روايات

الغُرفة السفلية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من شوية أمي جتلي وهي بتبكي بكاء شديد وفضلت تح.ضن فيا وتقول: ـ هتوحشني أوي يا إياد.. مبقتش فاهم ماما بتعيط ليه، حتى نظرات والدي ليا كانت غريبة جدًا، كأني مش هشوفهم تاني، ليلتها قعد معايا والدي ليلة كاملة يفهمني إني هقعد مع جدي في البلد ٦ شهور أو أقل لحد ما يبعت ياخدني وأسافر عندهم، موضوع مُعقد جدًا وطبعًا أنا معنديش أي فكرة غير إني أسايرهم وأمشي في طريقي اللي هما اختاروه..

وعرفت إني هروح في قرية في الصعيد أعيش مع جدي اللي مشوفتوش من وقت ما اتولدت، كنت حاسس بخوف عجيب كان ظاهر في عنيا، وحاول والدي يطمني كتير وأحنا راكبين القطر ومسافرين.. كل اللي فاكره هي كلمات أمي العجيبة: ـ أنت وعدتني إن ابني مش هيحصله ضرر.. ـ قولتلك متخافيش أبويا خلاص تاب لربنا وده كان زمان.. وبعد ساعات طويلة وصلنا للمحطة، ومنها خدنا عربية لبلد مُختفية تقريبًا وسط الأراضي الزراعية، ووصلنا لبيت قديم عبارة عن دور واحد، الشبابيك بتاعته كانت ضخمة وحتى بابه كان من الخشب وعليه مقبض حديد ضخم..

وظهر جدي قدام عنينا، راجل عجوز أعور والشيب محتل شعره الطويل ولحيته، ابتسم لما شافني واستقبلنا بهدوء شديد، وبعد ما تفهم إني هقعد معاه حسيت بتوتر في الجو، يمكن قرأتها في نظرات عينيه، وبعد ساعات كنت مع جدي لوحدنا بيوريني أوضتي اللي هقعد فيها.. كل اللي فاكره وقتها نظرات عينيه المُخيفة وهو بيقول: ـ مهما تسمع إياك تخرج من أوضتك بالليل.. وبعدها خدني لباب خشب وقال: ـ وإياك تقرب من الباب ده..

دخلت أوضتي وأنا مرعوب من طريقة كلامه، تأملت الأوضة لقيتها قذرة بكل معني الكلمة، سرير صغير ودولاب مليان تراب، وشباك صغير بيطل على الصالة وبس، بصيت لعش العنكبوت في السقف بشرود وبعدها دخلت عشان أنام.. وبعد وقت قصير سمعت أصوات غريبة جاية من برا، أصوات مكتومة كأن حد بيصرخ أو حيوان بيحتضر، ومن تحت الباب لمحت أضواء عجيبة، ضوء أحمر وأصفر وبرتقالي، غصب عني شغف الطفل اللي جوايا أتحرك..

فتحت الباب وخرجت بسرعة وبهدوء عشان جدي ميحسش بيا، خرجت للصالة المضلمة عشان أقرب من الباب الخشب اللي جدي حذرني منه، كان الصوت جاي من ورا الباب هو والأضواء الغريبة، وبعدها بدأ الصوت يتضح، كان صوت خروف عمال يتكرر بسرعة رهيبة، وظهر صوت تاني، كأن فيه طفل بيبكي ورا الباب.. وقتها حسيت بخوف شديد خاصة لما سمعت صوت خطوات بتقرب من الباب، وفي لمح البصر جريت على أوضتي واستخبيت تحت البطانية، فضلت اترعش شوية لحد ما نمت وغبت عن الوعي..

تاني يوم دخل جدي الأوضة وجابلي أكل، عيش وطبق فيه زيت طعمه غريب، وبعدها قفل عليا الباب وحذرني مخرجش من الأوضة لأنه هيخرج من البيت شوية وراجع.. حاولت أطلع مقدرتش وقعدت مكاني حاطط إيدي على خدي وحزين جدًا، بس بعد شوية زهقت أوي، جيت أخرج لقيت باب الأوضة مقفول، فتحته تاني معرفتش، قربت من الشباك الازاز وحاولت أفتحه بس كان قافش خالص، مسكت حجر صغير كان تحت سريري وض.ربت على مقبض الشباك و واتكسر ازاز الشباك نفسه..

