روايات

المصحة النفسية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

طول عمري فاكرة مهنة التمريض دي مهنة الدلع والفلوس وكنت منتظرة بفارغ الصبر اليوم اللي كنت هتخرج فيه من الكلية عشان بس اتحرر وأبقا مستقلة ماديًا على الأقل وعندي قناعة بسيطة في حياتي إن الفلوس هي كل حاجة تقريبًا هي اللي هتعملك قيمة في المجتمع وهي اللي هتخليك تدوق طعم الحرية بدون أي قيود حرفيًا.. واتخرجت اتخرجت بعد انتظار طويل وفشل سنتين في الكلية وفي النهاية خلصت جامعتي وبدأت رحلة الكفاح وأنا موهومة إن العروض هتنزل عليا من كل مستشفيات مصر معرفش ليه كنت عايشة في الوهم أوي كدا بس الواقع وقف يبتسملي وقالي:

ـ أهلا بيكي في سن الـ 23.. يالا ورينا شطارتك وبدأت أسأل هنا وهناك واتكلم مع دي ودي لعلي ألاقي فرصة في أي مستشفى واشتغل في المكان والجو اللي أنا بحبه طول عمري بشوف الممرضة نموذج مُصغر لملك الموت وإن حياة إنسان بتبقا واقفة بس على حركتها..

واتقبلت بعد شهور في مستشفى حكومي وشوفت المرمطة اللي مشوفتهاش في حياتي مرمطة بتوصل لـ ١٢ ساعة شغل عشان المرتب يادوب يكفيني أكل وشرب ومواصلات غير كمية الدوشة المهولة والتعب النفسي والجسدي اللي كان بيدمرني وبيدمر جوايا أي مشاعر، وفضلت هناك على أمل إني أتحرر، وعلى أمل الفرصة الأحسن اللي هتكون أحسن ليا من العك ده كله..

بدأت من تاني اسأل هنا وهناك، مرة واتنين وتلاتة، لحد ما في النهاية فوجئت بواحدة بتكلمني على فرصة من دهب محتاجين ممرضة في مصحة نفسية في أسرع وقت لأن الممرضة القديمة مشيت بتاعة قسم كِبار السِن، والمرتب هيبدأ من ست آلاف جنيه غير المكافآت والحوافز والشغل هناك نوعًا ما هادي تمامًا ومعقول.. تاني يوم كنت قدام باب المصحة بتكلم مع الأمن عشان أقابل مدير المصحة عشان الشُغل وفعلًا قابلته واتقبلت في وقتها وقدمت استقالتي من المستشفى الحكومي وفي ظرف أسبوع واحد كنت في المصحة عشان أول يوم شغل..

المصحة كانت متقسمة أقسام كل قسم عليه ممرضتين واحدة شيفت صباحي وواحدة مسائي ومشرف الأقسام دي كلها كان ممرض قديم اسمه عوني وبدأت الشغل اللي كان هادي فعلًا وفي مكان نضيف ومقبول، بس اللي فوجئت بيه بعد أيام إن التعامل مع كِبار السن وبالأخص لما يكونوا مرضى نفسيين ده قمة العذاب اللي في الدنيا..

لما كان حد منهم بيقضي حاجته في هدومه كنت ببقا مطالبة أنضفه وأغيرله هدومه لأن دي من مهام وظيفتي وحاجة زي دي كانت بتتكرر يوميًا أكتر من مرة وكانت بتسببلي غثيان ما بعده غثيان وفلسفة العواجيز ونصايحهم وكلامهم كل شوية معايا كان بيسببلي ضيق كبير أوي خاصة الراجل الكبير اللي كان اسمه عم مُرسي، كان دايمًا بيوصيني ليل نهار مظلمهمش أبدًا، والغريب إنه الوحيد اللي كان مسموحله يخرج ويدخل براحته بدون أي قيود إطلاقًا..

كل ده ربى جوايا نوع من أنواع الغضب المكبوت، غضب بعد أسبوعين بس بدأ يظهر في معاملتي معاهم، معاملة بقسوة وشتايم وإها.نات ما بعدها إهانات، كنت بطلع غضب التقزز والخنقة اللي جوايا عليهم، يمكن كانت دي الحاجة الوحيدة اللي بقدر أفك فيها عن نفسي.. وبعد شهر واحد جت لجنة من الوزارة كنوع من أنواع التفتيش، واستدعوا من كل قسم اتنين من المرضى عشان يتكلموا معاهم، وكانت الصد.مة لما فوجئت إنهم بيشتكوا مني ومن طريقة تعاملي معاهم، واتحولت يومها للتحقيق وخدت إنذار وجزاء محترم، وخرجت يومها وجوايا نار قايدة..

الغريب إن مش أنا بس اللي بتعامل بقسوة، في الأقسام التانية التعامل بيوصل للض.رب والعقاب والتعذ.يب كمان، بس محدش منهم اشتكى أبدًا، سر غريب كنت عايزة أفهمه بأي طريقة، وبدأت نوعًا ما أقرب من زميلاتي بأي طريقة عشان أفهم السر، وبعد نقاش طويل مع إحداهن عرفت كلمة السر.. كلمة السر كانت عوني، عوني اللي لو قدرت أقرب منه بالدلال والهزار وبقا في صفي فأنا كدا هقدر أعمل اللي أنا عاوزاه، وده حل لغز ليه أغلب الممرضات بيحاولوا يكسبوه في صفهم مرة بالأكل ومرة بالهزار ومرة بالتجاوزات..

اللي عرفته إن كلمته مسموعة عند مدير المصحة نفسه، وإن كل المرضى بيخافوا منه، ولما حالة بتستعصى على ممرضة بيتدخل ويدوق الحالة دي المرار، عشان كدا محدش اشتكى غير من القسم بتاعي أنا.. وبدأت أحاول أكسبه في صفي من تاني يوم، شوية دلال على هزار، ولما بدأت استدرجه عشان يساعدني رفض وقالي إن القسم ده الوحيد اللي مبيحبش يقرب منه أو يضايق فيه حد مع إني كنت بسمع عقابه وساعات ض.ربه لأي مريض مبيسمعش الكلام في أماكن تانية..

رجعت مكاني تاني بس بعد ما فهمت الفكرة، وأول ما دخلت العنبر فوجئت بعم مرسي جاي عليا وقتها بص في عنيا وقال نصًا: ـ إياكِ تتخطي حدودك مع أي عيان هنا وبلاش اللي بتفكري فيه ده.. كلامه عصبني أكتر وخرجت من العنبر وأنا بتمنى قلبي يقسى عليهم عشان أقدر أعذبهم وأخليهم يسمعوا الكلام، في الوقت ده روحت الأرشيف وفتحت الملفات بتاعة المرضى ولقيت كل الملفات إلا ملف عم مرسي..

بحثت عنه تقريبًا في كل الملفات بس ملقتوش، وفي الوقت ده بعتلي مدير المستشفى وبلغني إني هطبق ٢٤ ساعة انهاردة عشان زميلتي مش جاية كانت أول مرة تحصل معايا بس مكنش ينفع أرفض إطلاقًا.. وقبل ما موظف الأرشيف يمشي سألته عن ملف عم مرسي، استغرب الأول كلامي وبعدها قالي: ـ ملف عم مرسي في أرشيف الوفيات الراجل مات من شهر كامل..

جسمي وقتها اترعش، وفضلت مكاني مش مستوعبة الكلام اللي اتقال من الأساس، وفي ظرف ساعتين كانت المصحة فضيت تمامًا وبقت عبارة عن مكان صامت، ولأول مرة اكتشف إن المصحة مُخيفة للدرجة دي بالليل قفلت باب القسم كويس ورجعت أوضتي الصغيرة وأنا هتجنن الراجل ميت ازاي الراجل بشوفه كتير قدامي، وقتها روحت على الحمام وأنا لسة مش مستوعبة الكلام، ومسافة ما دخلت وقفلت الباب الصغير حسيت بخطوات دخلت للحمام فضلت مركزة معاها شوية عشان اتفاجئ بيها بتقف قدام باب الحمام بتاعي معرفش ليه حسيت بخوف كبير نزلت بشويش براسي وبصيت من تحت الباب وشوفت الجزمة بتاعت الشخص ده..

اتنفض جسمي مرة واتنين وتلاتة لأنها كانت الجزمة اللي بيلبسها دايمًا حتى في العنبر، جزمة عم مرسي، وسمعت صوت طرقات على باب الحمام طرقات خفيفة وبعدها سمعت صوت هادي تمامًا زي الوشوشة بيقول: ـ اخرجي عشان متتعاقبيش زيها.. في اللحظة دي حسيت بحد بيتنفس بغضب ورايا بصيت بسرعة وفوجئت بواحدة وشها أزرق ومنفوخ زي الأمو.ات وعمالة تشهق، وقتها صوت صرختي سمع المكان كله، وخرجت أجري وأجري لحد ما وصلت عند فرد الأمن، وفضلت عنده كنت بتنفض مفزوعة مش قادرة أنطق بكلمة..

في اللحظة دي بس بدأ يحكيلي بعد ما وعدته إني مش هقول لحد:

ـ حكالي عن ثناء الممرضة اللي قبلي، واللي كانت بتعذب كبار السن وتض.ربهم وتهينهم ومكنش بيقف قدامها دايمًا غير عم مرسي، الوحيد اللي كان بيقويهم عليها ومبتعرفش تاخد معاه حق ولا باطل، لحد ما جتلها فكرة شيطانية عشان يبقا ليها حق تعاقبه، بقت بتحطله دوا يسبب إسهال عشان تعاقبه وتض.ربه، وبمساعدة عوني قدرت تكسره قدام القسم كله، وبقا عبارة عن بقايا إنسان، بس الغريب إن الراجل بدأت تجيله حالة جفاف غريبة بسبب الدوا اللي حطتله منه كمية كبيرة، ومع الألم النفسي بدأت حالته تسوء بسرعة غريبة لحد ما مات في خلال أسبوع، وهي قدرت مع عوني اللي عملت معاه علاقة إنها

تخفي آثار اللي عملته ومات عم مرسي.. ـ بس من يومها بدأنا نسمع إن عم مرسي دايمًا موجود في العنبر، ودايمًا بيدافع عن المرضى، لحد ما فوجئنا بهرج ومرج، ولقينا ثناء ميتة في حمام القسم وبالأخص في الحمام رقم ٣ وكانت على وشها ملامح فزع رهيبة وما.تت ثناء والكل بقا عارف إن الموتة مش طبيعية عشان كدا بدأوا يتلاشوا القسم ده نوعًا ما ومحدش يتدخل فيه لحد مانتي جيتي وبدأتي تعاقبيهم وتمشي في نفس سكة ثناء وجيتي دلوقتي مفزوعة وأنا متوقع إنك شوفتي حاجة..

فضلت مكاني مش قادرة أنطق، أنا كنت في الحمام رقم ٣ اللي ما.تت فيه ثناء، أنا شوفت عم مرسي كتير وكان دايمًا بيحذرني مأذيش المرضى، تاني يوم قدمت استقالتي بس المدير طلب مني اخد إجازة أسبوع يمكن نفسيتي تهدى وارجع تاني، وفعلًا استجبت لكلامه ورجعت بيتي، وبغض النظر أنا راجعة ولا لا بس اللي اتعلمته من القصة دي إن مفيش حاجة اسمها قوي وضعيف في الدنيا، وإن اللي هيفتري انهاردة يقينًا هيلاقي اللي يفتري عليه بكرة، كلها ديون علينا لازم تخلص سواء في الدنيا أو الآخرة وكلنا بين إيدين ربنا ضعاف محتاجين نبعد عن الافترى والظلم في أسرع وقت..

[وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۝ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] سورة إبراهيم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى