
أبويا كان كل ما يدبـ,ـح العِجل كان لازم يطلع عضمة معينة من الجسم ويكسـ,ـرها خالص لدرجة إنها بتكون لا تصلح لأي شيء بعد كدا، ولما كنت بسأله بتعجب هو ليه بيعمل كدا كان دايمًا بيبتسم ويقولي: ـ بكرة لما تكبر هتعرف، بس لازم توعدني بوعد.. ـ وعد أيه يابا؟! ـ إنك لما تورث مني الشغلانة لازم تورث مني حاجتين معاهم.. ـ أيه هما الحاجتين دول؟! ـ تطلع من أي دبـ,ـيحة ولو ٢ كيلو لحمة للناس الفقراء ودول مش هتلاقي أكتر منهم، وإنك تكسر عضمة الكتف دي وحتى بعد ما تكسرها ماتبيعهاش لحد خالص مهما كان..
وفضل أبويا لسنين طويلة يوصيني بالنقطتين دول وأنا معرفش ليه هما مهمين أوي كدا، أما بخصوص شغلانة الجزار فأنا شوفت فيها العَجب العُجاب، شغلانة قادرة إنها تجبلك كمية مشاكل مالهاش أول من آخر، غير كمية الفُقراء اللي كانوا بيجوا يوميًا قدام الدبيحة لعل وعسى يطلعلهم حاجة منها..
وأبويا كان غريب أوي وبيعمل حاجات غير مفهومة، كان بيقطع جزء من اللحمة، ويفرم جزء، ويشيل العضم اللي يتعمل عليه شوربة، ويقسمهم على عشر أكياس، وكل اللي كان بيجي يقف بس كان أبويا يفهمه من نظرة عنيه، ويديله كيس فيه حتة لحمة وكورة لحم مفروم وعضمتين للشوربة، وكان يتعمد يعلي صوته ويقول للشخص ده ـ طيب حاسبني لما ترجع تاني عشان مش معايا فكة.. ولما كبرت شوية وكنت بستنكر العادة دي لأنها بتخسرنا فلوس كان بيرد ويقول:
ـ يابني أحنا بنشتري الستر اللي من غيره هنضيع، ولو محستش بقيمته دلوقتي هتحس بقيمته لما يضيع منك.. وكبرت وأنا بصراحة مش مقتنع بحاجات كتيرة كان أبويا بيعملها، بس مكنتش بقدر أعترض على أي حاجة لأن أبويا رغم حنيته على الفقراء وقلبه الكبير إلا إنه كانت له هيبة ومش أي حد كان يقدر يعترض على كلامه من معلمين السوق فما بالك بيا أنا ابنه.. وأول ما دخلت في سن العشرينات أبويا بدأ يكلم ناس هنا وهناك عشان يشوفوا واحدة محترمة وكويسة أقدر اتجوزها، ولما كنت بستفهم بس منه هو عاوز يجوزني بدري ليه كان بيقولي جملة غريبة أوي:
ـ الراجل اللي ميجوزش ابنه أو بنته وهو قادر على كدا بيتحاسب عليهم يوم القيامة.. وفعلًا اتجوزت وربنا رزقني بأول فرحتي وكان اسمها وعد، البنت اللي كان روحها في جدها، وكانت أيام طويلة بتقعد معاه في المحل ومترضاش ترجع البيت أبدًا، بل وأيام كنت أقعد بينها وبين جدها ألاقيهم بيغمزوا لبعض وكأن بينهم أسرار هما بس اللي يعرفوها..
لدرجة إني كنت بغير على بنتي أوقات، خاصة إنها حفظت كل تفصيلة بتحصل في المحل من يوم ما نفتح لحد آخر اليوم، كانت بتعبي أكياس الصدقة، وحافظة وشوش الناس اللي بياخدوها أسبوعيًا، بل وكانت بتمسك السـ,ـكينة عشان تتعلم التقطيع، كل ده وهي عندها ست سنين بس.. في الأيام دي بدأ أبويا يتعب وتظهر عليه أعراض الشيخوخة، وفضلت حالته من سيء لأسوأ لحد ما وصلت بنتي لعمر ١٢ سنة، وقتها مرض أبويا أوي ووقع من طوله في حالة إعياء شديدة، وأقامت بنتي معاه شهر كامل ومكنتش بتاكل ولا بتشرب غير لما كان يفوق من تعبه ويطلب منها ده..
ومـ,ـات أبويا، مـ,ـات واتفاجئت بجنازة مالهاش أول من آخر اتعملت عشانه، كنت بشوف ناس غريبة في جنازته بيبكوا عليه وأنا ماشي مستغرب كل المحبة دي اللي كانت في قلوب الناس تجاهه، أما بنتي اللي وقعت في دور اكتئاب ومرضت مرض غريب، لدرجة إنها كانت على وشك المـ,ـوت حرفيًا، بس مع مرور الوقت اتعافت وإن فقدت كتير من بريقها وضحكها معانا وبقت دايمًا ساكتة مبتتكلمش..
وقتها كان لازم ألحق المحل وأشغله عشان مفقدش مصدر رزقي، بس كنت هشغله بأسلوبي أنا وطريقتي أنا، بقيت أدبـ,ـح الدبـ,ـيحة الصبح واشتغل عادي، اللي يجي يطلب حاجة وألاقي بنتي تبصلي وكأنها بتقولي ده محتاج كنت بتجاهل نظراتها واسأله عن فلوسه، وكان بيتحرج ويمشي ومكنتش بشوفه تاني، ولما بنتي اعترضت خلتها متنزلش معايا تاني عشان الصعبانيات، أنا جاي أشتغل مش أخلص اللحمة على المحتاج والفقير..
وفعلًا بدأ الحال يكون أحسن والدخل يزيد معايا، واشتغلت سنة واحدة وكانت الدنيا ماشية معايا زي الفُل ووقتها اقتنعت إن أبويا كان غلط في اللي بيعمله، لحد ما مراتي حملت أخيرًا بعد غياب وجه يوم الولادة وحصلها نزيـ,ـف وأجهضت، ودخلت في سلسلة عمليات خدت اللي ورايا واللي قدامي انتهوا بإزالة الرحم، وخسرت كل فلوسي اللي عملتها طول السنة، وعرفت إن مراتي مش هتولد تاني..
وبدأت المصـ,ـايب تنزل على راسي تباعًا، المحل بقا شغله ضعيف جدًا جدًا، وفيه محل جزارة كبير فتح بأسعار أقل مني، غير إن الناس ولسبب غير مفهوم مبقوش يحبوني، وبقوا بيتجنبوا يشتروا من عندي، وكنت بشوف بعيني ناس تعدي من قدامي زباين للمحل، ويرجعوا بعد ساعة من ناحية محل بعيد ومعاهم لحمة، وكنت أقدر أعرف إنها لحمة من شكلها في الكيس لأن دي مهنتي..
الحال وقف بطريقة مُخيفة جدًا، والطلب على المحل فضل يقل يقل لحد ما حرفيًا بقيت بدبـ,ـح كل شهر مرة بعد ما كنا أيام أبويا بندبـ,ـح كل يوم تقريبًا، وفضلت على الحال ده سنين، كبرت بنتي وبقت عايزة تتجهز وبالأخص لما اتخطبت، والحال بقا صعب جدًا ومبقتش عارف أصرف على البيت..
ولولا مراتي اللي باعت دهبها مكناش عرفنا نجهز البنت، وقرب الفرح عليا وكنت محتاج مصاريف بأي طريقة، ومكنش فيه في جيبي جنيه تقريبًا، وفوجئت بواحد معرفة جاي في السر وبيطلب مني عضمة الكتف بتاعة العِجل، كنت عارف إنها بيتعمل عليها سِحر أسود، وإن السحر اللي بيتعمل عليها بيكون قوي بطريقة مُخيفة جدًا، وصعب فك السحر ده طالما ملقتش العضمة كمعالج، بس لما عرض عليا مبلغ ١٠ آلاف جنيه عنيا زغللت، ووافقت بدون أي تفكير..
وقتها حكالي إنه ياما طلب من أبويا زمان بس كان بيرفض رغم إنه كان بيعرض عليه فلوس ياما، كلامه فكرني بوصايا أبويا، بس تجاهلتها عشان الدنيا تمشي، وخدت المبلغ وبعت اللوح ووعدته إني هبيعله مع كل دبـ,ـيحة لوح الكتف بتاع الدبـ,ـيحة، بس وأنا بشفيها غصب عني السكينة خدشتها خدشة كبيرة من النص، خفت ياخد باله بس الموضوع عدى وخدها مني..
وعملنا الفرح واطمنت على بنتي مع جوزها ودخلوا مع بعض عش الزوجية، وفي نص الليل تقريبًا اتصل بيا جوز بنتي، قلبي اتنفض من مكانه ورديت عشان أسمعه بيصرخ وبيستغيث بيا، جريت زي مانا على بيتهم لقيته بيفتحلي الباب وشكله غريب أوي، كان فيه دم نازل من راسه وشعره متقطع من مكانه، وسمعت صوت بنتي وعد بتضحك جوه، دخلت بسرعة على الأوضة وقلبي اتقبض من اللي شوفته..
بنتي كانت بتاكل في شعر جوزها المتقطع في إيديها بطريقة مُخيفة جدًا، وكانت عمالة تضحك وترجع من بطنها مادة لونها أحمر، جريت عليها وأنا مصدوم وحاولت أفهم فيها أيه، لقيت جوزها بيقول إنها ضـ,ـربته على راسه جامد، وفضلت تقطع في شعره وتاكله، وحلف إنه ما هيقعد معاها يوم بعد كدا وطلقها قدامي.. خدت البنت من الشقة ولقيت ناس متجمعين تحت مستغربين، وعرفت إن فيه فضيحة كبيرة هتطلع عليا أنا وبنتي ويا عالم هتنتهي أمتا، هو ده الستر اللي أبويا كان بيقول عليه وبيشتريه ؟؟؟
ورجعت البيت وعرفت إن الكلام كتر في المنطقة عن بنتي، اللي يقول مجنونة، واللي يقول مكنتش عـ,ـذراء، واللي يقول بتمثل على جوزها عشان مش بتحبه، كلام كان بيوصلني زي السهام اللي بتطـ,ـعن في قلبي.. نمت ليلتها مغموم، مهموم، مش طايق نفسي، وعلى نص الليل سمعت صوت غريب، كأنه صوت مقص، صحيت مخضوض لقيت بنتي بتقص شعري وعمالة تاكل فيه ووشها شاحب زي الأموات، اتنفضت من مكاني وسألتها بخوف: ـ أنتي بتعملي كدا ليه يا حبيبتي؟!
لقيتها بترد بصوت رجولي خشن: ـ مفيش أكل في البيت الحقير ده، ولو مجبتش أكل هاكلك أنت.. حسيت إني اتشليت مكاني، وبالأخص لما شوفت المقص ممسوك في إيدها من المكان الحاد وايديها بتنـ,ـزف دـ,ـم، سابتني ومشيت وكل اللي طلبته حاجة واحدة بس، قالتلي إنها عايزة عشرة كيلو لحمة يوميًا وإلا هتاكل من لحم جسمها، أو اللي قال هو الصوت الرجولي اللي بيطلع منها..
وعدت الليلة وروحت المحل وشوفت في عيون كل الناس نظرات غريبة أوي، وحقيقي بقيت مكسـ,ـور وسط الناس، واتحولت حياتي لجحيم، أروح يوميًا بعشرة كيلو لحمة، اللي هما تقريبًا مكسب تلت أيام، وأصحا في نص الليل ألاقي بنتي بتاكل فيهم بطريقة بشعة، وتصحى الصبح مريضة وتفضل تتألم وترجع دم.. وتفضل تستـ,ـغيث بيا وتتكلم بصوت وعد، أما بالليل فكان صوتها يقلب ذكوري، وتاكل لحمة نية، وأفضل أسمع ضحكها من المطبخ اللي كان بيرعبني، ولما عجزت في مرة أجيب اللحمة سمعت صراخها بالليل ولقتها بتعور نفسها وبتشرب من الدم اللي بينزل منها..




