
بقالي يومين بتحصلي حاجة غريبة ومُخيفة جدًا جدًا، حاجات خلتني خلاص مبقتش قادر أتلم على أعصابي إطلاقًا، أنا بشم ريحة أبويا المي.ت في كل مكان في البيت بتاعنا، وبقيت خلاص قربت اتجنن، وهمو.ت من الخوف والتفكير، أحنا خلاص دفناه وخدنا عزاه، أيه بقا اللي بيحصل ده؟! لسة فاكر تفاصيل اليوم كله، فاكر لما أختي صرخت بأعلى صوتها في البيت، فاكر لما نزلت أنا ومراتي نجري من شقتي فوق على صراخها عشان نشوف الكارثة، أبويا مات، بيصحوه لقوه مي.ت، وبدأ اليوم الأصعب في حياتي، يوم الدفن والعزاء والصراخ والبكاء و و و…..
كان يوم تقيل، تقيل جدًا، بس خلاص انتهى، وطالما انتهى يبقا المفترض ينتهي كل شيء، بس بعد تالت يوم عزاء طلعت شقتي عشان اتصدم، ريحة أبويا بتفاصيلها شاممها كويس أوي، أبويا كان بيحط عطر معين على كل لبسه، وكانت ريحته بتوصلنا قبل ما يدخل البيت كمان، وريحته دي أنا شاممها بعد ما مات بتلت أيام.. حاولت اتجاهل الموضوع وأنام، بس يومها مراتي صحيت تصرخ من نومها، فضلت تنهج كتير وفي النهاية قالتلي أبوك كان بيخنقني وأنا نايمة..
بدأ الخوف يض.رب قلبي، حاولت احتويها بقدر الإمكان بس مقدرتش، فضلنا طول الليل صاحيين، خايفين، خايفين من حاجات كتير حصلت يوم الدفنة، حاجات كنت أتمنى مقربش منها.. في اليوم التاني بدأ المطر ينزل زي السيول، خاصة إننا كنا في عز الشتاء، الكل قفل بيته ودخلنا ننا.م، حاولت أنام كتير بس معرفتش، الجو كان ظلام دامس وخاصة إن الغيوم كانت مغطية القمر، وفجأة شوفت أبويا واقف قدام سريري، أبويا بنظراته الشر.سة وشكله اللي اتحفر في ذهني..
كان غضبان أوي، شايفه رغم الظلام الدامس، وكأنه جاي يض.ربني عشان عملت حاجة غلط، بصلي وبص للدولاب بغضب أكبر، وبدون مقدمات هجم عليا ومسكني من رقبتي، كان بيخنقني، حاولت بكل قوتي أبعده عني بس معرفتش، كان قوي جدًا، فضلت أدفعه من رقبته عشان يتحول صوته لصراخ واحدة ست.. ركزت معاه لقيتني بخنق مراتي، بقتلها، بعدت عنها وأنا مذهول، حاسس إن عقلي طار، رجعت وقفت قدام السرير وأنا مش قادر أنطق، لقيتها بتصرخ فيا ـ أنت اتجننت وعايز تقتلني يا حقير..
مقدرتش أنطق بحرف واحد، خرجت من الأوضة قعدت في الصالة وأنا شامم ريحة أبويا في كل مكان، عايز أبكي، خايف، حاسس إني ارتكبت جريمة فظيعة مش عارف هتوديني فين.. شوية وخرجت مراتي تبصلي والشرار بيطق من عينيها: ـ عايز تقتلني!! ـ مكنش قصدي يا سعاد.. ـ لا قصدك أوي، أنت طول عمرك بتكرهني وعايز تقتلني حتى بعد ما ساعدتك ووقفت جمبك.. بصتلها وسكت خالص، ساعدتيني فين يا ملعونة، ده كل المصايب دي أنتي السبب فيها، تاني يوم كانت لمت هدومها وسابت البيت كله، قليلة الأصل من يومها وسهل أوي تسيب جوزها وأبوه لسة مي.ت من أيام بس..
وفضيت الشقة عليا، أختي الصغيرة تحت وأنا فوق، على الأقل ارتحت منها ومن قرفها، بس مكنتش أعرف إن الرعب هيبدأ من الليلة، دخلت أخد دش كالعادة وأنا تحت المية سمعت صوت الباب بيتفتح بالمفتاح.. افتكرتها مراتي رجعت، بس الغريب إني سمعت صوت نحنحة، صوت خشن، صوت أبويا، جسمي كله اتكهرب تحت المية وأنا عريان، مفيش دقيقة والنور كله قطع.. أنا في الحمام، تحت الدش، وسامع صوت خطوات بتتحرك قدام الحمام، لحظات واتحولت المية السخنة لمية باردة، وأحنا في عز الشتاء، جسمي كله بقا بيتنفض من الرعب، والبرد، صوت الخطوات واصلني، وأنا قلبي عمال يتنفض، رعشة غريبة مسكاني وحاسس إني همو.ت..
كأن فيه دبابيس غريبة بتشك في جسمي كله، لحظات ورجع النور، واشتغل السخان ورجعت المية سخنة، لبست هدومي وأنا مش قادر أتلم على أعصابي وخرجت، ريحة أبويا في كل مكان.. أنا همو.ت من الر.عب قريب أوي، دورت في الشقة كلها بس ملقتش حاجة، لا لا لا لقيت، درفة الدولاب عليها خرابيش، خرابيش غريبة، شغلت القرآن وقعدت في الصالة بترعش، مش عارف هعمل أيه، أكيد مش هنزل أنام مع أختي تحت من الخوف..
ورجع المطر تاني، دخلت الأوضة وسبت القرآن شغال ونمت، بس وأنا نايم حسيت بحاجة بتتحرك برة في الصالة، صحيت لقيت الشقة مضلمة والقرآن مطفي، تقريبًا النور قطع تاني بسبب المطرة.. بس مش دي المصيبة، المصيبة إني شامم ريحة أبويا من تاني، حاسس إنه معايا في الأوضة، كأنه حي، نايم جمبي، وبدأت أحس بحاجة بتتنفس ورايا، لفيت وأنا مفزوع عشان أشوف شخص متكفن نايم ورايا.. قلبي وقف عن النبض وجسمي كله اتخشب، مديت إيدي براحة وكشفت وشه، كان أبويا، أبويا اللي فتح عينيه واتكلم، اتكلم بصوت خشن, مرعب وقال:
ـ تعالى عشان تدفني.. وصرخت، ووقعت من فوق السرير وأنا بتنفض زي الممسوس، بصيت ملقتش حاجة، تقريبًا كل ده كان حلم، بس حلم واقعي، ملموس، مرعب.. ومن يومها وكل ليلة بشوف أبويا وقت نومي، حتى لما نمت في أوضة تحت، كل مرة يجيلي بالكفن ويطلب مني أروح عشان أدفنه، وكل مرة بيبقا شكله مرعب، مرة من غير عينين، ومرة والدود على جسمه كله، ومرة وهو لونه أزرق بزرقة المو.ت..
وقتها جالي نوع من أنواع الشلل الغريب، جسمي كله بقا يترعش وأحس إني فقدت الحركة تمامًا، رعشة غريبة مسكت إيدي اليمين ومبقتش بتحكم فيها، نظري ضعف ولساني تقل، عرفت إني لو مروحتش المقابر همو.ت، أو هتشل، أو هتجنن.. وللأسف قررت أروح المقابر، عند قبر أبويا، أطلب منه السماح، السماح من جرم ارتكبته ومش عارف ليه ارتكبته.. وروحت المقابر بعد المغرب يومها عشان محدش يشوفني، روحت أدفن أبويا مع إني مش عارف ازاي هدفنه، المكان كله صامت والبرد بيض.رب في جسمي جامد، فتحت باب التربة وأنا بترعش، سلطت الكشاف على الجسم المي.ت وأنا مرعوب..
