روايات

ناحت التماثيل للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

صحيت في ليلة على صوت شهقات غريبة جاية من بعيد، وكأن فيه حد بيطلع في الروح وملك المو.ت بينتزع روحه من جسمه، قمت من على سريري ولسة صوت الشهقات جاي من مكان أنا مش قادرة أميزه، بصيت على جوزي جمبي ملقتوش، وده خلى الخوف يدب في قلبي بطريقة غريبة، في اللحظات دي كان صوت الشهقات بدأ يهدى نوعًا ما..

فتحت النور وخرجت للصالة بس ملقتش أي حاجة خالص، افتكرت جوزي اللي بيحب يسهر أوقات في الأوضة التانية عشان يخلص شغله اللي بيكون متأخر، خبطت على الأوضة بس ملقتش أي استجابة إطلاقًا، فتحت الباب بهدوء وفتحت النور، وعلى أرضية الأوضة لقيت جوزي ممدد وعنيه مفتوحة على آخرها ووشه غامق بطريقة غريبة..

جريت عليه وأنا قلبي هيتخلع من مكانه عشان اتفاجئ بجسد متخشب وكأنه تمثال من الحجر، وبكل رعب الدنيا بدأت أصرخ بأعلى صوت، فضلت أصرخ وأصرخ لحد ما فقدت الوعي تمامًا، ومن بعد اللحظة دي للأسف بقت كل حاجة مشوشة، ناس كتير بيحاولوا يواسوني ويدعموني، شيخ جاي بيسأل على مكان الميت عشان يغسله، وجوزي بيلفوه في كفن عشان يدفنوه..

أجواء مُخيفة مكنتش أتخيل إني ممكن أعيشها في يوم من الأيام إطلاقًا، بس القدر كان له رأي تاني، وكلها أيام ولقيت نفسي وحيدة، أرملة، لوحدي في شقة طويلة عريضة، وجوزي اللي مكملتش معاه سنة واحدة جواز بقا مجرد جثة وزمان الدود بينهش فيها بدون أي رقيب.. وغصب عني بدأت أفوق من الصدمة واستوعب إن جوزي مات، مات ومحدش عرف يفسر سبب مو.ته للأسف، وهو تشخيص واحد من يوم ما اخترعوا الطب “هبوط حاد في الدورة الدموية”..

بس هل الهبوط بيغمق لون الجلد ويخلي شكل الميت بالمنظر المفزع ده؟؟ كان وقتها الحزن بياكل في قلبي والدموع بتسيل من عيني في صمت، دخلت الأوضة اللي مات فيها وبدأت اتأملها وأنا ببكي، بتأمل التمثال الضخم والمنحوتات للوشوش الكتير اللي على الكراسي بحُزن كبير أوي، فضلت ألمسهم وأنا عارفة إن فيهم جزء كبير من لمسات جوزي وفنه وإبداعه، جوزي الله يرحمه كان شغال نحات، كانت عنده موهبة جبارة في النحت خلته يشتغل نحات لأكتر من شركة..

كان بيقدر ينحت أي حاجة مهما كانت، تماثيل لبشر، حيوانات بكل أشكالها، وحتى كان بينحت بيوت وجبال وأشكال كتير، كان فنان بكل معاني الكلمة، وقفت اتأمل كل المنحوتات ودموعي بتسيل من جديد، لحد ما وقعت عيني على آخر تمثال كان بينحته، قربت منه لقيته عبارة عن تحفة فنية..

تمثال متشكل على هيئة شخص وملامحه منحوتة بدِقة مذهلة، وكأنه شخص حي، لولا إن عنيه طافية تمامًا لأنها مجرد نحت، بصيت حوليا من تاني اتأمل كل المنحوتات المتعلقة على الحيطان، وفي النهاية خدت منحوت عبارة عن راس أسد معايا وروحت أنام في أوضتي، ح.ضنت النحت أوي وأنا متخيلة إن فيه من ريحة جوزي ونمت..

نمت نوم عميق، وكأني منمتش من سنين طويلة، حتى إني في نومي كنت شايفة جوزي، حاسة بوجوده وكأنه لسة حي، سامعة صوت أنفاسه وحاسة بلمساته وأنا نايمة، كل ده كان في خيالي، وعارفة إنها مجرد أحلام، بس لما تحس فجأة إنك مشلول ومش عارف تتنفس ولا تنطق بكلمة واحدة هنا بيدأ الرعب يدب في قلبك..

كنت عارفة إنها حالة من حالات شلل النوم، بس شلل نوم مُخيف، صعب، حاولت أتحرر بجسمي مقدرتش، وبدأت وأنا في الحالة دي أسمع صوت أنفاس في ودني، أنفاس شخص حي، حاسة بحرارتها كويس أوي، عافرت مرة واتنين لحد ما قدرت أتحرر من الحالة دي، صحيت من نومي وحسيت بوجع شديد في ضهري، في اللحظة دي اكتشفت إن راس التمثال كانت تحت مني وهي اللي سببتلي الألم ده..

رمتها على الأرض واستعذت بالله من الشيطان الرجيم ورجعت أنام تاني، وعدت الليلة بدون أي شيء، وتاني يوم وأنا في المطبخ بحاول أعمل أي أكل عشان اشغل نفسي في أي حاجة، وفجأة سمعت صوت خبطة قوية جاية من الأوضة إياها، دخلت بسرعة لقيت التمثال اللي كان جوزي شغال عليه قبل وفاته واقع على وشه، عدلته مكانه وأنا مستغربة ازاي وقع ومحدش دخل الأوضة إطلاقًا..

خرجت من الأوضة من تاني وخلصت الأكل وبدأت أكل وأنا بتفرج على التلفزيون لحد ما اليوم عدى وأنا مكاني، خدت مسكن بسبب الصداع اللي بقاله يومين ماسكني ودخلت ارتاح شوية، ومسافة ما نمت شوفت جوزي واقف في الأوضة وسط المنحوتات وشغال على التمثال الأخير.. كنت شايفاه من ضهره وهو مغطي الرؤية عليا وشغال بتركيز شديد، بس بعد لحظات بدأ يرجع لورا بتوتر وجسمه يترعش وبعدها وقع في الأرض وفضل يشهق شهقات غريبة، في اللحظة دي دبت الحياة في كل المنحوتات ووجوه التماثيل المتعلقة، كلهم عنيهم اتحولت لعيون آدمية وفضلوا يضحكوا بصوت عالي وهما شايفينه بيتألم ألم شديد..

وفي النهاية التفت ناحيتي وصرخ بأعلى صوت، واتنفضت من نومي وصحيت، قلبي كان بيرجف بهيستريا وجسمي بيترعش من الخضة، وغصب عني بدأت أبكي بشدة، ببكي وأنا بتخيل اللحظات اللي عدت عليه وهو بيمو.ت وأنا مش جمبه، فضلت أبكي كتير أوي في الضلمة، وبدون مقدمات بدأت أحس بمقبض باب الأوضة بيتحرك بهدوء شديد.. قلبي وقف من الرعب وعنيا ركزت مع المقبض اللي كان واضح أوي إنه بيتحرك، كتمت أنفاسي واتخشبت مكاني من الفزع، وفضل مقبض الباب يتحرك لحد ما سمعت تكة فتح الباب، وبدأ الباب يكشف عن اللي بيفتحه واحدة واحدة، ورغم الضلمة شوفت راس شخص بتطل عليا من ورا الباب..

كنت عارفة إنها شايفاني كويس أوي، وأول ما شافتني صاحية تراجعت بهدوء وخرجت، وبدأت أسمع صوت خطواتها على أرضية الصالة، كنت بتمنى وقتها لو أمو.ت عشان الفزع اللي أنا عايشة فيه ده، قمت من مكاني بالعافية ومسكت خنجر كان في دولاب جوزي وخرجت وأنا قلبي بيتنفض مكانه..

كتمت أنفاسي تمامًا، وبدأت أبص في الصالة يمين وشمال بس ملقتش حد، في اللحظة دي سمعت صوت حركة في أوضة المنحوتات، مسكت الخنجر بقوة أكبر وقربت من الأوضة وأنا بشهق من الخوف، فتحت الباب وبدأت أبص يمين وشمال وأنا خايفة إنه يكون حرامي ويأذيني، فتحت النور وأنا بتشاهد من جوايا، بس مكنش فيه أي حاجة إطلاقًا، اللهم إلا….. إلا….. كان جوزي، جوزي مديني ضهره وقاعد شغال على نحت باهتمام شديد، وقعت السكينة من إيدي وأنا مذهولة وقربت منه وأنا بردد:

ـ حسام.. وقتها اتكلم بصوته اللي عارفاه كويس وقال: ـ وحشتيني يا آية.. مكنتش قادرة أنطق من الصدمة وقولتله: ـ أنت عايش يا حسام؟! ـ أيوة عايش يا حبيبتي بس مش عارف أرجع.. ـ ترجع منين؟! في اللحظة دي كنت واقفة وراه، لف وبصلي لقيته جوزي، هو بكل ملامحه ونظراته، بدأت اتحسس وشه بلهفة وأنا بردد بذهول: ـ أنت عايش بجد؟! ـ أيوة بس محتاج منك خدمة عشان أقدر أرجع.. ـ أؤمرني.. لقيته ابتسم ابتسامة غريبة شيطانية وقال:

ـ دمك.. في اللحظة دي اتنفضت لورا لما لقيت نفسي بحسس على وش التمثال،التمثال اللي كانت عنيه حية زي البشر تمامًا وبتبصلي بخبث الشياطين وعليها دم كتير أوي، صرخت، صرخت بأعلى صوتي، في اللحظة دي شوفت كل المنحوتات بتتحرك على الحيطة بغضب شديد، وكلهم عنيهم كانت حية، كانوا شايفني، كانوا بيتكلموا وبيهمسوا بكلمات غريبة..

خرجت وأنا بصرخ ونزلت من الشقة زي المجنونة، الجيران اتلموا عليا بس مكنتش عارفة أقول كلمة، وفضلت طول الليل عند واحدة جارتي ولساني اتشل عن النُطق، وفين وفين لما قدرت أتكلم وأحكي لواحدة من الجيران اللي اتكلمت مع جوزها واجزموا إن الشقة لازم تتطهر ويتقرأ فيها الرقية الشرعية، وجوزها وعدني إنه هيجيب شيخ ويجولي الشقة بعد العصر.. وفي الميعاد لقيته جاي وجايب راجل ملتحي وطلبوا مني أفتح الشقة عشان يدخلوها، ودخلنا الشقة، وأول ما الشيخ شاف الأوضة اللي مليانة منحوتات بدأ يستعيذ بالله كتير أوي ويرش مية متلو عليها على المنحوتات دي، وقتها كنت بسمع صوت تأوهات كأن حد بيتألم..

خرجنا من الأوضة والشيخ بدأ يفهمني سبب الكارثة اللي وقعت فيها أنا وجوزي، فهمني إن إبليس وعشايره بيشوفونا من مكان مبنقدرش نشوفهم منه، وإن هما بيقدروا يتلبسوا الأشياء المادية المنحوتة لأنها بتسبب ليهم ثبات أكبر وبيقدروا يراقبونا من خلالها أكبر، سواء كان تمثال أو صورة.. وإن مكان زي ده بيكون فرصة مناسبة جدًا لأي شيطان إنه يتلبس التمثال ويحط عينه على عين التمثال ويراقبنا من خلاله ليل نهار، وإن النحت محرم في الدين ولازم كل التماثيل دي تتكسر وتترمي برة الشقة..

وفي نفس اليوم كنت طامسة كل عيون المنحوتات ومبوظة ملامحها ومكسراها ورمياها بعيد عن الشقة، والغريب إن مفيش حاجة حصلت من يومها، ولما قرأت فهمت إن النحت محرم تحريم تام، وفهمت إن ربنا سبحانه وتعالى محرمش حاجة إلا لحكمة كبيرة، وفهمت إن جوزي للأسف هو اللي نحت نهايته بإيديه لما أدى الفرصة للشياطين تتلاعب بيه.. قالَ الإمام عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ علَى ما بَعَثَنِي عليه رَسولُ اللهِ ﷺ؟ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ..) صحيح مسلم

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى