روايات

سيدة الخير للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا ابقا الست (حنان) مرات سيادة النائب وأهم ست في البلد كلها، معانا فلوس كتير أوي من فضل الله، فلوس مالهاش أول من آخر، ولينا بيت ضخم على أول البلد أحسن من أي فيلا ممكن تشوفها في العاصمة نفسها، حياتنا مُرفهة زيادة عن اللازم وجوزي في أغلب الفترات بيكسب في الإنتخابات وبيدخل مجلس الشعب..

وأنا مع الوقت حبيت تكون ليا مكانة وأساعد الناس في حياتهم، تحديدًا أهل بلدي اللي فيهم ناس لحد انهاردة مُعدمين، فكنت من وقت للتاني بسحب مبالغ من حسابات جوزي وكنت بنزل أساعد بيها أهل البلد، مرة نعمل إطعام، مرة نعمل معرض ملابس بمبالغ رمزية، مرة نساعد شباب في إنه يجهز بيته ويتجوز وهكذا..

وكانت أمورنا كويسة جدًا، لحد ما حصلت أزمة كبيرة لجوزي وظهر راجل تاني في الدايرة وخد مكانه، وجوزي خسر في الدورة اللي بعدها ومصالح كتير كانت بتجبلنا فلوس وقفت، لدرجة إنه خسر مبالغ غير طبيعية في الفترة دي وقرر إنه يوقف أي أعمال دلوقتي لحد ما الأمور تتحسن..

بس أنا مكنش ينفع أوقف الأعمال دي لأسباب كتير، منها إن فيه مُتبرعين كانوا بيثقوا فيا وكانت بتجيلي مبالغ كويسة وكنت بساعد بيها الناس وأوثق اللي بعمله، وفي الفترة الأخيرة وصلت لمنطقة في البلد كانت كلها بيوت مُتهالكة، وكنت بحاول إني أرمم البيوت دي وأتصور معاها بحيث إني أثبت للمتبرعين إن فلوسهم بتروح للأماكن الصحيحة..

لحد ما في مرة وأحنا بنتفقد الأماكن لقيت واحدة ست عجوزة بتجري عليا بلهفة شديدة وطلبت إني أروح أشوف البيت بتاعها ضروري، وفعلًا روحت معاها أنا والناس اللي بتساعدني واتفاجئت إن البيت بتاعها عبارة عن أوضة صغيرة مبنية ومالهاش سقف، حاطة خشب عشان يحميها من الشمس وشكل الأوضة صعب جدًا جدًا.. بصيت للمنظر العام وبعدين وعدتها إن خلال شهر واحد هنبني ليها بيت صغير مكان الأوضة، وقد كان، كلمت المقاول واتفقنا، وراح اشترى الطوب كله والأسمنت وقررنا نعملها بيت حتى لو نص تشطيب لأن حالتها صعبة..

وخلال أيام كان البيت جهز وروحت أنا وناس كتير من أهل البلد شوفنا البيت وباركنالها ومشيت من المكان، وتخطيت الموضوع ده وكملت شغلي عادي جدًا، لحد ما اتفاجئت بزيارة من الست العجوزة دي، جتلي البيت وكان شكلها مبهدل أوي وفضلت تزعق وتقول: ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي ربنا ينتقم منك.. مفهمتش سبب اللي بتعمله ده وكنت ناوية أهزقها لولا إن أهل البلد اتجمعوا على الصوت والناس فضلول يلوموها، ازاي الست تساعدك وأنتي جاية تتخانقي وتشتمي، في الوقت ده كانت بنتي الصغيرة واقفة خايفة من شكل الست، لقتها بصت لبنتي وقالت:

ـ الأذى هيطولك وهيطول بنتك، لأنك تستحقي الأذى كله.. ومشيت من المكان وأنا مبقتش فاهمة أي حاجة خالص، لحد تاني يوم لما ناديت على بنتي الصغيرة وملقتهاش في البيت كله، اتصلت بجوزي وكان مسافر وبدأ يتصل بناس معارفنا عشان يشوفوا البنت راحت فين.. فضلنا لحد نص الليل مش لاقيينها لحد ما كنت هتجنن عليها، لدرجة إن قلبي بدأ يوجعني وجسمي كله يمسكه تنميل غريب، ووسط القلق والتوتر ده افتكرت كلام الست، معرفش افتكرته ليه ولا قررت أروحلها ليه، لكن حسيت إنها ممكن تكون تعرف حاجة عن اختفاء بنتي، قلب الأم زي ما بيقولوا..

روحت للست لقتها قاعدة قدام بيتها في الضلمة وشكلها مغموم أوي، سألتها عن بنتي لقتها شاورت على جوه، دخلت البيت لقيت بنتي نايمة جوه وسط عيالها، نايمة على الأرض في البرد.. ح.ضنتها بكل قوتي وصحتها، وسألت الست بحِدة ازاي بنتي جتلها، قالتلي إنها جت بمزاجها وهي عشان خافت عليها، دخلتها البيت.. خدت البنت ومشيت، وبنتي قالتلي إنها كانت بتلعب ولقت الليل دخل عليها ومكنتش عارفة ترجع، طبطبت عليها وحذرتها من إنها تروح لأي حد غريب مرة تانية وانتهت الأزمة..

الأزمة اللي كانت لسة بتبتدي، لأن بعد يومين بنتي اختفت مرة تانية، ولقيت نفسي رايحة وأنا متضايقة أوي وحالفة من جوايا لاتسبب بأذى كبير للست دي اللي شكلها عملتلنا حاجة بشكلًا ما، ولما روحت قالتلي إن بنتي مش هنا، بنتي هناك عند المقابر المهدودة.. قلبي اتقبض لما سمعت كلامها وروحت على المقابر، وتحديدًا على صف المقابر اللي المية دخلت عليه والناس اضطروا يهدوها كلها وينقلوا الرفات لمقابر تانية، بنتي بقا كانت نايمة وسط المقابر المهدودة دي كلها، نايمة بعُمق وبصورة غريبة..

ناديت عليها وأنا قلبي مقبوض لقتها صحيت وبصت ناحيتي، كانت نايمة على كوم من الطوب ومش عارفة أخطي وسط الردم ده كله وأوصلها، طلبت منها تقرب مني لقتها مسكت حجر متوسط وحدفتني بيه، تفاديت الحجر بصعوبة عشان تمسك واحد تاني وترميني بيه.. زعقت فيها عشان تبطل الجنان ده لكنها كملت بإصرار، والغريب إنها كانت بترمي حجارة كتير أوي ناحيتي وبسرعة غريبة، لحد ما حجر ارتطم براسي، وحسيت بألم غير طبيعي ووقعت على الأرض والد م نزل يسيل من راسي..

رجعت البيت أترنح وهدومي كلها غرقانة د م وخليت ناس يروحوا يجيبوا بنتي، وأنا طلعت على المستشفى عشان أخيط الجرح اللي كان صعب مش سهل وفضلت نايمة يومين في البيت أتوجع.. لكن الأسوأ من كدا كان اللي حصل لبنتي، بنتي اللي حالتها بقت بتسوء يوم بعد يوم، كانت بتجيلي وأنا نايمة بالليل وتقولي: ـ يا ماما فيه ناس في البيت كتير أوي.. كلامها كان بيخليني أصحى مفزوعة وأفضل أدور في البيت على الناس دول لكن مكنتش بلاقي حد، شوية وكنت بسمعها بتفضل تصرخ وتقول:

ـ امشوا من هنا أنا مش عايزة أشوفكم تاني.. كل المواقف خلت أعصابي خلاص مش قادرة تتحمل، لحد ما شخص قال لجوزي إن بنتنا عندها مس من الجن، بس المس ده مش عادي، المس ده مرتبط بحاجة ولازم ترجع لأصحابها، مكنتش فاهمة ولا مستوعبة، وبنتي كانت من سيء لأسوأ يوم بعد يوم، لحد ما قررت أزور الست تاني، الست دي عارفة حاجة أنا مش عارفاها.. روحتلها، ووعدتها بمبلغ ضخم لو قالتلي إيه اللي حصل لبنتي، الست مكنتش عايزة تتكلم أبدًا، قالتلي إن كل ده حصل لأولادها كلهم لحد ما قالتلهم إنها مش السبب فقرروا يسيبوها وييجوا ورا بنتي، سألتها:

ـ مين دول؟؟ ردت وقالت: ـ أصحاب البيت.. مكنتش فاهمة، لكنها وبنبرة قاسية ونظرات مُخيفة حكت واتكلمت، قالتلي: ـ البيت ده مش بتاعنا، البيت ده بتاعهم ومكنش ينفع نبنيه بالطريقة دي، أنتي جبتي الطوب ده منين؟! وقتها بصتلها بخوف، ولقيت نفسي بفتكر كل حاجة..

أنا مبعملش الخير ده لوجه الله إطلاقًا، أنا بعمله عشان يبقا سمعة لجوزي ويفضل يكسب كل دورة انتخابية، ولما خسر قررت ازود الخير عشان يتأهل والناس تحبه ويكسب الدورة التانية، عمري ما حبيت الناس ولا كنت بحب أدخل بيوتهم القذرة دي، لحد ما جبت المقاول يبني بيتها وفضلت أفاصل معاه في الأسعار، مانا لازم يبقا ليا أجر لتعبي ده، نسبة من التبرعات..

فاقترح عليا نوفر تمن الطوب كله، ونجيب طوب من المقابر المهدودة، طوب مرمي مالوش أول من آخر، وحتى لو متكسر هينفع للبناء، وهنوفر أكتر من ٢٠ ألف جنيه، وافقت فورًا، والطوب اتنقل، طوب المقابر كله اتبنى بيه بيت الست.. الست ضحكت وأنا بفتكر وقالتلي: ـ أهو سكان البيت القديم، أو تحديدًا الطوب القديم رفضوا إنه الطوب ييجي هنا، وأنتي خدتيه بالعافية منهم، وكانوا هيأذوا ولادي لولا إني قولتلهم، وهما جايين ياخدوا حقهم منك، هدي بقا بيتي تاني ورجعي الطوب ليهم وهما هيسيبوا بنتك، وأنا ربنا يتولاني برحمته..

وقد كان، هديت بيت الست ورجعنا الطوب كله للمقابر المهدودة ورميناه ع الطوب، وطبعًا بنيت للست بيت على حسابي عشان كلام أهل البلد، وقعدت مع نفسي أبكي زي الطفلة الصغيرة.. ليه عملت الخير وأنا نيتي سوء، ليه فاصلت على حساب الناس الغلابة وقدمتلهم أسوأ سلعة، مع إن ربنا بيحب الناس اللي بتنفق من أحسن حاجة، ليه نيتي سوء وباصة للدنيا وبعمل الخير لأهداف حقيرة، ليه منعملش خير لهدف واحد بس وهو ابتغاء مرضاة الله، وقتها هنكسب دنيا وآخرة، بكيت كتير أوي، وبدعي ربنا يسامحني لحد انهاردة..

[لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] سورة آل عمران بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى