
شعورك بليلة الزفاف بيكون استثنائي بكل المقاييس، كأنك على موعد مع دخول الجنة، ليلة العمر اللي الكل بيفضل مستنيها عشان ينسى هموم عمره كله، إنك فجأة تلاقي نفسك مع شريك حياتك لوحدكم شعور مميز، واستحالة يتكرر بعد كدا، هي مرة واحدة في الحياة وبس.. وأنا انتهيت من الشعور دا من سنة ونص تقريبًا، ورجعت عازب تاني بعد ما اتجوزت بشهور بس، وعاودت البحث عن الشعور من تاني، لحد ما لقيتها، ومن جوايا جالي اليقين إن هي دي البنت اللي هيتقفل عليا أنا وهي الباب، وصدقت شعوري لأقصى درجة، مهو استحالة الجمال دا كله يهرب من تحت إيدي..
أنثى منحوتة زي الكتاب ما بيقول، وأنا عندي خبرة كافية إني أعرف الأنثى من أشباه الإناث، وكان كل اللي باقي بس إني أقرب منها وأعرف هل هي هتسمع الكلام ولا لا، لأني مش مستعد أكرر نفس المأساة من تاني إطلاقًا..
يومها روحت المكتب بتاعها وصارحتها إني عايزها في أمر مهم جدًا، وبما إني الشاب اللي عنيه خضرا وشكله وسيم فمتقدرش ترفض، وبعد الشغل كنا قاعدين أنا وهي في كافيه، طلبنا قهوتنا وقولتلها إني عايز اتجوزها، مش قادر أنسى لمعة عينيها وضحكتها واحمرار خدودها، أيقونة من الجمال الرباني خلت قلبي يرجف من مكانه، لدرجة إني كنت عايز أعترفلها إني بحبها، أو إن الشعور ده اتولد حالًا.. زورتهم في البيت والناس رحبوا بيا جدًا، وقبل خطوبتنا بيوم كنت بحط النقط على الحروف، مفيش خلفة غير بعد تلت سنين من جوازنا وده أمر منتهي ومفيش فيه أي نقاش..
بل وهتستخدم أكتر من وسيلة منع للحمل، ولما شوفت في عنيها نظرات تعجب أكدت عليها بصرامة، مفيش خلفة دلوقتي خالص مهما كان، أنا مش مستعد أخلف طفل ومعرفش أصرف عليه، ومش مستعد أشيل مسؤولية بأي شكل من الأشكال.. وعرفت ببراعة أقنعها توافق ومتعترضش، بل ولعبت على وتر العقلانية والمنطق، وإني لازم استمتع بوجودها في حياتي أطول فترة ممكنة قبل المسؤولية والخلفة، وبعد جدال طويل انتهينا بشروط مشهود عليها، مفيش خلفة غير بعد تلت أو أربع سنين، وموانع الحمل هتاخدها من خلالي أنا، وجت ليلة الزفاف، ولقيت نفسي في مكان واحد مع البنت اللي اخترتها بنفسي..
كنت جددت شقتي المركونة ورجعتها جديدة، بل وحتى دهانات الشقة غيرتها، دخلت حمامي اخد دش وهي دخلت الأوضة، وغرقت في أحلام اليقظة والمشاعر الفياضة، وخرجت للصالة وأنا مبتسم ابتسامة مشرقة.. بس الغريب إني أول ما خرجت للصالة النور بتاعها باظ، بداية مش مبشرة بالمرة، وقبل ما أدخل للأوضة حسيت بحاجة بتزحف من عند باب الحمام للصالة، معرفش ليه وقتها جسمي كله اترعش وقلبي دق، بلعت ريقي بالعافية وحاولت أركز في الضلمة على الحاجة دي.. أيه دا؟!
دا فار ضخم ولا، ولا جسم صغير خالص، قزم ولا طفل ولا أيه، شهقت لما اتضحت الملامح على نور الأوضة، ده جسم طفل صغير وجسمه عريان وغرقان دم حرفيًا، وبيزحف ناحيتي في هدوء شديد، لحظات بتشل الجسم وتخلي القلب يتنفض بهيستريا، رعب بيخلي شعر جسمك كله يقف، عنيا اتصلبت على جسم الطفل، وهو مازال بيزحف ناحيتي، كأنه وحش من وحوش أفلام الرعب.. لحظات بس وكان تحت رجلي، وبصوت خشن جدًا كأنه صوت رجل بالغ نطق وقال:
ـ بابا.. ومسك في رجلي بضوافر من حديد، هنا صرخت بأعلى صوتي ووقعت في الأرض فاقد للوعي ولكل حاجة تقريبًا، وكأني اتكهربت بكهربا ألف ڤولت، وفضل جسمي يتنفض زي الممسوس كتير أوي.. حسيت إن عدى عليا وأنا نايم سنين طويلة لحد ما فقت وصحيت، كانت مراتي بتلطم ومرعوبة وبتحاول تفوقني، قمت وأنا بترعش لاإراديًا ومقدرتش أنطق بكلمة، دخلت أوضة تانية وفضلت اتنفض لحد الصبح، وهي مقربتش مني وإن كانت نظراتها المتهمة عاملة زي الخنجر اللي بينتهك رجولتي، نظرات تشكيك مخيفة، بس أنا كنت متد.مر..
وعدت الليلة ثقيلة أوي، نزلت قعدت مع واحد صاحبي مقرب ليا وحكيت له كل حاجة، قالي إنه مجرد توتر واشغل قرآن في الشقة ولازم أدخل على عروستي في أسرع وقت منعًا للقيل والقال.. قضيت معاه وقت طويل لحد ما هديت خالص، تجاهلت كل اللي حصل وتجهزت لليلة جديدة، اتصلت بيها ولطفت الجو وانطلقت للشقة، غيرت هدومي بهدوء ودخلت اخد الدش الجميل.. بس اللي مكنش متوقع إني وأنا تحت المية يطفي عليا النور، وفي لحظة تتحول المية اللي بتنزل على جسمي لمية باردة زي الجليد، واتنفض جسمي كله من تاني، وراودني نفس شعور امبارح، الرعب في أقصى درجاته..
وحسيت بغطاء التواليت بيتحرك لفوق، النور الضعيف اللي أسوأ من الضلمة بيخليك تشوف الرعب كله، شهقت مرة واتنين، جسمي تحت المية الباردة مشلول، وظهرت من قلب التواليت نفس راس الطفل الغرقـ ـانة بالدم، طفل عريان شكله بشع، وحسيت برجلي بتتقوس زي المشلول ووقعت في البانيو، وشوفت بعنيا الطفل بيزحف ناحيتي، شوفته وهو بيقع من التواليت على الأرض وسمعت صوت الارتطام، سمعت صوت زحفه اللي عامل زي الحلزون..
شوفته بعنيا بيزحف زي الدودة على البانيو وبينزل على جسمي، قلبي هيقف، همو.ت، جسمي كله بيتنفض، وبكل طاقتي للحياة صرخت بأعلى صوتي ووقعت في غيبوبة جديدة، وصحيت على ولولة وصياح من مراتي، كنت عريان وبتنفض زي العيل الصغير.. قلة قيمة وإهانة فوق الوصف، وهي ظهر عليها الشك والريبة والخوف، وأنا كنت مكسور ومرعوب، قمت اتلفيت في هدومي ودخلت للأوضة منحني الجسم ومطأطأ الراس، وفضلت طول الليل بدمع من القهرة، أيه اللي بيحصلي دا، وليه بيحصل أيام زفافي الأولى..
وعدت ليلة تانية من أسوأ أيام حياتي، وتاني يوم لقيتها قدامي بتقولي إنها هتروح بيت أهلها، واتفزعت من مكاني، هتروح تقولهم جوزي مش راجل ومش عارف يدخل على عروسته، ولا هتقولهم مجنون ولا ممسوس، طيبت خاطرها بكلام كتير ووعدتها إن كل حاجة الليلة هتبقا زي الفل، وإنها تديني آخر فرصة.. وفي النهاية وافقت تحت إصراري وكلامي، وبدأ التوتر ينهش في جسمي كله، رعب وخوف من إن يتكرر كل اللي حصل دا من تاني، يارب استرها معايا بقا، وبدأت الساعات تجري زي الريح وكأن الليل نفسه يشوفني وأنا عاجز ومقهور ومرعوب..
وبعد العشاء تقريبًا كانت واقفة قدامي في الصالة والغضب باين عليها، قالتلي صراحة متدخلش تاخد دش، وأنا معاك لحد ما ندخل جوا، وفعلًا كان دا أفضل كتير ليا، دخلت معاها لغرفة النوم وجسمي كله منهار، خوف وقلق وتوتر.. بدأت تتكلم معايا بكل هدوء وابتسامتها مشرقة، كانت بتحاول تسيطر على توتري ورعشة جسمي، قعدت جمبها ونوعًا ما بدأت استكين وجسمي يهدى خالص، هي الأنثى مهما كانت اللي قادرة تنسيك الدنيا باللي فيها.. غمضت عيني وسبت جسمي يتهاوى تمامًا، يستسلم للمخدر ويستكين، بس الغريب إني حسيت بحاجة لزجة عند وشي، أنا غرقان في تقبيل وجه لزج، غريب..
فتحت عيني وصُعقت من اللي أنا شايفه، أنا بقبل الطفل نفسه مش مراتي، تقبيل على وجه غرقان بالدم، وجه بشـ ـع مخيف، كان نايم وسطنا ومراتي في عالم تاني مش شايفاه من الأساس.. صرخت بأعلى صوتي، نطيت من مكاني ورجعت وأنا بتنفض، جسمي كله بيتحرك بعشوائية، عمال أصيح، بض.رب وشي وأنا حاسس بالمادة اللزجة بتنزل عند عنيا بتعميها، وبتاكل وتحرق فيها، وسامعه بنفس الصوت بيقول بابا، بابا، بابا.. صرخت، اترعبت، جريت زي المجنون، حسيت بـ …… ظلام تام..
……………… على لسان فريال عبدالحميد زوجة الشاب الذي توفى بعد زفافه بتلت أيام فقط.. اتجوزت زي أي بنت، شاب وسيم معايا في الشغل، كنت فرحانة أوي ومبسوطة، حتى إني اتنازلت عن شعور الأمومة لما اتفق معايا منخلفش غير بعد كام سنة، بس هو كان غريب أوي من أول يوم جواز، أول يوم فقد وعيه في الصالة وفضل يهلوس كتير، ويقول الطفل الطفل، تاني يوم أغمى عليه في الحمام، خفت أوي يكون ممسوس، أو بيمثل لأنه غير قادر على العلاقة الزوجية..
بس تالت يوم ومسافة ما قرب مني قام يصرخ بأعلى صوت، كان ماسك عنيه وبيتلوى زي التعبان، في الآخر قام يصرخ وجري بأقصى سرعة ورمى نفسه من شباك الأوضة، من فوق خمس أدوار وقع وارتطم بالأرض واتكسر جسمه وسال دمه زي الشلال على الأرض، مات جوزي وأنا جالي انهيار لازمني شهور طويلة.. بس في النهاية ربنا أراد يوريني كل حاجة، جتلي واحدة تعزيني وكانت شبه ميتة، جثة متحللة وماشية على عكاز، وفوجئت إنها كانت مراته الأولى واللي عمري ما سألته سابها ليه..
قالتلي إنه شخص مريض، بيخاف أوي من الماديات، مش مؤمن بإن الأرزاق بيد الله، واتفق معاها إنهم مش هيخلفوا بس هي من غير قصد نسيت تاخد احتياطاتها وحملت، ولما عرف اتجنن، بقا بيعاملها بقسوة، كأنه اتحول لفرعون، وفضلت شهور تعاني معاه لحد ما وصلت للشهر التامن، وفي الليلة الصعبة دي كان جاي ثاير.. وانفجر فيها بعد خناقة كبيرة، مسكها بدون رحمة ونزل فيها ضـ ـرب لحد ما كانت بتطلب الرحمة، بل وكسـ ـر عضمها بالمعنى الحرفي، وراحت المستشفى أجه.ضت، واتطلقت منه بعد ما القانون مجبش حقها بسبب إنه وكل محامي شاطر طلعه منها..
واتحسبنت للحي الذي لا يمو.ت، ويوم ما رجع الشقة عريس مكملش تلت أيام وكان متد.مر بسبب ابنه اللي ق.تله في بطن مراته الأولى، سبحان الله اللي نجاني من شخص مريض زي دا، شخص خايف من أرزاق ربنا اللي بتتوزع في السما مش في الأرض، عشان استحالة حد يغير فيها، سبحانه الرزاق بغير حساب.. [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] سورة الذاريات [وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا] سورة الإسراء
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




