روايات

القوة والمرآة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لسة كلمات الدكتور بتاع التنمية البشرية بترن في وداني ومش عايزة تخرج منها، لازم أنتي كبنت تثقي في نفسك، تعتمدي على نفسك، وتختاري طريقك بنفسك، وكان من الحاجات اللي بنتعلمها إننا نقف قدام المراية كتير ونشجع نفسنا كبنات، بس مكنتش أعرف إن الوقفة قدام المراية مش هتزود ثقتي في نفسي بس، دي هتوديني في ستين داهية وهتحصلي أكبر كارثة في حياتي..

بس كل ده له أسباب كتير أوي، أسباب أنا فهمتها بعد معاناة كبيرة، واسمحولي أبدأ الحكاية من فكرة البيت اللي كان كله مشاكل تقريبًا، أبويا كان راجل قاسي جدًا، وكان الحل الأمثل والوحيد عنده هو الض.رب، ومش أي ض.رب، أبويا كان بيض.رب بالعصاية اللي ممكن تك.سر العضم، وعلى أقل غلطة كمان، وكان فيه باكيدج كدا لو حد غلط الكل يتض.رب تقريبًا، أنا وأمي وأخويا، لحد ما كبرت في بيئة كلها مشاكل وخناقات، وبعدها طلاق كنت شايفة فيه الحل ولكن كان بداية لنكسة أكبر للأسف..

خدنا شقة إيجار أنا وأمي وأخويا، مفيش شهور وأمي قررت تتجوز واحد أصغر منها، طيب أحنا فين في حياتك، وكان الرد الأشد: ـ أنا مش عايزة حاجة تفكرني بالعيشة مع أبوكم تاني.. واختفت أمي من حياتنا تمامًا، شوية وأخويا خطب بعد مرمطة سنين في الشغل واتجوز في شقة إيجار ولقيت نفسي وحيدة مرة واحدة في نفس الشقة، وبدأ إحساس الرعب يكبر جوايا، مين اللي هيدفعلي الإيجار، مين اللي هيقف معايا في المصاريف الشخصية..

أخويا في البداية كان بيدفع بس بعد كدا انشغل بحياته وخاصةً لما مراته بقت حامل وبقت بتحاول تبعده عني لأنها شايفة إن فلوس جوزها بتتصرف عليا، أبويا بقا بيبعت فلوس شهر اه وعشرة لا، أمي مبقتش بترد عليا من الأساس..

وبدأت رحلة طويلة من المعاناة لما اتراكم عليا الإيجار ومقدرتش أدفعه ولقيت نفسي في الشارع، ويارتني فضلت في الشارع لأن اكتشفت إنه هيكون أرحم من اللي أنا داخلة عليه، روحت على أبويا أعيش معاه هو ومرات أبويا، واكتشفت إن أبويا الراجل القاسي الشديد بقا عبارة عن لعبة في إيد مراته الجديدة اللي كان ليها شرط عشان أشاركها في مملكتها، والشرط ده أكون عبدة بين إيديها، هي مقالتهاش صراحة، بس المعاملة والكلام أثبتولي إنها فعلًا عاوزة كدا..

لما اشتكيت وصوتي بدأ يطلع رجع أبويا القديم اللي بيض.رب ويك.سر، بس عليا أنا وبس، وبقا التهديد إني أسمع الكلام وأتذل بين إيديهم أو أمشي، ومكملتش كتير لأني مشيت في النهاية وروحت للملاذ التاني واللي هي أمي، واللي اتفاجئت منها بقسوة غريبة، واتحقق معايا كل اللي بيحصل في الأفلام من زوج أم متحـ ـرش لأم مش عايزة تصدق إن جوزها بيعمل كدا معايا وكمان كان واضح عليها الغيرة لأنه بقا بيبص ناحيتي أنا..

في النهاية طردتني من البيت عشان أروح لأبويا، روحتله قالي روحي لأمك، لدرجة إني يومها روحت ٣ مشاوير بينهم ومحدش فيهم عاوزني، وروحت لأخويا اللي استقبلني، ما أنا في النهاية أخته، بس نظرة الشر اللي شوفتها في عين مراته أكدتلي إن نهايتي في المكان ده هتكون قريبة أوي، وقد كان، مكملتش أسبوع وافتعلت معايا مشاكل من لاشيء وفي النهاية حفاظًا على آخر ما تبقى مني مشيت..

مفيش غير عمي اللي وقف معايا، كان مسافر بقاله سنين وبالصُدفة البحتة رن عليا يسأل عن رقم أبويا لأنه مش عارف يوصله، ولما قولتله إني في الشارع مش في بيت أبويا أتخض، وجري يسأل عني، وحكيتله كل حاجة وأنا ببكي بكاء مرير، طمني وقالي إنه مش هيسبني، كانت صدفة عجيبة إن اليوم اللي كنت فيه في الشارع ومش عارفة أنا رايحة فين عمي يكلمني..

أجرلي شقة خلال يومين وقالي إنه هيكلم أكتر من حد على شغل محترم وأنزل أشتغل وأصرف على نفسي، وماليش دعوة بفلوس الإيجار خالص، وفعلًا كلها أيام وجبلي شغل في مكتب عقارات كبير واتعلمت شغل السكرتارية من الصفر وبقيت موظفة بتقبض كل شهر مبلغ كويس يقضيها أكل وشرب ومواصلات وفُسح ولبس، حياة وردية مكنتش أتخيل إنها موجودة، وحسيت إن خلاص الدنيا بتضحكلي..

بس في المقابل بقيت شايفة الرجالة عبارة عن شياطين، أب قاسي، زوج أم متحرش، أخ مُهمل، عشان كدا عَزفت تمامًا عن فكرة الجواز، استحالة أسلم نفسي لراجل يعمل فيا زي أبويا ما عمل في أمي، ومشيت في سكة الوظيفة وحياتي وبس، لحد ما بدأت أحضر ندوات خاصة بالتنمية البشرية على سبيل الصُدفة، وهناك عرفت إن الإنسان هو المسؤول رقم واحد عن حياته، وإنه لازم يكون قوي الشخصية وقادر إنه يواجه التحديات، مينفعش يعيش بشخصية مهزوزة بسبب أي أحداث في الماضي أبدًا..

كان مدرب التنمية البشرية بتاعنا اسمه (حافظ) شاب مُهذب وشيك ودايمًا ريحة برفانه بتملى القاعة، وغصب عني اتسحرت بيه وبكلامه، ولما كنت بحكيله مشاكلي كان بيفضل يحفزني عشان أكون قوية واتحمل، ومخليش الدنيا تغلبني، وكان طبعًا بيعلمنا حاجات زي إننا نقف قدام المراية، نكلم نفسنا، نشحن نفسنا بالطاقة، ونتخطى أي أزمة وأحنا باصين في المراية..

لحد ما في ليلة تراكمت عليا كل الذكريات وفضلت أبكي كتير أوي، وملقتش مخرج غير إني أبعتله، كان فاتح أونلاين، كلمته وحكيت معاه بس الغريب إني فوجئت إنه بقا شخص تاني، عايز ياخد الكلام ناحية أمور مش كويسة، بس راجل زي ده ميتقالوش لا، الست الغبية ممكن تفرط في أغلى حاجة عندها عشان راجل عنده أدنى درجات التميز..

هاودته واتكلمت معاه، هزرنا، حصل تعلق، ثم تجاوزات، ثم سهر بالليل ومكالمات فيديو، وفي لحظة جالي المكان بتاعي وحصل بينا جريمة عظيمة، ولما فوقت اكتشفت إنى بقيت امرأة مستهلكة في الحرام، بس كان عندي حافز أكمل، أكيد مش هيتخلى عني، بس ده كان وهم جديد، لأنه بدأ يتجاهلني يوم بعد يوم ولما لقى زن كتير طردني من الكورس وشاف البديلة، ألف واحدة تتمنى إنه يبصلها فأكيد مش هيحبس نفسه مع واحدة سهلة زيي كدا..

ليلتها كانت صدمتي فيه أكبر من صدمتي في أبويا وأمي وأخويا، هما اتخلوا عني بدون أذى، إنما ده انتهك أغلى ما أملك وبعدها اتخلى عني، هما سابوني بدون كسر كامل، إنما ده دمرني..

بدأت أفتكر كلامه، أقف قدام المراية لما تكون حزين، واجه نفسك، قول إن أنت قوي وتخطى حاجز الصدمة، ووقفت أبكي وأبكي وأكلم نفسي لحد ما عنيا ورمت من العياط، ووسط نوبة العياط وشكلي في المراية حسيت بصمت كامل، وكأني فقدت السمع، وحسيت بحاجة زي رياح باردة بتعدي من ورا رقبتي، جسمي كله غصب عني قشعر، أنا لوحدي في الشقة، بس فيه إحساس إن حد معايا في نص الليل، وقدام عنيا في المراية لمحت حاجة صغيرة أوي متكومة جمب السرير، بصيت ورايا ملقتش حاجة، بصيت تاني في المراية وقربت شوية.

وفجأة رفع وشه ناحيتي، كان طفل مشوه، أو يمكن راجل عجوز زي الأقزام، كان متكوم على نفسه زي الجنين وأول ما رفع وشه ناحيتي شوفت نار، نار لونها أسود مولعة وماسكة في جلد وشه وكأنه بيتحرق أو بيتشوه، وبكل رعب الدنيا ض.ربت المراية بالكوباية اللي جمبي وكأني عايزة أض.ربه أو أبعده عني والمراية كلها اتكسرت، ومع كسرها سمعت صوت صرخة، صرخة وكأن حد بيتعذب في النار..

قعدت مكاني بعد ما رجليا مبقتش قادرة تشلني، عايزة أمسك الموبايل أتصل بحد مش قادرة، عايزة أخرج من الأوضة مش قادرة، وبدأت غصب عني أحس بحاجة بتتحرك ورايا، أبص مفيش حاجة، بس الإحساس مكمل، مسكت قطعة ازاز من المكسورة ورفعتها، وهنا لمحت الكائن ده بيقرب مني، أبص تاني مفيش حاجة، أنا مبعرفش أشوفه غير في المراية وبس..

زحفت زي المجنونة برة الأوضة وقفلت الباب، كنت بلبس النوم، مش عارفة أخرج من الشقة، ومن جوة أوضتي بدأت أسمع صوت من تاني، صوت خربشة، وكأن حد عاوز يفتح الباب، وقدام عنيا اتحرك مقبض الباب واتفتح، مقدرتش أتحمل أكتر من كدا وخرجت أجري من الشقة وأنا بصرخ، خرجت واحدة جارتي أول ما شافتني غطتني بسرعة وخدتني عندها، فضلت أترعش زي اللي عندها مرض مميت ولساني جاف مش قادرة أتكلم..

في النهاية اتكلمت بصوت مبحوح وطلبت منها تكلم عمي، وجه عمي يجري وهو مخضوض ولقاني بالحالة دي، فضل يرقيني ساعة كاملة لحد ما هديت، حكيتله كل اللي حصل بس محكتلوش على علاقتي بحافظ، هقوله بنت أخوك ارتكبت جريمة زي دي، اتصل بشيخ يعرفه وطلب منه يرقيني لمدة أسبوع يوميًا وإن شاء الله الأمور هتبقا كويسة، هي محاولة مس من الجِن بس مكملتش والحمد لله لأنها لو كملت كان العلاج هيكون صعب والحياة هتتحول لجحيم..

وفي اليوم السابع من الرقية بكيت على حالي، بكيت على الدنيا اللي بهدلتني، بكيت على كل حاجة شوفتها من أقرب الناس ليا، عمي طبطب عليا وبعد حكي طويل أوي لقيته سألني: ـ أنتي بتصلي يا مروة؟؟ بصتله باستغراب، أيه علاقة الصلاة باللي شوفته في حياتي، جاوبته: ـ لا.. لقيته سأل تاني: ـ خالص؟! جاوبته: ـ عمري ما ركعت في حياتي ركعة واحدة.. قالي: ـ طيب طالما كنتي بتصدقي كلام بتوع التنمية البشرية واللي كان بيقول “أنت مسؤول عن كل أفعالك وعن اللي بيحصلك”، يبقا كدا أنتي مسؤولة عن اللي عمله أبوكي واللي عملته أمك..

بصتله باستغراب فكمل كلامه: ـ يا بنتي أحنا أضعف ما يكون، مالناش غير ربنا سبحانه وتعالى، رجالة وستات وأطفال كلنا محتاجين لحمايته وتدبيره، استحالة نقدر نكمل لوحدنا بشعارات كدابة زي أنا أقدر أعمل كل حاجة، وأنا هقف للدنيا لوحدي.. ـ أيوة كان بلاء كبير اللي شوفتيه، بس غيرك برضه اتولدت بنفس الظروف، اللي أبوها ميت، واللي أبوها إنسان مش كويس، ناس كتير كان البلاء بتاعهم أهلهم، بس هل هما مطالبين وقتها يطلعوا وحشين، أنت انتمائك لله مش لأبوك أو أمك، لو هما وحشين ده مش مهم، الأهم علاقتك بربنا لأن النجاة والمستقبل معاه هو، أحنا مجرد أسباب مش أكتر..

ـ فضلتي طول عمرك ناسية ربك ومفيش ركعة واحدة ومع ذلك، رغم صعوبة حياتك بس فضلتي عايشة، ولما اتطردتي في الشارع هو اللي سخرني أكلمك وأجيبك هنا، وهو اللي سخرني أجبلك شغل، وهو اللي رزقك وبقا معاكي فلوس، وهو اللي كان بيناديكي كل شوية، البلاء والنعم في حياتنا لازم نعتبرهم نداء من الله، عشان نفتكر أحنا مقصرين في أيه..

ـ ربنا يبقا رقم واحد في حياتنا مش الأب ولا الأم، ومش مبرر إن طالما أهلي وحشين أو الظروف صعبة أبقا إنسان مش كويس، ومش صح أصدق شعارات كدابة بتدور في فلك الإنسان وأنسى مسبب الأسباب، بنعمل الأسباب أيوة بس توفيق ربنا رقم واحد، أنتي اتغريتي في نفسك يا مروة أوي بعد الشغل والكورسات دي..

ـ كنت بتصل بيكي تقوليلي أنا هعمل كل حاجة لنفسي خلاص، كنت بقولك قولي إن شاء الله مكنتيش بتقوليها حتى، أنا معرفش حصل أيه معاكي، بس حاولي تداوي نفسك، وحاولي بقدر الإمكان تحطي كل حاجة في مكانها الصحيح، ربنا رقم واحد وبعدها أي حاجة تانية، يارب تفهمي المعادلة أنتي وكل واحدة شبهك يا بنتي، يا رب.. [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ] سورة الحج

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى