روايات

فئران الترعة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

عندنا في المنطقة بنتجمع كبنات وأمهات ونساعد بعض في الخبيز كل فترة، عادة ورثناها من زمن طويل وبقت فرض عين على كل بنت تخطت الـ ١٤ سنة ، غير إن الحياة في الأرياف بتخلي الناس مترابطين مع بعض أكتر من اللازم، والبيوت كلها مفتوحة للكل، وكانت أهم فكرة مزروعة في دماغ كل البنات بلا استثناء هي فكرة الجواز..

بس توصل للعشرين من غير زوج كان يعتبر أمر شـ ـاذ وغير طبيعي بالمرة، وكانت أمهاتنا عندهم موهبة عظيمة في إنها تقدم بنتها على إنها أحسن بنت، البنت المحترمة اللي بتسمع الكلام وبتعرف تعمل كل أعمال البيت، والأم كانت بتمدح في بنتها ليل نهار عشان تجوزها قبل كل البنات، في الفترة دي كنت أنا وبعض البنات بنساعد في الخبيز وكل واحدة مننا بتنافس زميلتها عشان تتجوز قبلها..

وأنا زي ما بيقولوا خدت من طبع أمي المكر بس، وكنت بعرف أحقق أي حاجة عاوزاها مهما كانت، والحاجة اللي كنت عاوزاها في الفترة دي هي (شاكر) ابن الست (حميدة) جارتنا، بس للأسف كل البنات كانوا يتمنوا شاكر مش أنا بس، وأمه كانت بتدور وسطنا على واحدة تنفع لابنها، وأنا كنت أقرب واحدة ليها، مكنتش بخليها تقوم من مكانها، كنت ببرها أكتر من بنتها..

لحد ما كنا بنخبز من يومين ودخل علينا، ونظرته كانت بتقول إنه بيختار، أنا الوحيدة اللي فهمت ده، لأني الوحيدة اللي بفهم وعارفة طبيعة أمه اللي عاوزة توريله العروسة قبل أي كلام، وركز معايا شوية وبعدين خرج، وفضلت مستنية يومين كاملين إنهم يفتحوا الموضوع معانا.. وكانت الصدمة لما عرفت إنه راح خطب بنت تانية، خطب أكتر واحدة مبتفهمش فينا، اللي كانت مجال سخـ,ـريتنا من طيبتها وهبلها، اللي مبتعرفش ترد لو حد اتريق عليها وبتتلعثم في الكلام..

كنت هطق من الغيظ وقتها وعرفت إنه لما دخل شكلي معجبوش وهي اللي عجبته، اللي كنا بنتسلى عليها هي اللي بقت المفضلة عنده، وكرهتها، كرهتها من قلبي، وكرهت اسمها (حنان) رغم إنه نفس اسم أمي.. ولما بصيت في عنين أمي عرفت إنها حاسة بيا، وإنها عاوزة اللي أنا عاوزاه، أيوة طالما الذوق مش نافع فيه حاجات تانية غير الذوق بتنفع، والأسحار مالية البلد، فكرة إنك تعمل سحر في الوقت ده كانت أسهل من إنك تشتري حاجة من السوق..

وربطت شاكر عن حنان عند دجال معروف في بلدنا، بس زي ما أحنا عارفين إن الأسحار مالية البلد، هما كمان عارفين إن فيه احتمال يتسحر، وحصن نفسه كويس قبل الفرح والزفاف تم والدنيا بقت زي الفل معاهم، والأسـ,ـوأ من كل ده إن فيه كلام انتشر إني روحت لدجـ,ـال وبتاعت أعمال.. وكلام زي ده كفيل يخليني عانس العمر كله، الناس تتقبل الغلط في الظل بس محدش هيتقبله في العلن أبدًا والكل هيدعي المثالية، رغم إن نص البلد بيتعاملوا بالأسـ,ـحار، والسكة دي للأسف لما بتدخلها مبتعرفش تخرج منها، وكأنك بتوصم بلـ,ـعنة السحر لحد ما تمـ,ـوت..

وروحت مرة تانية وعملتلها سحر عشان جوزها يكرهها ويتخلى عنها، بس أمها كانت بتحصنها كل يوم، وده خلى عندي إصرار أنا وأمي إننا نعمل أي حاجة، أمي بقا عندها وسـ,ـواس إني خلاص مش هتجوز بسبب السُمعة اللي طلعت عليا، وعملنا سحر تالت أشد، سحر بالمحبة لشاكر ناحيتي، لو مش هعرف أخليه يكرهها يبقا هخليه يحبني أنا وبعدها يتخلى عنها تمامًا..

وزي ما بيقولوا التالتة تابتة، ونجح الموضوع وبدأ يتقرب مني بكل الطرق عشان نتكلم، ورغم صِغر سِني استحوذت على عقله وتفكيره تمامًا، مكنتش ناوية أخليه يخرج من تحت إيدي، عرض عليا أبقا زوجة تانية رفضت واشترطت إنه يطلقها عشاني، السحر قوي ومن حقي أتشرط بقا، بس كان فيه عُرف في بلدنا غريب شوية، عـ,ـار على الراجل لو طلق مراته بدون سبب قوي، وعـ,ـار أكبر على الست لو طلبت الطـ,ـلاق في حاجة عادية، الجواز كان مُقدس بطريقة مُبالغ فيها..

عشان كدا كان محتاج سبب قوي لطلاقها، واستخدمت عقلي لما افتكرت الموقف إياه لما حنان شافت فأر وأحنا بنخبز، يومها من كتر الصراخ الشارع كله اتجمع، عندها رعب من الفئران رغم إنها مُنتشرة في كل مكان تقريبًا.. يعني لو كل يوم رميت فأر في بيتها استحالة تتحمل الحياة مع جوزها، وصريخها هيوصل لكل الناس وهتكون عنده حِجة إنه يطلقها بدون ما أي حد يلومه، وعلى بالليل نزلت للترعة القريبة واللي بتكون مكان تجمع للفيران ومسكت فأر منهم وحطيته في صندوق صغير ورجعت بيتنا، وتاني يوم عديت عليها كأني باخد رأيها في حاجة وخليت الفأر في شقتها..

وبقيت بكرر الموضوع ده بصورة يومية تقريبًا، وبقيت لما بقابل جوزها شاكر بقا بيحكيلي إن الفئران ملت الشقة ومراته هتسيب البيت لأنها بقت بتمـ,ـوت من الرعـ,ـب، ولما عرفت إنهم جابوا قط قـ,ـتلتوا، كان مرة قدام باب بيتهم ورميت له أكل مسـ,ـموم.. واستنيت إنها تسيب البيت أو تطلق برضه متحملة، وملقتش غير حل أخير؛ عمل جديد، بس لما حكيت للدجـ,ـال قالي هنعمل العمل ونحطه جوة فأر صاحي وندخله شقتها، والسحر على الحيوانات بيكون في قمة الجـ,ـبروت، وعملناها، رغم إني مش عارفة عمل أيه للفأر، خلاه يشرب مية مسحورة، ولا ياكل حاجة صغيرة، حقيقي معرفش..

ودخلت الفأر لبيتها، واستنيت تلت أيام، وفعلًا الموضوع كان بيجيب نتيجة غريبة، كل شوية ناس بتروح البيت، مشاكل غريبة، أوضة من الشقة ولعت، حنان نفسها مرضت مرض غريب، وكانت حِجة قوية إنه يطلقها ونتخلص منها، وكلها أيام وخطبني واتجوزنا، مكنتش مصدقة إن الخطة نجحت بالسهولة دي وإني خلاص خدت اللي أنا عاوزاه..

بس مكنتش أعرف إني بصمت على وثيقة مـ,ـوتي بنفسي، قعدنا أسبوع كل أمورنا تمام والحياة كانت مُبشرة جدًا، لحد ما صحيت في ليلة على حاجة بتمشي على رجلي، ولما فُقت لقيته فأر تخين وضخم عمال يتمسح في رجلي زي القط، قمت صرخت من نومي لقيته هرب من مكانه وجوزي صحي مفـ,ـزوع.. بدأ يسخط عليا ويقولي إن شكلي هعمل نفس الجِنان اللي كانت بتعمله حنان بس أنا حاولت أطمنه بكل الطُرق وأنا بدعي ربنا الأمور تعدي على خير..

وبعد يومين حصلت حاجة أسـ,ـوأ وأنا في الحمام ولمحت فأر طالع من عين الحمام وراسه لونها أسود وشكله بشع بطريقة توقف القلب، فضلت أصرخ زي المجنونة وأنا في الحمام لحد ما قدرت أخرج في النهاية وعدى الموضوع، جريت على الدجال عشان أطمن..

لقيته سألني عن الفأر اللي معمول في بطنه السحر، هل قـ,ـتلته ولا لسة، قولتله أنا معرفش مكانه أصلًا من بعد طلاق حنان، وعرفت إني عملت مصيبة، كان لازم أصرف الفأر قبل ما أدخل البيت بحاجات معينة، وطالما دخلت المكان بدون تطهير فالحاجة هتكمل معايا أنا، طلبت منه حل، أي حل، وعرفت إنه بيأذي بس، إنما إنه يعالج لا، قولتله أنا مستعدة أعمل أي حاجة، قالي أروحله بعد أسبوع يكون لقى حل..

بس للأسف مكملتش أسبوع، لأني صحيت في ليلة على ألم بشع، ولما فُقت لقيت إن الفأر عضني عضة بشعة، لدرجة إن الدـ,ـم كان بينـ,ـزف من مكان العضة، جرينا على الوحدة وعالجنا العضة، بس بعد ساعات مكان العضة بدأ يبقا لونه أزرق مُخيف، وورم غريب مسك رجلي كلها، ومع الوقت كان الورم بيزيد يوم بعد يوم.. وبقت كل أحلامي عبارة عن فئران بتجري على جسمي، وبتدخل من بقي وباكلها غصب عني، كنت بعيش أبشع حاجة ممكن إنسان يعيشها في حياته، لحد ما الورم بقا بتقل جسمي كله، وروحنا مستشفى في مصر وبتروا رجلي كلها..

ولو نزلت بلدة (………….) في محافظة (البحيرة) وسألت عن حكاية عنايات المُعاقة هتسمع الآتي، دي واحدة عملت سحر واتقلب عليها، وبعد ما رجليها اتقطعت بقت بتقعد طول النهار على الترعة بكرسي المشاليل وتصطاد الفئران وتاكلهم لحد ما جالها تسمم وماتت على الترعة، وجـ,ـثتها فضلت ساعات الفيران بتجري عليها لحد ما دفـ,ـنوها.. عنايات اللي مشيت بمبدأ كلنا بنمشي بيه وهو العُرف، طالما كل الناس بتسحر يبقا هسحر زيهم، طالما الكل بيحقد وبيبص في نعمة غيره يبقا هعمل زيهم، ونسيت إن النار تقدر تتحمل كل الناس، وإن ربنا مش هيغفرلك عشان بتتبع القطيع، لا هيحاسبك على أوامر ونواهي هو وضعها للكون..

الأعراف والعادات والتقاليد الفاسدة ما هي إلا قوانين الشـ,ـيطان اللي بتكون نهايتها جهنم والعياذ بالله.. قال رَسولَ اللهِ ﷺ (اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قيل: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ……..) بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى