روايات

ميلاد في المق.برة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ابني الصغير اتولد جوة الق.بر بعد د.فن ج.ثمان أمه بعشر ساعات تقريبًا، كان شيء إعجازي وغير مفهوم بالمرة، ابني اللي استنيته كتير أوي واتمنيت إنه يخرج للنور، وبدل ما يخرج من ظل.م.ات الرحم خرج من ظ.لم.ات الق.بر، خرج يبكي بطريقة مروعة كأنه طفل من أطفال الجن.. مش عارف أنا ممكن أقول أيه بس كل اللي أقدر أقوله إني استنيت خروج ابني للنور وقت طويل أوي، لأكتر من سنتين بنحاول أنا ومراتي عشان يحصل حمل، وعشان نشيل أولادنا بعد ما كتير من الدكاترة أجزموا بصعوبة الحمل..

لحد ما كانت المفاجآة الغير متوقعة لما عرفت إن مراتي حامل، حسيت وقتها إن أخيرًا بدأت الحياة تضحكلي وتديني حاجة زي الناس، عشت في خيالاتي أحلام وردية لمدة تمن شهور كاملين، تمن شهور مستني خروج ابني للنور عشان أحس بمعنى السعادة.. بس زي ما كل حاجة بدأت انتهت في ليلة واحدة، ليلة صعبة تعبت فيها مراتي مرة واحدة وفضلت تشتكي من إنها مش قادرة تتنفس، وجريت بيها على طوارئ مستشفى من المستشفيات، بس للأسف ساعات قليلة وخرج الدكتور يقولي:

ـ البقاء لله.. مراتي ما.تت، طيب والجنين، الجنين ما.ت في بطنها أكيد، وقتها وقعت على الأرض، فضلت الدنيا ضبابية، مش عارف اشوف قدامي وكأني فقدت حاسة البصر تمامًا، وبدأت أدخل في دايرة قاسية أوي، هنحضر القب.ر عشان ند.فن زوجتي، وند.فن ابني، وفي ليلة كل حاجة ضاعت، يومها بكيت، بكيت كتير أوي، حسيت إن روحي اتشر.خت من جوة شر.خ استحالة يتداوى للأبد.. وحطيت ج.ثمان زوجتي في التراب وكشفت عن وشها للمرة الأخيرة، بوست على راسها وتوسلت لربنا إنه يرحمها ويرحم ابني وقفلت باب الق.بر، قفلت باب الق.بر عشان أفقد بريق الحياة للأبد..

وفضلت ساعات تايه، شارد، عقلي واقف عن التفكير، باخد العزاء وأنا مش مستوعب إن ده عزاء مراتي وابني، ووسط الشرود والتوهان اللي أنا فيه حسيت بهرج ومرج حوليا.. ناس بيجروا عليا وبيقولولي ابنك عايش، ابنك عايش، الكل بدأ يحوقل وجرينا ناحية الم.قابر لقينا غدير التربي لافف طفل صغير في بطانية وجسمه كله بيترعش.. قالنا انه كان بيتفقد الم.قابر لحد ما سمع صوت طفل بيبكي جوة الق.بر بتاع زوجتي، ولما فتح لقى الطفل جمب ج.ثمان زوجتي والحبل السري مق.طوع كأن فيه حد قام بعملية الولادة جوة الق.بر المُظلم..

معرفش ليه وقتها خفت، خفت من الطفل الصغير اللي بدل ما يجيلي من مستشفى الولادة جايلي من عالم الأموات، من قلب الق.بور، جاي يدمر قواعد العلم اللي بيقول إن مفيش طفل هيعيش الساعات دي كلها في ج.ثمان مي.ت، بل وجزء جوايا تمنى مو.ته للأبد.. وخدت الطفل للبيت، وفضلت يوم كامل مشلول عن التفكير، مش عارف أفكر، ولا اتكلم، الكل بدأ يتحاشاني، مفيش غير أختي اللي اشترت لبن صناعي وبدأت تعتني بالطفل من وقت للتاني، الطفل اللي اتعلق بيها يوم بعد يوم، وحتى أنا بدأت أكسر حواجز الرهبة والخوف واتعامل مع ابني إنه طفل طبيعي رغم ولادته دي..

وبدأ ابني يكبر يوم بعد يوم، وبدأت أحس بشعور غريب كل ما كان ابني بيكبر، شعور إن فيه حد معانا في البيت، كل ما أدخل أحس وكأن كان فيه حد في البيت، إحساس غريب حاولت أتجاهله، ٤ سنين كاملين عدوا والأمور كانت طبيعية نوعًا ما.. لحد ما في ليلة صحيت بعد نص الليل وخرجت للصالة عشان اتفاجئ بدون مقدمات بواحدة ست واقفة ومعاها طفل وبنت صغيرة وكلهم مديني ضهرهم، فضلت مكاني بحاول استوعب أنا بحلم ولا دي حقيقة، وقبل ما أهمس بكلمة اتحركوا كلهم ودخلوا أوضة ابني، وقفت مكاني زي المشلول لدقيقة كاملة..

بس خوفي على ابني حركني إني أجري ناحية الأوضة، ولما فتحتها ملقتش أي حد، ابني نايم وبس، حاولت أوهم نفسي إن كل ده كان مجرد تخيلات، بس من يومها والموضوع اتغير بطريقة مخيفة.. بقيت بشوف ابني بيلعب في البيت كل شوية ويجري من كائن خفي، بل وبيتكلم وبيتعامل كأن فيه حد بيلعب معاه، لدرجة إنه قدام عنيا في مرة طلع على الكرسي ووقع من فوقه بس فيه حاجة ثبتته في الهوا عشان ينزل بهدوء بدون ما يتصاب، كنت هتجنن، مش فاهم أيه اللي بيحصل ده..

بس كل ده بدأ يدخل جوايا إحساس الخوف الشديد على ابني، وقررت أراقبه كل ليلة، وصحيت في ليلة أطمن عليه، وأول ما قربت من أوضته سمعت صوت ضحكة غريبة، كأن فيه حد معاه في الأوضة، طفلة صغيرة.. فتحت الباب بسرعة وأنا قلبي هيخرج من مكانه عشان اتفاجئ بطفلة بتجري وبتنزل تحت السرير، قلبي اتنفض مكانه وجريت على السرير ورفعت الملاية، وشوفت بنت متكومة على نفسها وعمالة تبص ناحيتي وتزوم زي الحيوانات..

من خوفي ورعبي شديت ابني ومسكت عصاية ضخمة وبدأت أحاول أض.ربها بيها، كانت عاملة زي المسخ المشوه، شكلها مرعب، ابني صرخ فيا وبدأ يقف بيني وبينها عشان مأذيهاش، وفي النهاية خرجت وهربت من باب الأوضة واختفت، قلبت عليها البيت كله ملقتهاش.. بس ليلتها شوفت الجحيم على الأرض، نور البيت كله قطع، وشوفت باب أوضتي بيتفتح بهدوء وواحدة ست بتدخل منه، عنيها كانت بتلمع في الظلام وعمالة تهمهم بهمهمات غريبة، وقتها بس شعر جسمي كله وقف واتشليت مكاني..

ووسط فزعي عنيها حرفيًا نورت زي النار، وشوفت عيون مشقوقة بالطول زي عيون التعابين، وفي إيديها شوفت عصاية من نار وبتهدد بيها ناحيتي، ملحقنيش من الموقف غير ابني اللي دخل من جمبها وقال بصوت طفولي: ـ مش هيعمل حاجة تانية لناحورة يا ماما.. وقتها خرجت الست ورجع النور من تاني، وكان واضح إنه تهديد شديد اللهجة، ومن يومها بقيت كل ليلة أشوف قدام أوضة ابني، الست دي ومعاها الطفلة ناحورة وطفل كمان، واتعلمت رغم الفزع إني اتجاهل كل اللي بشوفه ده، طالما محدش بيأذيني أو بيأذي ابني فخلاص..

ومهما كانوا فهما مجرد زوار، وعدت الأيام وكبر ابني أكتر، وبقيت أسمع حاجات تشيب من الناس عنه، الكل بقا بيهابه، محدش زعله أو كسر بخاطره في مرة، طفل كان أو كبير إلا واتأذى، وكان دايمًا محمي، مهما يتهور مكنش حتى بيتخدش زي أي طفل شقي، وشاع في البلد كلها إنه طفل شي.طاني.. الأطفال كانوا بيخافوا منه، وهو نوعًا ما حب العزلة واكتفى بيها، لحد ما صحيت في ليلة ملقتوش، ملقتوش في البيت كله، قلبت عليه الدنيا بس ابني كان اختفى، خرجت أصيح في الشارع والناس بدأوا يبحثوا عنه معايا بحذر، بس برضه كان اختفى تمامًا..

قلبي اتفطر عليه، وفضلت تلت أيام مش لاقيه، لحد ما في اليوم الرابع سمعنا صياح رهيب من ناحية بيت في آخر البلد، وجرينا نشوف فيه أيه وفوجئنا بحفرة كبيرة منهارة وواحدة ست بتصرخ بفزع، من النظرة الأولى فهمنا إنهم بينبشوا عن آثار..

اللي محدش قدر يستوعبه إنه قدام عيونا شوفنا ابني خارج من تحت الردم كأنه خارج من تحت البطانية، خارج بكل براءة الدنيا، الكل بدأ يخاف وأنا حضنته وفضلت أبكي، ولما الشرطة جت واستجوبوا الست ومن رعبها اعترفت إنهم خطفوا ابني لأنه مشهور عنه إنه زوهري، وإن دمه مطلوب كقربان للرصد عشان يفتح المق.برة، بس واضح إن اللي معاه قدر يحميه من الرصد ومن الناس دول، وواضح كمان إن الانهيار ده حصل عشان محدش يقرب منه..

ورجعت بابني من تاني، بيعت البيت وروحت مكان محدش يعرفنا فيه، دعيت ربنا كتير يلهمني الصواب، لحد ما تجلت رحمة ربنا في صورة شيخ وقور اتعرفت عليه وحكتله قصة ابني.. ووصلني بشخص بدأ يرقي ابني يوميًا لحد ما قلت الزيارات تمامًا بل وشبه اختفت بعد ست شهور كاملين، وبدأ ابني نوعًا ما يبقا طفل طبيعي، يمكن التجربة كانت قاسية، ويمكن دي عيلة من الجن صاحبوا ابني من يوم ولادته وساعدوه وخرجوه، محدش عارف أقدار ربنا وحكمته واصلة لحد فين..

بس كل اللي بقيت متأكد منه إن اللي بيتقي الله وبيصبر ربنا بيجازيه خير، مهما كان حجم البلاء، وإن اللي بيجزع ويخاف ويظن في الله الظنون بيخسر خسران مبين، ربنا وحكمته والتعلق بالله أحسن ألف مرة من التعلق بأي كيان تاني، والصبر والاستعانة بالله هما النجاة دايمًا، أنا حاليًا مبسوط، وعايش حياتي واتجوزت تاني، وبعد ما كنت بتمنى مو.ت ابني مع أمه زمان دلوقتي بقيت فخور بيه وبكل انجازاته، والحمد لله.. [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين] سورة يوسف

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى