
كنا في زيارة أنا وأمي امبارح عند الخالة بدرية اللي كان واضح عليها الغضب الشديد وبتبص لأمي بصات كلها لوم وعتاب، وبدون تفكير طويل قالت إننا لازم نعمل زار دلوقتي.. قالتها الخالة بدرية بكل حزم وكأنها مش ناوية تدي لأمي فرصة للاعتراض، وأمي كانت واقفة لا حول لها ولا قوة، بتبكي بصمت وجسمها بيترعش، بصتلها الخالة بغضب أكبر وقالت.. ـ بقالك تمن سنين سايبة بنتك من غير حارس يا متخلفة..
وأمي مش قادرة ترد، كأنها مذنبة، ارتكبت جرم شنيع، وأنا واقفة مستغربة، متعجبة من موقف أمي السلبي ده، كنت واقفة خايفة جدًا من الجو الرهيب ده، أوضة ضيقة وفيها ترابيزة دائرية في النص عليها أطباق كتير جواها سوائل غريبة، على الحيطان كان فيه جماجم كتيرة متعلق شكلها مرعب..
وللأسف أمي مكنتش هتقدر ترفض، اطلاقًا، وده ببساطة لأن الخالة بدرية هي أقوى شخصية في بلدنا، كلمتها ماشية على الجميع بلا استثناء، وبدون مقدمات دخل من الباب ستات كتير، أكتر من عشرين ست ماسكين دفوف، وزقوني بعنف وقسوة عشان امشي قدامهم، وبقينا نلف حولين الترابيزة، كنت ببص لأمي بستغيث، بس أمي كانت بتبكي بصمت، وايدين غليظة بتزقني عشان أكمل في المسير حولين الترابيزة.. وبدأ النواح والض.رب علي الدف، ضحكات وترانيم غريبة، الأوضة مكتظة جدًا بينا مفيش فيها نفس، والصوت عالي، مرعب، مش مفهوم..
جالو ماجاسكيمو نرازوسين سو بيرادا ستيكرو نيسي كلمات مبهمة، غريبة، والصوت بدأ يخترق جسمي كله زي اللكمات، كأن فيه حد نازل ض.رب علي جسمي كله، وكل ما ادوخ ألاقي ايديهم بتزقني بكل عنف عشان اتحرك، كنت بترنح زي المجانين، بصرخ، بس صوتهم كان أعلى من صراخي، وصوت الغناء اتحول لصراخ.. بس اللي قدرت أميزه كان صوت بدرية، من وسط صراخ كل الستات دي سمعتها، سمعتها بتقول ـ بات الجسد مهيئًا للدخول فأسكنوه، ومن طعامكم أطعموه، ومن شرابكم اسقوه، وبناركم أحرقوه، ولأجل سيدنا استعبدوه..
في اللحظة دي حسيت بطرقات مطرقة على راسي، جسمي كله نمل تنميل عجيب، حسيت إن فيه مليون ابره بيقطعوا في كل حتة في جسمي، وصرخت آخر صرخة ووقعت، وضلمت الدنيا كلها من حوليا.. صحيت بعدها جسمي كله متخدر، بصيت حوليا كنت في أوضتي، بس شوفت في ظلام الأوضة وشوش كتير أوي، وشوش كلها سودة وبتلت عيون، مجرد وشوش طايرة في ظلام الأوضة، جيت أصرخ ملقتش لسان يتحرك، جيت أتحرك مقدرتش، خدر عجيب ماسك جسمي كله..
نمت تاني، وصحيت، نفس الوشوش بتحملق فيا، في جسمي كله، بعيونهم الثلاثية، العيون المشتعلة بلهب غريب، مفزع، أسبوع كامل وأنا عندي حمى غريبة، بهلوس، بقوم بالليل امشي زي المجذوبة، عرفت إنهم جابوني من المقابر مرتين بالليل.. وقدرت أقوم من تاني، بس قمت وأنا في جسمي تسعة، الخالة قالت إنهم تسع حراس، بس اللي أعرفه إن الحارس ده بيحمي صاحبه وبس، إنما أنا كل ليلة أشوفهم وأنا نايمة بيقطعوا في كل حتة في جسمي فده شئ مر.عب، الصداع اللي بقا ملازمني ٢٤ ساعة، التشنجات والحركات اللا إرادية اللي بقت ملازماني في كل أيامي..
وبقيت تقريبًا زي أغلب بنات القرية، كلنا لينا طريقة معينة في المشي، زي المعاقين بالظبط، كلنا بنقدر نشوف الجن ونتعامل معاهم، كلنا بنصاب بنوبات صرع، مفيش يوم بيعدي غير وعشر بنات أو أكتر بيصابوا بالنوبات دي، كل كام يوم لازم تمو.ت بنت من البنات.. وبدأ الجحيم، الجحيم اللي قرر يصب حممه على بنت عندها ١٨ سنة، جسد مستباح لتسعة حراس، وليل طويل مظلم، حلم بقا واقعي، مكان بروحله كل ليلة، بركان ثاير بالحمم الملتهبة، والتسع حراس بيدوروا حولين فوهة البركان، وفجأة يشيلوني ويرموني جوة الفوهة..
يوميًا نار بتاكل في جسمي، وشياطين بتنتهك جسمي، صداع، تشنجات، تصلب في الفخذين بيخليني أمشي زي المعاقة، المهم إني خلاص بقا عليا حارس، حارس يحميني من ايه مش عارفة، المهم إنه بيحميني.. لحد ما خدتني خالتي في يوم لمسجد السيدة نفيسة في مصر، بتقول عليها نذر بتوفيه، يومها شافني شيخ كان قاعد بيقرأ في مصحف، بصلي بصة عجيبة، بس استريحت في وجوده، ساب خالتي بتتكلم مع شيخ كبير، وخدني في ركن في المسجد، وبدون مقدمات سمعته بيقولي:
ـ التاسوع.. بصتله بتعجب وانهرت من البكا، وده لأن التاسوع ده أكبر حارس في التسعة، كنت بشوفه يوميًا وعارفة اسمه، ابتسم ابتسامة شفقة وقالي: ـ هتيجي معايا ولا ترجعي لخالتك؟؟ بصيت وقتها لخالتي اللي كانت بتدور عليا وسط الناس في خوف شديد، بعدها رجعت بصتله و…. وقولتله: ـ معاك أنت..
مشيت معاه، مشيت وأنا سامعة صرخات خالتي قدام المقام، بس حسيت وقتها بانجذاب رهيب تجاهه، روحت معاه بيته واستقبلتني ماما عائشة زوجته، ومن أول يوم لقيته بيربطني في كرسي وبيبتسم، وبدأ يقرأ قرآن، حسيت بنفس إحساسي زمان، وخز الابر، طرقات المطرقة، بس الغريب إني من يومها مبقتش أشوف الحراس، اختفوا للأبد.. بقيت بمشي سليمة، الصداع راح، والكابوس زال، كل حاجة بقت طبيعية، بقيت بضحك، باكل، بشرب، حتي إني بقيت بتعلم الفقه والحديث، فضلت تلت سنين بتعلم من الشيخ، تلت سنين فهمت فيهم العلم الروحاني، لحد ما جه يوم وبدأ الشيخ يتكلم، يتكلم بكلام عجيب..
الخالة بدرية ما هي إلا ساحرة، ساحرة من ساحرات الغجر عملت عهد جهنمي مع الشيطان، كانت مشتتة هي وأهلها من بلد لبلد، نبذهم أهل الريف وطردوهم من كل البلدان، لحد ما قررت ونزلت بلدكم من زمن طويل، وبدأ الكام راجل اللي معاها يعتدوا على البنات بالليل، كانوا بيغتصبوهم ويرموهم في الشوارع، أهل البلد كانوا مرعوبين من كثرة تكرار الأمر، لحد ما انتشرت فكرة الحراس..
حاجة شبيهة بسحر التصفيح كدا، كانت البنت تروح مع أمها للخالة فتفتح ثغرة في جسمها عشان يتملكها الشيطان، وهنا يبقا دور الحارس إنه ميخليش حد يأذيها، ومع الجهل الشديد الكل آمن بيها وصدقها، بل وأمرت إن اي بنت تكمل ١٠ سنين لازم تروح فورًا عشان يوكل عليها حارس.. وكان اللي بيمتنع كانت بتأذيه في بنته، إما بالسحر، أو بالخ.طف، ووفى الشيطان بالعهد معاها، يكون لها سطوة وأرض هي وقومها، مقابل إنها تخلي له سلطان على كل بنات القرية، وقد كان..
واستمرت طلبات الشيطان، كل بنت يتيمة بتبقا خادمة للخالة، وكانت بتشغلها إما في الكشف عن كنوز الأرض أو الدعارة، وبما إنها مسكونة بالحراس فمكنتش تقدر تعترض، اطلاقًا، بلد كاملة أفسدتها الخالة وخلتها مرتع للشياطين، وكله تحت مسميات وهمية، الحراس.. بصتله بذهول، خاصة إني كنت اتعلمت وعقلي نور، سألته ازاي عرف كل ده، قالي إنه راح هناك من عشر سنين، راح يحارب بدرية، وكان هينتصر عليها، لولا إن الض.ربة جتله من أهل القرية نفسهم وكانوا هيق.تلوه، وهر.ب في آخر لحظة، وافتكرت، افتكرت فعلًا الحكاية دي وأنا صغيرة..
لما أهل البلد كلهم كانوا بيطاردوا راجل بالحجارة والخالة بتقول إنه شيطان، وفهمت منه إنه عرف التاسوع وهو الشيطان المشترك والمسيطر على كل بنات القرية وحاربه يومها، بل وإنه شافه من خلال عينيا في المسجد وقرر يساعدني.. يومها لبسني ثوب عجيب وقالي، أنا جهزتك للحرب، ولازم تنتصري فيها، لازم، وبالفعل رجعت البلد بعد سنين، بس عرفت إني مش لوحدي، قبيلة كاملة من الجن المسلم كانت معايا، عباد من عباد الله جايين يحاربوا الظلم، بس أنا استعنت بالله وحده، وأول ما وصلت روحت للخالة..
الخالة اللي كانت بتجهز لحفلة زار جديدة لبنت من البنات، وأنا تعمدت أروح يوم الأربع بالليل، لأنه يوم الزار من الأساس، حسيت بنار بتشتعل في الأجواء، حرب طاحنة قامت بين التاسوع والقبيلة المسلمة، وده هيشغل التاسوع شوية عني.. دخلت وسط الستات وهما بينوحوا، وبيض.ربوا على الدف، من علمي فهمت إنها استغاثات وطلب مدد من الشياطين، وبدأت ادور معاهم ومحدش واخد باله مني، كنت بدلق مواد مشتعلة في كل مكان، والصراخ والصياح شغال، والض.رب على الدف بدأ يعلى ويعلى ويعلى..
وفي غفلة منهم شيلت البنت وجريت بيها، وقبل ما اخرج كنت برمي الشعلة اللي في الحيطة على الأرض، ومسكت النار في كل حاجة تقريبًا، في الكل بلا استثناء، نار رهيبة زادت بفعل المواد الغريبة اللي في المكان، وارتفعت ألف ألف صرخة من المكان كله، ستات بتحترق وشياطين بتحاول تهرب من أجسامهم، التاسوع نفسه وقع أسير في الحرب، وارتفعت ألسنة اللهب وخلت المكان كله أثر بعد عين..
وظهرت أنا قدام الكل، ظهرت بكل سطوتي وقوتي، والكل خضع ليا بدون قيد أو شرط، وبدأت رحلة علاج طويلة استمرت سنوات لحد ما كل بنات القرية اتعالجوا، لحد ما بقت الفكرة مجرد أسطورة، البعض فاكر تفاصيلها انهاردة من كبار السن في قرية بمحافظة المنيا، والبعض بيقول إنها مجرد أسطورة، أسطورة بدرية والتاسوع.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