وقتها عرفت إن جدي هيعاقبني عقاب شديد، وحسيت بالخوف من اللي عملته، نطيت من الشباك ولقيت نفسي في الصالة، فكرت اتصل بوالدي أو أهرب من البيت عشان جدي ميض.ربنيش، بس في اللحظة دي سمعت صوت حاجة مكتومة جاية من نفس الأوضة.. حسيت بفضول غريب عشان أعرف أيه اللي جوا الأوضة دي، فتحت الباب وأنا حاسس بالرهبة بس متفتحش معايا، بس لما عملت صوت وأنا بحرك المقبض حسيت بحركة من ورا الباب، صوت مكتوم غريب جدًا..

في اللحظة دي اتفتح باب البيت، جريت نطيت من الشباك، وقعدت على السرير مرعوب، جدي شاف الازاز المكسور وبصلي بصة جمدت الدم في عروقي، فضلت مستني إنه يعاقبني أو يغضب حتى، بس كل اللي عمله إنه جاب تلت ألواح خشب ومسامير وقفل فتحة الشباك كلها بالخشب، وكل اللي قاله في النهاية: ـ أسمع الكلام لو عايز تعيش ومتخرجش من أوضتك.. وبعدها جبلي أكل وقفل عليا الباب بالمفتاح، كل اللي لمحته هو الشوال اللي كان جواه حاجة مقدرتش أعرف أيه هي، بصيت من فتحة الباب معرفتش أشوف حاجة لأن المفتاح كان في فتحة الباب من برا..

وفضلت في الأوضة مش طايق نفسي، مش متعود إطلاقًا على الحبسة دي، في النهاية نمت ومصحتش غير بالليل، واتكرر نفس السيناريو من تاني، أصوات غريبة وأضواء جاية من برا، وخلاص أنا عارف هي جاية منين.. ورجع الفضول يلح عليا من تاني أعرف أيه اللي بيحصل، كنت شايف فيلم قبل كدا وعارف هفتح الباب ازاي، عديت البطانية من تحت الباب وبعدها حطيت قلم في فتحة الباب ووقعت المفتاح لبرا، وطبعًا وقع على البطانية، ورجعت سحبت البطانية بالمفتاح، وفي لحظة فتحت الباب بالمفتاح وخرجت، ورجعت حطيته في فتحة الباب من برا..

وقربت من الأوضة أسمع من تاني، نفس الأصوات الغريبة، صراخ مكتوم، صوت خروف، وأضواء غريبة مش مفهومة، فضلت شوية لحد ما كل حاجة سكتت خالص، بعدها بشوية سمعت صوت خطوات من تاني.. استخبيت ورا الكنبة في الضلمة لحد ما فتح جدي الباب، بص ناحية أوضتي شوية ودعيت ربنا ميدخلش عشان مش هيلاقيني، قفل باب الأوضة بالمفتاح وشال المفتاح وشوفته بيحطه في الدولاب اللي في الصالة.. وبعدها دخل أوضته وقفل الباب، وحسيت بالرهبة والإثارة، بعد شوية خدت المفتاح وبصوابع بتترعش حطيته في الباب و

تك.. فتحت الباب، بصيت بخوف ناحية أوضة جدي لقيتها زي ماهي مقفولة، ودخلت الأوضة، كان فيه ضوء غريب معرفش جاي منين مخليني قادر أشوف، وقابلت في وشي سلم نازل لتحت، ونزلت مع السلم كذا درجة لحد ما لقيت نفسي في أوضة صغيرة.. الأوضة كانت مُخيفة جدا، شوفت برطمانات ازاز مرصوصة على ترابيزة دائرية في نص الأوضة، وعلى الحيطان كانت فيه جماجم شكلها مُرعب وجواها فيه شمع مولع، وكانت فيه كتب غريبة محطوطة على ترابيزة تانية، بس اللي خلاني اتنفض لما شوفت ملاية مغطية ركن الأوضة البعيد، وكانت بتتحرك كأن تحتها حاجة، قربت وأنا مرعوب وشديت الملاية..

وكتمت صرختي بالعافية، أنا شوفت طفلة صغيرة متكممة أوي ومربوطة بسلسلة من إيديها ورجليها، جسمي كله اتنفض وفضلت أبصلها بعدم فهم، ١٢ سنة يعني لسة صغير برضه، لقيتها عمالة تبكي بصمت وتبصلي برعب، قربت منها وقولتلها: ـ أنتي مين؟! بكت أكتر ولقيتها بتزوم وبتبص للترابيزة اللي عليها الكتب، قربت منها ولمحت سلسلة مفاتيح، واضح إن جدي متأكد إنها استحالة توصلها، قربت من السلسلة لقيت قفل صغير وغصب عني فتحته وحررت البنت..

ومسافة ما حررتها حسيت إن الأوضة كلها بتتهز، ولمحت تحت ترابيزة من الاتنين قفص حديد صغير، معرفش ليه حسيت إني ممكن ألاقي طفل صغير جوا، بس القفص كان فاضي خالص، جيت اتحرك عشان أخرج حسيت بحاجة بتقولي أفتح القفص، وزي المنّوم مسكت المفاتيح وجربتها لحد ما فتحت القفص.. ومسافة ما فتحته اتهزت الأوضة من تاني، مسكت فيا البنت من الخوف، وفي لحظة وكأنه ظهر من العدم شوفت تيس ضخم لونه أسود وعنيه حمرة زي الدم وعنده أنياب طويلة بيخرج من القفص وبيقف قدام السلم اللي طالع ناحية الباب..

وقتها صرخت البنت، وبدأ التيس يزوم وينزل من بقه مادة سودة شكلها مرعب، وقفنا نتنفض من الفزع وهو قدامنا عمال يقرب، في اللحظة دي مسكت البنت برطمان من على الترابيزة وحدفته على التيس.. واتك.سر البرطمان واتحرك التيس يمين وشمال بغضب، مسكت أنا كمان برطمان وبدأت احدف عليه وأحنا بنصر.خ، في اللحظة دي اتفتح باب الأوضة من فوق وشوفت جدي نازل على السلم مفزوع..

ووقعت عينيه عليا وعلى البنت، بس قبل ما يغضب شاف التيس حر، وشوفت في عنين جدي نظرة رعب مشوفتهاش في حياتي، وفي لحظة هجم عليه التيس وشوفت جسم جدي بيتتفض وهو بيصرخ بكل رعب الدنيا وجسمه بيطلع دخان كأنه بيتحرق.. نطينا من فوقيهم أنا والبنت وطلعنا نجري وأحنا بنصرخ، وكل اللي فاكره إني شوفت جسم جدي بيتس.لخ وكأنه جوا فرن مو.لع وصرخاته مالية وداني.. ………………

خرجنا من البيت في نص الليل وجرينا لحد ما وصلنا لأقرب بيت وخبطنا على الباب وأحنا مرعوبين وبنبكي، وعلى صوتنا طلع ناس كتير، وخدنا أهل البلد ودخلوا البيت وهما بيستعيذوا بالله، وكان الفزع في انتظارهم، ج.ثة جدي .مسلو.خة بالكامل وعنيها الاتنين خارجين من مكانهم والنار ماسكة في الأوضة اللي تحت.. وفي لحظات مسكت النار في البيت كله، ورغم محاولات الأهالي إنهم يطفوا النار بس مقدروش واتحرق البيت كله، وخدوني الناس وتواصلوا مع والدي عن طريق قسم الشرطة، وكلها أيام ورجع والدي ياخدني ورجعت البنت لأهلها في بلد جمبنا..

وكل اللي عرفته بعدها كان أغرب حاجة عرفتها في حياتي، جدي زمان حاول يمارس السحر الأسود، وخ.سر عينيه في مرة بسبب طريقة تحضير غلط، ولما كبر والدي سافر عشان يشتغل ولما خلفني كان بيتحاشى دايمًا إنه يوديني للبلد، بس لما لقى نفسه مضطر وداني أعيش مع أبوه، وبدأ جدي من فترة يمارس السحر من تاني ويتعلمه..

خ.طف البنت اللي اعترفت بعد كدا إنه كان بيكتب على ج.س.م.ها طلاسم وياخد من د.مها عشان يخلي التيس اللي في القفص يشرب، فيه شيخ كان موجود وقال إن التيس ده كان مارد جبار مقيد بتعويذة مخلياه متجسد في الصورة دي وكان جدي مسيطر عليه في القفص.. بس لما فتحته اتحرر المارد، وانتقم من اللي سخره وحرق البيت، وللأسف بدأ ينتقم من البلد كلها لأن فيه حرايق كتير حصلت بعدها في البلد لحد ما انتهت بقدوم عالم أزهري كبير..

ده كل اللي فاكره عن الموقف اللي مريت بيه من ١٥ سنة، وفي النهاية قررت أكتب كل اللي فاكره عنه، يمكن أكون نسيت أحداث، زودت في أحداث، ولو سألت أهل البلد هيقولوا إن كل ده بسبب الساحر اللي اسمه براءة واللي هو جدي، جدي اللي اتجنن بسبب الجن ومع كبر السن وغبائه خلى عيل صغير يوصل لمفاتيح القفص اللي محبوس فيه مارد قادر يحرق قرية بالكامل.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى