايزة أي حاجة تانية.. وطالما لقيته فأنا هعمل كل حاجة عشانه، ولما لقيته بيقدرني ويتعب أكتر عشاني خلاني عايزة أجبله حتة من السما عشانه، وفضلت أحسب الساعات لحد ما بقوا أقل من ٢٤ ساعة ونتجوز..

يومها صحيت قلبي مقبوض أوي وفضلت أستعيذ بالله من الشعور ده، لقيت اتصال من حمايا بيطلب مني آجي على المستشفى الفلانية عشان (عبد الرحمن) عمل حـ,ـادثة، جريت زي المجنونة على هناك ولما روحت وسألت عليه اتقالي جملة قسمت قلبي نصين ـ المريض ده اتوفى وهو دلوقتي في المشـ,ـرحة.. وروحت على المشرحة، روحت لقيت حماتي قاعدة في صمت تام، بتبكي في ذهول، وحمايا قاعد يحوقل ومش قادر يقف، قعدت على الأرض أترعش زي البردانة وفقدت النُطق ليوم كامل، كل حاجة حوليا كانت باهتة، إحساسي بنفسي مكنش موجود، ومش قادرة أستوعب اللي حصل..

وشوفته للمرة الأخيرة، كانت عربية خبطاه وجسمه كله متغير، كان باين إنه اتألم، لكن رغم كدا كانت ملامحه هادية ومبتسم، وحلفت من جوايا مصرخش عليه ولا صرخة، وزي ما رسولنا الكريم قال (إنَّما الصَّبرُ عندَ الصَّدمةِ الأولى) أخرجه أبو داود

واتدفن في النهاية واتدفنت حتة مني معاه، وقضيت بعدها تلت أيام مش قادرة أقوم من على سجادة الصلاة، الموضوع كان صعب، لأني مجرد ما ببعد بفتكر وبتعب، لازم أفضل أصلي وادعي لحد ما ربك يأذن وأقدر اتقبل الموضوع، وعدى أسبوع معرفش عدى ازاي، ومقدرتش أتخطى الموضوع غير بالدعاء والصبر، لحد ما اتصل بيا حد وقالي إنه صديق مُقرب من عبد الرحمن وعايز يقابلني ضروري..

كلمت والدي واستقبلناه واستأذن والدي إنه هيبلغني برسالة من عبد الرحمن وإن الوصية بتقول إني أسمع الرسالة لوحدي، ولقيته بيطلع من جيبه ورق، الورق كان عبارة عن ٤ وصولات أمانة كل وصل بـ ٥٠ ألف، يعني ٢٠٠ ألف جنيه، والورقة التانية كانت وصية عبد الرحمن، كان كاتب فيها إنه لو لا قدر الله مات ومسددش الدين فزوجته هتسدده عنه وهو متأكد من كدا.. وعرفت إن عبد الرحمن كان سالف ٢٠٠ ألف جنيه من صاحبه عشان الشقة على وعد إنه هيسددهم خلال سنتين ونص، لكنه مات دلوقتي واسمي هو اللي في الوصية..

معرفتش أرد أو اتكلم، وعدته إني هفكر وأرد عليه، قالي إنه كان هيسامح فيهم لكنه محتاجهم لوالدته اللي هتعمل عملية، وإنه مش قادر يسامح ويمكن عبد الرحمن دلوقتي متعلق عشان الدين اللي عليه ولازم يتسدد في أقرب وقت.. ومشي صاحبه وفضلت أنا في حاله توهان عجيبة، عمالة أفكر في المصيبة دي، ٢٠٠ ألف جنيه ده رقم ضخم أوي، أنا الشبكة اللي معايا مجرد خاتم ميكملش ٧ آلاف جنيه، طيب هعمل إيه، ووالدة عبد الرحمن ووالده ناس مساكين ومش معاهم حاجة، غير إنه كتب اسمي أنا يعني عارف إنهم مش هيقدروا يسددوا أي حاجة..

وفضلت أفكر أسبوع كامل وأنا محتارة، لحد ما اهتديت لحل وحيد، نبيع عفش الشقة كله ونشوف هيجيب كام مع الدهب وكل الفلوس اللي معايا، وبعد عناء أسبوع كامل عرفت إن كل اللي في الشقة مش هيكمل ٢٠٠ ألف، غير إننا هنتعب أوي في موضَوع البيع والناس هتشتري بنص التمن..

وبقا صاحبه كل شوية يتصل بيا عشان عايز الفلوس، وأنا مش عارفة أعمل أيه، كل اللي بعمله عمالة أدعي واستغفر لعل وعسى نلاقي حل في الموضوع، لحد ما صاحبه كلمني مرة تانية وقالي إنه اتصرف في موضوع عملية والدته، فرحت أوي وقولت هيسامح في المبلغ، لكنه طلب وقتها المبلغ بعد شهر، وقال إنه هيستنى شهر واحد عليا..

وفضلت في الحيرة دي، مش عارفة أعمل أيه، الأيام بتجري بصورة غريبة، وأنا مقهورة على جوزي اللي مـ,ـات مديون بسببي، ومتأكدة إن ربنا بيغفر كل حاجة إلا الدين، لازم حد يسد الدين عن الميت، لحد ما كلمني مرة تانية وعرض عليا عرض غريب أوي.. قالي إنه هيسامح في الفلوس، وكمان هيعوضني، شرط إني أوافق اتجوزه، وياخد الشقة من المستأجر بعفشها ونتجوز فيها، وهو كلم والد عبد الرحمن ووافق، دي الحاجة اللي تخليه يسامح في فلوسه..

قفلت السكة في وشه وأنا مصدومة، حاجات بتحصل أكبر من استيعابي ليها وتفكيري اتشل تقريبًا من يوم مـ,ـوته، بعتلي رسالة وقالي إنه شاف عبد الرحمن في الحلم متعلق في مكان وحزين وكان بيقوله إن نجاته في إيدي، وقالي إني لازم أقبل عشان جوزي اللي مات.. شوية وكلمتني حماتي وقالتلي إنها شافت رؤية إن عبد الرحمن عاوزني اتجوز صاحبه، ويمكن دي كانت الناهية، دي ست متدينة وأكيد شافت رؤية فعلًا، وحاجة أنا مجبرة أعملها..

ولقيت نفسي بيتكتب كتابي مرة تانية على صاحب جوزي (مسعود) وهنتجوز في الشقة اللي اتجهزت بالكامل من فلوسه على حسب كلامه، والغريب إن وقت الانتظار جري بسرعة أوي، عكس أيامي مع عبد الرحمن، ولقيت نفسي في يوم وليلة معاه في نفس الشقة اللي كانت هتكون مسكن ليا أنا وعبد الرحمن.. تقبلت الموضوع لأن ده أمر الله وأنا ماليش يد فيه إطلاقًا، لحد ما دخلت أنا وهو أوضة النوم، الغريب إنه كان حاسس بصداع غريب أوي، وقالي إنه هينام انهاردة لأنه تعبان، ومقربش مني إطلاقًا..

نمت جنبه وأنا حاسة بشعور غريبة، كأننا متراقبين أو فيه حاجة معانا في المكان، وفي نص الليل صحي مخضوض وقال كلام غريب، قال إن عبد الرحمن كان نايم في النص بيني وبينه، طبطبت عليه وقولتله ده مجرد كابوس، وفعلًا قام ودخل الحمام عشان يغسل وشه لأنه كان عرقان أوي.. دخل الحمام وطول أوي جوه، روحت أطمن عليه،چ سمعت وكأنه كان بيتكلم مع حد، قربت شوية وسمعت اللي خلاني أفقد كل ذرة في عقلي، كان بيكلم حد وبيقوله:

ـ أنا مكنتش عايز أعمل كدا أنت اللي أجبرتني، كل حاجة بتمناها أنت اللي بتحققها، حتى البنت اللي كنت هتتجوزها أنا كنت همـ,ـوت عليها، أنا مكنش قصدي أقتـ,ـلك أنا بس كنت عايز أعطلك شوية وأشوفك بتتعثر زي مانا كنت بتعثر وإن مش كل حاجة ماشية معاك كويس.. وقفت مشلولة قدام الحمام عشان يكمل ويقول: ـ مكنتش عايز أتجوزها، بس لما أنت مُت قولت أعمل موضوع الوصولات ده عشان أحافظلك عليها من أي حد تاني، أنا أنا…

وسمعت صراخ غير طبيعي، وفي لحظة اتفتح باب الحمام وطلع يجري من الشقة كلها، اتصلت بوالدي وأنا مرعوبة وحكيتله كل حاجة وأنا منهارة، خدني على القسم واتصل بحمايا وهناك حكيت كل حاجة، وفعلًا سلمنا وصولات الأمانة اللي خدتهم منه بعد كتب الكتاب واتضح إنهم مزورين، المباحث قبضت عليه واتضح إن الشيـ,ـطان ده عمل كل ده..

لما شاف جوزي عبد الرحمن، ربنا ميسر عليه كل حاجة حس بالحقد عليه، وسلط عليه حد يخبطه بالعربية يكسره عشان الفرح يتأجل أو يعطله شوية لأن حياته هو كانت واقفة في كل حاجة، لكن يشاء ربك إنه يمـ,ـوت، وقتها قرر يكمل ويسمع لشيطانه ويخترع موضوع وصل الأمانة ويضغط عليا عشان اتجوزه في نفس الشقة.. ولما لقاني رافضة راح لحماتي وضغط عليها تكذب وتقول موضوع الحلم لأن ابنها متعلق ومش هيدخل الجنة إلا لما هو يسامح، ولأننا مبنفهمش مشكناش لحظة إن وصولات الأمانة دي مزورة، ولا كنا فاهمين إن فيه شـ,ـيطان ممكن يعمل كل ده في واحد ميت..

يشاء ربك إنه يكمل في كل ده عشان حق جوزي يرجع ويتحكم عليه بالإعـ,ـدام، ورغم كل ده محزنتش، فوضت الأمر لله اللي نجاني منه وجابلنا حقنا بالكامل، ورغم إنها قصة صعبة لكن اتعلمت منها كتير، اتعلمت إننا نسلم لأقدار الله مهما كانت، حتى لو في ظاهرها شر، واتعلمت إن اللي بيمشي في طريق ربنا، بيتيسر ليه كل حاجة، واللي يمشي في سكة الشـ,ـيطان كل حاجة بتتعسر معاه، والحمد لله على كل شيء..

بحكي قصتي وأنا متجوزة انهاردة من شخص محترم وطيب جدًا، شخص اشترى كل حاجة في شقة عبد الرحمن وكمان طلع مبلغ بنفس القيمة صدقة على روحه، بحكي كل ده عشان الناس تتعلم إننا مش هناخد غير نصيبنا في الدنيا مهما عملنا.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى