
في بلد جنبنا فيها مكان مهجور تمامًا، عبارة عن أكتر من ١٠٠ مق.برة، محدش تقريبًا بيقرب منهم، لدرجة إنه مع مرور السنين المقا.بر دي اتسمت بالمقا.بر المنسية، وبقا ممنوع منعًا باتًا حد يقرب منها أو يعدي من جنبها، لغز مثير كان بيداعب خيال أطفال النجوع المجاورة إنهم يروحوا يستكشفوا المكان، بس بعد اختفاء طفل واتنين وتلاتة الأهالي حطوا غفير على أول الطريق الوحيد اللي بيودي للمكان، بل وسمحوله يض.رب نا.ر على أي حد يفكر بس يقرب من المكان..
وعدت السنين، والمكان ذِكره بقا نادر جدًا، والناس اتلهوا أكتر وأكتر في أكل العيش، بس دايمًا كنت بشوف نظرات الخوف في عيون الأهالي لما كان المكان بيتذكر ولو على سبيل الصدفة، وكان دايمًا فيه سؤال متعلق في الفراغ مالوش أي إجابة ـ ليه النجع اللي جنب المقا.بر كله اتهجر بدون أي سبب مفهوم؟! ـ وليه الناس مترجعش تسكن النجع من تاني خاصة إن البيوت لسة مبنية فيه لحد يومنا هذا؟!
وفضل السؤال يدور بدون ما نلاقي له إجابة واضحة، بس الزمن بيعلمنا إن مهما حاولت الحقايق تستخبى فهيجي عليها اليوم اللي هتخرج للنور من تاني مهما كان، ودي الحقيقة اللي أنا كنت مؤمن بيها تمامًا، لحد ما جت الليلة اللي قررت تفصح قدامي عن كل الأسرار المستخبية في النجع ده..
كنت يومها راجع الساعة ١٢ بالليل بالعربية النقل ومعايا بضاعة بما إننا تجار فاكهة أنا ووالدي، ويشاء ربك إن العربية تعطل قبل بلدنا بمسافة ٥ كيلو تقريبًا، و الأسوأ إن تليفوني كان فصل شحن كمان، وكأن المصايب لا تأتي فُرادى، نزلت من العربية ووقفت على الطريق الترابي أتابع بعنيا الطريق الفاضي وأنا واثق تمام الثقة إن صعب حد هيعدي في الوقت ده من الليل، فكرت كتير في حل بس للأسف كل الحلول كانت صعبة التحقيق، وحتى فكرة إني أسيب العربية وأمشي كل المسافة دي كانت مُرهقة جدًا..
بصيت حوليا عشان أقيس الوضع، عن يميني ترعة كبيرة وعن شمالي أرض زراعية والطريق الترابي في النص، وعلى ضوء القمر بصيت للي بعد الترعة ولمحتها، رغم إني بعدي كتير أوي من المكان ومكانتش بتشدني، بس وأنا قريب كدا والمكان ليل استشعرت حضورها الطاغي.. أضرحة المقا.بر المنسية، كانت على الجنب التاني من الترعة واقفة بشموخ زي الجبال، معرفش ليه غصب عني افتكرت محاولتنا أنا وصحابي زمان لما كنا بنحاول نروح هناك رغم إننا في نجع بعيد شوية عنها، بس الحكايات دايما كانت بتتقال عليها بتثير جوانا ألف ألف سؤال..
ووسط شرودي الغريب ده شوفت على الجانب التاني بنت شابة واقفة بتشاورلي بطريقة غريبة، كأنها طالبة مني مساعدة أو بتحاول توصلي رسالة ما، طول عمري عارف إن المكان ده مهجور تمامًا، معرفش ازاي البنت دي وصلت هناك، وكمان مفيش أي معدية أقدر أعدي من خلالها الترعة عشان أوصل لها..
فضلت أبص يمين وشمال عشان أعرف أعدي، في اللحظة دي لقتها بتشاور على ماسورة كانت معدية من فوق الترعة على المية، ماسورة من اللي بيعملوها معديات لكابلات الكهربا الضخمة، وكأنها بتقولي أحفظ توازنك وحاول تعدي من عليها، حاولت أتجاهل نجدتها أو حتى أتكلم معاها بس كانت مُصرة إني أعدي الناحية التانية، وبدون تفكير كتير بدأت أمشي على الماسورة الحديد بهدوء شديد خوفًا من إني أقع في الترعة دي..
وبعد عدة محاولات بالفعل قدرت إني أعدي من عليها وأوصل للجانب التاني، بس المُخيف بقا إني لقيت البنت وكأنها اختفت تمامًا، مكنش ليها أي أثر في المكان اللي كانت واقفة فيه، والأغرب إني شوفتها واقفة هناك، عند المقا.بر المنسية، وكانت برضه بتشاور بطريقة غريبة، معرفش هي ازاي لحقت تروح هناك، ومعرفش دي ممكن تكون مين..
بس حسيت لوهلة إن الموضوع بقا مُخيف نوعًا ما، ولقيت نفسي بحاول أعدي من على الماسورة الحديد من تاني، بس الغريب إن الموضوع كان مستحيل تمامًا، مع إني عديت من الناحية التانية لهنا بسهولة، أما دلوقتي فكل ما أحط رجلي على الماسورة أحس إني هتزحلق وهقع..
حاولت كتير بس معرفتش، ولقيت نفسي مضطر إني أمشي من ناحية النجع ده لحد ما أوصل للبيت بتاعنا وأبقا أرجع أجيب العربية الصبح، اتحركت ناحية أضرحة المقا.بر اللي كانت مهجورة بطريقة غريبة، مقا.بر كأنها من عالم تاني، تحس لوهلة إن لونها أحمر مش مجرد مباني، وكأنك اتنقلت لعالم تاني خالص، كمان الصمت هنا كان شديد أوي، حتى صوت الرياح وصوت خطواتي مش مسموعين إطلاقًا..
قربت نوعًا ما من المقا.بر عشان أعدي من خلالها للناحية التانية ومنها هعرف أوصل للبلد بتاعتنا، في اللحظة دي وبدون أي مقدمات شوفت البنت من تاني واقفة قدامي، وبالأخص قدام قبر ضخم شوية، كانت ثابتة زي التمثال مبتتكلمش، حاولت أقرب منها طلعت تجري واختفت من تاني وسط المق.ابر، بصيت على القبر لقيت مكتوب عليه جملة غريبة أوي ـ هذا جزاء من يعصي أوامر سيدنا..
مبقتش فاهم معنى الجملة بس مكنش ينفع أقف كتير في مكان زي ده، خاصةً لما ظهرت البنت من تاني وبدأت تبكي بصوت مسموع وأشوف من عنيها دموع بتنزل بس بلون أحمر دموي، وقتها بدأت اتأكد إن المكان ده ملعون، وإني لازم أخرج من هنا في أسرع وقت ممكن، خرجت من المقا.بر ناحية البيوت القديمة اللي اتهجرت من زمان، بس كل ده وأنا سامع صوت بكاء البنت وخطواتها ورايا، بدأت فعلًا أخاف وقلبي يدق بعنف..
ووسط الجري اللي أنا فيه شوفت نار غريبة ماسكة في بيت من البيوت وصوت صراخ رهيب جاي من هناك، جريت على مكان النار لقتها طفت بسرعة غريبة، ولسة البنت بتبكي وبتمشي ورايا باستمرار.. في اللحظة دي بس شوفت راجل شكله غريب بيقبض على البنت بعنف وبيحاول يغتصـ ـبها قدام عنيا وهي بتصرخ وبتستغيث، رجعت بسرعة عشان أنجدها بس اختفت هي والراجل، وقتها بس جريت، جريت من المكان كله وأنا عمال استعيذ بالله من شر شياطين الجن، وفين وفين لما خرجت من النجع كله..
وفجأة اتسمرت مكاني على صوت شخص بينادي عليا بغضب، كان غفير المكان اللي كان ماسك سلاحه بتحفز وهو بيتكلم معايا، اتكلمت معاه وعرفته اللي حصل معايا وهو نوعًا ما بدأ يهدى لما عرفته بنفسي، قعدت معاه شوية نتكلم وحاولت استدرجه عشان أعرف منه حكاية النجع الغريب ده أيه.. اعترض كتير إنه يحكي، بس مع إصراري بدأ يحكيلي حكاية غريبة أوي..
قالي إن النجع ده كان بيتعمل فيه مولد السيد زهران كل سنة، وإن أهل النجع كانوا بيقدسوا السيد زهران ده بالمعنى الحرفي، خاصةً إنه كان راجل متمرس في السحر الأسود لأقصى درجة، وبما إن أهل النجع كانوا خمسين بيت فمكنش حد هيقدر يقف قدام سطوته ونفوذه، خاصة إن السحر بتاعه كان فوق الوصف.. لحد ما راحله في ليلة شاب بيطلب منه سحر محبة عشان نرجس تحبه وتقبل بيه كزوج، السيد زهران عمله حجاب محبة بس لسبب غريب قرر يزور بيت نرجس نفسها ويشوفها ليه معترضة على الشاب بما إنه يعتبر كبير البلد..
راح هناك والبنت عجبته جدًا، خاصةً إنها كانت آية في الجمال، وطلب البنت لنفسه بس أبوها رفض، وفي موقف غريب لما شدوا في الكلام أبو نرجس قاله أنت ساحر وكفرت بالله وأنا مش هديك بنتي.. موقف زي ده هز هيبة زهران بطريقة رهيبة في النجع، لحد ما قرر يهجم على بيت الراجل ويحرقه هو وابنه وبنته نرجس بعد ما اغتصبها قدام أهل النجع كلهم اللي محدش فيهم قدر يعترض ولو بنص كلمة كأنهم مغيبين تمامًا، بل ودفنهم في أكبر قبر من قبور البلد عشان يبقا عظة للناس وكتب على القبر
ـ هذا جزاء من يعصي أوامر سيدنا.. واستمر الحال لشهر واحد بس، وبعد الشهر بدأ حال النجع يتغير بطريقة غريبة، الأراضي رفضت تطلع محصول، والبيوت نفسها بدأت تتحرق من نفسها، حتى بعض الناس كانوا بيقولوا إن فيه واحدة بتستدرج أهل البلد بالليل ناحية المقا.بر وتق.تلهم.. ومع استمرار الحوادث دي بدأ الناس غصب عنهم يسيبوا النجع ويهربوا منه، حتى زهران في يوم وليلة اختفى بطريقة غامضة ومخيفة، واستمر الر.عب على أهل النجع لحد ما سابوا المكان كله وهربوا، واتهجر المكان وحتى المقا.بر اتقال عليها “المقا.بر المنسية”..
محدش عارف أيه اللي حصل بالظبط، بس الأكيد إن الأرض دي اتلعنت بالظُلم اللي ارتكبوه، واتلعنت بكل الناس اللي عليها اللي قرروا يحطوا مصيرهم واختيارهم كله في إيد ساحر ملعون، ونزل العقاب على الكل مفرقش بين راجل أو ست.. ومشيت وأنا متعجب من فكرة الخضوع والاستسلام جوة نفوس البشر، الخضوع والخوف اللي يخليك تتبع كافـ ـر، قاتـ ـل، منتهك أعراض لمجرد إنك خايف، وده أكدلي حقيقة واحدة بس؛ [وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا] سورة مريم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