ولقيت نفسي بدون أي إرادة مني بتكلم: ـ أعمل أيه يابابا بس، مش عايز تسبني في حالي ليه؟! بصيت للج.ثمان شوية وقررت أقفل الباب، أنا كدا خلاص د.فنته، بس قبل ما أقفل الباب حسيت بحاجة بتض.ربني من ضهري بقوة خلتني أقع في قلب التربة، مع ج.ثة أبويا، وقعت وجسمي كله شبه اتخشب، وشوفت بعيني ناس كتير، ناس بتصرخ وبتتحرق في نار عظيمة، نار سوداء رهيبة، صرخاتهم كانت بتزلزل الأرض من شدتها، وأنا بتفرج عليهم وشعر راسي كله شايب من هول المنظر..
شوية واختفى المشهد وشوفت تعبان طويل بيزحف على جسمي، كان شكله أسود مخيف، جسمي كان متخشب مبيتحركش، حاولت اتشاهد مقدرتش، لساني كان ناشف زي حتت الصخر، دموعي نزلت ومن جوايا فضلت أقوله: ـ سامحني، سامحني يارب.. لحظات وبدأت أغيب عن الوعي الدنيا تظلم تمامًا، عرفت إني بمو.ت، بمو.ت وهروح للنار اللي كنت شايفها من شوية، بس لما فقت لقيت حد عمال ينادي عليا ويهزني، بصيت بخوف حوليا لقيتني وسط المقابر، قدام مقبرة أبويا، بصيت للوش اللي بيكلمني لقيته الشيخ عرفة، أمام المسجد بتاعنا..
قالي إنه كان بيتجول صدفة وسبحان من ألهمه يمشي من الحارة بتاعتنا ولقى باب التربة مفتوح وأنا واقع جوة بتشنج، بصتله وانهرت من البكاء، ح.ضني وحاول يحتويني وفضل يذكرني بالله وبرحمته.. واعترفت اخيرًا، اعترفت وأنا ببكي، لمحت على ملامحه الغضب الشديد، بس في النهاية قالي روح صلي العشاء وتوب لربنا واعتذر للي ظلمتهم، روحت صليت العشاء وبكيت كتير أوي في سجودي، وطلبت من ربنا يسامحني.. اتصلت بأختي المتجوزة وطلبت منها تيجي على بيتنا، طلعت شقتي وفتحت ضرفة الدولاب اللي عليها الخربشة، فتحتها وجبت ورقة، نزلت لأخواتي البنات الاتنين وقعدت قدامهم، مش قادر حتى أنطق بكلمة، في النهاية اتكلمت وقولت:
ـ أبويا الله يرحمه كتبلي شقتي اللي فوق باسمي، والشقة دي كانت بتاعتكم أنتم، ورثكم.. بس أنا الشيطان لعب في دماغي، والشيطان هنا مكنش من الجن دي كانت مراتي الله يحرقها، قالتلي إني أخلي أبويا يمضي ليا ويتنازل عن الشقة دي ويبقا البيت كله بتاعي، ولما حاولت أفاتحه في الموضوع مسخر بكرامتي الأرض، ومع زن مراتي إن لما نخلف ابننا لازم يكون له شقة وإنكم واحدة اتجوزت والتانية مسيرها لبيت جوزها استنيت لما أبويا مات، ويوم الدفنة خليته يبصم بصباعه وهو مي.ت على عقد التنازل عن البيت كله ليا، وكنت شايله لحد ما أنتي تتجوزي وأخد البيت كله ليا..
أخواتي كانوا مصدومين، مش قادرين ينطقوا، وأنا انهرت من جديد من البكاء وفضلت استسمحهم يسامحوني، والغريب إنهم سامحوني، بس أنا مقدرتش أسامح نفسي، وتاني يوم كنت باعت العفش وورقة الطلاق لبيت حمايا، وقررت أعيش اللي باقي من عمري أحاول أكفر عن غلطتي دي، خاصة لما أبويا منع نفسه عن زيارتي من يومها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




