روايات

حا.ضنة الأطفال للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

منظر الأطفال الصغيرين في الحضانات بيكون مثير جدًا لاشعال غريزة الأمومة جوا أي ست، خاصةً لما تكون الست دي لسة متجوزتش ولا فيه أي أمل إنها تتجوز بسبب مقاييس الجمال اللي بتقول إنها مش جميلة إطلاقًا ولا ممكن تكون جميلة في يوم من الأيام.. وللأسف حظي السيء خلاني أشتغل ممرضة في قسم الحضانات في مستشفى كبيرة، وبقيت يوميًا بعتبر شغلي هو كابوسي الأعظم اللي بيحسسني بنقصي وعجزي عن إني أكون زوجة أو أم ممكن تشيل ابن أو ابنة في يوم من الأيام..

والحقيقة اللي بعترف بيها قدام نفسي وبس إني فضلت لحد سن تلاتين سنة مفضلة شغلي على فكرة الزواج ومعتقدة إن تأمين مستقبلي بشغلي وفلوسي، وكنت دايمًا برفض عرسان؛ أكتر من نصهم كانوا مناسبين جدًا، بس الزمن سرقني.. وعرفت إن الشغل ما هو إلا وهم عظيم وخدعة كبيرة لأي ست مش هتكتشف إنه وهم غير وهي على أعتاب الأربعين وبتتعامل كست كبيرة بائسة وحيدة من المجتمع، ومن جواها بركان من الأمومة والرغبة ثاير بدون أي نتيجة تُذكر..

وللأسف كل بنت زمان نصحتني أكمل في شغلي وأرفض فكرة الزواج متزوجة دلوقتي ومعاها طفل واتنين وتلاتة ومكملين في شغلهم عادي، ومنهم اللي قعدت وزوجها تكفل بمصاريف البيت وهي تكفلت بتربية الأطفال، ببساطة أنا حياتي كانت عاملة زي الجحيم للأسف، جحيم بقا بيتمثل في بكاء كل طفل بينزل من بطن أمه، بيتمثل في رؤيتي لطفل مولود وأمه بترضعه، وأبوه مبتسم، وجو من الدفء الأسري للأسف بقيت محرومة منه..

واشتعلت جوايا نار بدأت تزيد يوم بعد يوم، ويزيد حجمها أكتر وأكتر لما رخصت من نفسي أكتر من مرة قدام أكتر من شخص لا يمكن واحدة ست تبصله، وفوجئت إني بقيت أقل من إن راجل خمسيني حتى يشوفني كأنثى أو زوجة، الحاجة الوحيدة اللي كانوا ممكن يشوفوني فيها هي وعاء أنثوي في الحرام، أما زوجة أو ست عفيفة فالنظرة دي اختفت من العيون من خمس سنين تقريبًا، والأسوأ إن البعض فعلًا اعتبرني واحدة ست هتمو.ت على الحر.ام ونفسها حد يعبرها وإني هقبل بأي تنازلات لو حد بس لمح بيها..

ووقعت في موجة أكبر من التحـ ـرشات والمعاكسات الجنـ ـسية، وللأسف كنت فاهمة إن الكل بقا شايفني سِلعة مجانية أرخص حتى من فتيات الليل، وللأسف أنا محاولتش أصلح ده إطلاقًا، أو ألجأ لربنا إنه يكرمني بحاجة تبعدني عن النار اللي بقيت عايشة فيها، بل قدرت من جوايا أصب جام غضبي على المجتمع كله، وأحط نفسي في خانة الضحية وبس، ضحية الحياة والمجتمع، وتناسيت إني أنا اللي اخترت بنفسي الوضع ده وبعدت عن فطرة ربنا اللي فطرنا عليها، فطرة ربنا اللي خلق بيها الست عشان تتزوج وتبقا أم وست بيت، مش واحدة عمالة تدور في ساقية ليل نهار عشان تحقق وهم اسمه

تحقيق الذات.. وبعد سلسلة طويلة من جلد الذات جتلنا حالة ولادة جديدة، وأنا كنت عاملة زي وصلة الربط بين قسم الولادة والحضانة، باخد الطفل الحضانة، أطمن على وزنه ونبضه وكل حاجة وبعدها أرجعه لأمه بعد ما أكتب اسمه على أسورة تتربط على إيده، ويومها فوجئت بواحد ست عجوزة جايالي ومتوترة جدًا، وسمعت صوتها من بعيد بتنادي: ـ جهاد.. يا جهاد.. بصيت ورايا وابتسمت لما شوفتها، رحبت بيها جدًا وقولت: ـ ازيك يا طنط عاملة أيه؟

ـ بخير والله يا بنتي.. ـ خير فيه أيه؟! ـ بنتي نور هتولد عندكم انهاردة أقفي معانا بقا.. ـ من عنيا الاتنين.. روحت معاها بسرعة عشان أشوف نور صاحبة الكلية والمنطقة اللي فضلنا سنين مع بعض لحد ما سابوا المنطقة واتقطعت أخبارها من أربع سنين تقريبًا، فضلت معاها وقت طويل لحد ما وصيت عليها الدكاترة بحُكم مكانتي ومعرفتي بكل الناس وبعدها قعدت شوية مع أمها..

الغريب إن الحوار بدل ما يتجه ناحية نور اللي بتولد خد جانب تاني خالص، وبدأت أمها تسألني عن أولادي وزوجي، ولما قولتلها إني متجوزتش شوفت في عنيها نظرات شفقة ولوم وقرف، كأني مريضة بمرض طفيلي، بل وبدأت وصلة من النصايح إن العمر بيجري ولازم اتجدعن وأحاول مرة واتنين وتلاتة.. بتكلمني وكأني المفترض أمشي أدلل على نفسي وأقول عايزة عريس، كلامها كان فيه كمية إهانة واستعلاء خلى قلبي يتحول لجمرة مشتعلة من النار، واللي زود القهر في قلبي الكلمة الأخيرة اللي اتقالت

ـ ربنا يتولاكي.. اللي محدش يعرفه بقا إني كنت صاحبة بنتها وبروحلهم البيت كتير أوي، وكانت الست دي أكتر واحدة بتزود قناعاتي إني لازم أشتغل وأخلص تعليمي الأول قبل ما اتجوز عشان الراجل ملوش أمان، إنما عشان بنتها فالراجل له أمان وأهي بنتها بتخلف لتالت مرة في ست سنين بس.. دخلت الحمام وفضلت أبكي، وأبكي، وأبكي، بصيت لنفسي في المراية وحقيقي شوفت مسخ، واحدة عفى عليها الزمن، معتقدش إن فيه راجل هيبص لواحدة هي نفسها قرفانة من شكلها..

ورن تليفوني في الوقت ده عشان استقبل الطفل، دخلت أوضة العمليات وتابعت بعيني نور اللي كانت متخدرة تمامًا لأن الولادة كانت جراحية، خدت الطفل ودكتور الولادة خرج عشان يلحق حالة ولادة جديدة واستلم نور دكتور الجراحة.. وفي لحظة لقيت نفسي لوحدي مع الطفل والمفترض أحطه في الحضانة شوية، في اللحظة دي شيطاني بدأ يوسوسلي بوساوس شيطانية، خاصة لما افتكرت إن أم نور حكتلي إن جوز بنتها مستني الولد بأي طريقة وإنهم فرحانيين المرة دي أوي لأن الجنين ولد بعد ما شافوه أكتر من مرة بالسونار..

بس لحظة.. ياما التوقع حصل غلط، وياما حصلت لخبطة بين الأطفال، وبضحكة شيطانية كلها خُبث كتبت اسم والد الطفل على أسورة وحطتها على إيد بنت لسة خارجة من ساعة من أوضة العمليات، وخدت الاسم اللي على إيديها وحطيته على إيد الولد.. ببساطة مش هخلي نور تتهنى بابنها وهخليها تاخد بنت تالتة على بناتها الاتنين عشان تحس إنها معيوبة، وابتسمت، ابتسمت وحسيت إني منتشية كأني شربت مخـ ـدرات من الدرجة الأولى.. وفضلت أراقب الأجواء بقلق أحسن حد يكشفني، وراقبت اضطراب أهل نور من إنهم كانوا واثقين إن الجنين ولد من السونار، ولما استعانوا بيا كلمتهم بكل براءة وقولت:

ـ ما شاء الله بنوتة زي القمر.. وبعدين الخطأ وارد جدًا في السونار.. وعدى الموضوع على أهلها وأهل الطفلة التانية، وحسيت إني انتقمت من نور وأمها، بس حسيت إن دي خطوة لانتقام أكبر، أكبر بكتيرررر جدًا جدًا، عملت نظام غريب من نوعه في المستشفى، كانت عمليات الولادة بتشتغل مع بعض، حوالي تلت عمليات، والأطفال بيجوا على الحضانة في خلال ساعة، أنا خليت الأطفال يجوا مع بعض، وبقيت بستمتع بالتبديل..

بتلكك لأهل الطفل عشان يضايقوني وألاقي حِجة وضميري يستريح وأنا ببدل طفلهم بطفل تاني، ولقيت نفسي نوعًا ما بيجيلي نوع من أنواع الإدمان، وفضلت لمدة شهر كامل ببدل الأطفال بدون عِلم حد، وكنت بقلل أوي فكرة تبديل ولد ببنت عشان مفيش دكتور ياخد باله، لحد ما في يوم رجعت من المستشفى وقبل ما أغير هدومي سمعت خبط على الباب، فتحت الباب وفوجئت بتلت رجالة بيكتفوني بعنف وبيكمموني عشان مصرخش وبيحرقوا وشي بمية نار..

عن كم الألم الرهيب اللي حسيت بيه وقتها، مش هقدر أوصفه أبدًا، نار، نار بتاكل فيا، نار ملتهبة، صرخت، وصرخت، وصرخت، وفضلت لأيام في المستشفى بعد ما الجيران اتلموا والناس هربوا، شهر كامل لحد ما رجعت بيتي مشوهة، عاملة زي المسخ، جلد محروق وشفاه سايحة وعين بيضا تمامًا.. ااااااه من وجع القلب، بكيت لأيام طويلة، وقعت في حالة نفسية لمدة شهر كامل، لحد ما جتلي المكالمة اللي حولتني لشيطان رجيم، كانت نور، وكان كل كلامها عبارة عن جملة واحدة

ـ تستاهلي يا قذرة، شكيت فيكي من يوم ما بلغوني إني خلفت بنت، وفضل شكي يكبر لحد ما عملنا تحليل وعرفت إنها مش بنتي، ولما راقبناكي في المستشفى من خلال حد شغال معاكي اتأكدنا إنه مقصود منك، أنتي حرمتيني من ابني وأنا حرمتك من دمامة وشك، يالا ماهو كدا كدا معفن..

نار، نااااار شديدة مسكت في قلبي وكياني كله، محستش بنفسي غير وأنا بطلع تحويشة عمري وبدفعها لواحد عشان يقتلها، وفضلنا ندور على عنوانها تلت شهور كاملين، تلت شهور أنا عايشة في جحيم التفكير والقهر، ولقيناها، وتمت المهمة، أطعنت أكتر من عشر طعنات في قلب الشارع والفاعل هرب، بس تفكيري كان قاصر، مكنتش عارفة إن أي جريمة قتل لازم بتتكشف مهما حصل، وإن الفاعل هيعترف عليا لو اتمسك، وقد كان، واعترفت قدام النيابة بكل حاجة، اعترفت وأنا ندمانة على حاجة واحدة بس..

ندمانة عشان اخترت غلط ومستحملتش نتيجة قراري.. ندمانة عشان سمحت لحقدي إنه يتحكم فيا وعملت جريمة زي دي.. ندمانة إني سمعت لمجتمع عقيم بينادي بتعذيب الست بالشغل والكفاح وهي كل اللي مطلوب منها مهمة أعظم ألف مرة من الشغل، كل اللي مطلوب منها تكون زوجة حنونة وأم عظيمة.. [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ] سورة الأحزاب بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى