
أنا متجوز واحدة ست سليطة اللسان بتحب الكلام زي عنيها، عاملة زي الراديو اللي مبيفصلش، بحاول بقدر الإمكان مق.تلهاش عشان خاطر ابني اللي بقا في كلية طب، بصارع الزمن عشان أقدر أخليه يتخرج ويبقا دكتور وحاجة في المجتمع.. بس جتلي الصدمة في ليلة لما جاتلي مكالمة تليفون بتقولي إن ابني عمل حادثة وهو راجع من الكلية، جريت على المستشفى وقلبي بينط من مكانه عشان ألاقي ابني عنده شرخ في الجمجمة، وكسور في كل مكان في جسمه، ابني اللي شوفت نظرات عينيه تايهة وجسمه متكسر، سمعت صوت آهاته بودني وطقطقة عضمه..
واتجبس ابني من راسه لحد رجليه، كان فاقد النطق، تايه في ملكوت الله، وصارحني الدكتور وقالي إن ربنا يتولاه، لأنه ممكن يفضل تايه أسابيع، وممكن شهور أو سنين، وعدى يوم وأسبوع وشهر لحد ما اتفك ابني من الجبس، بس للأسف ابني اللي خرج من الحادثة مش هو اللي دخلها..
شوفت كائن تاني خالص، فقد النطق ورفض يتكلم إطلاقًا، ولما سألت الدكتور قالي إنها حالة صدمة ونصحني أعرضه على دكتور نفساني، بس الحال كان بيتحول من سيء لأسوأ، من فقد النطق لحالة من الشرود والتوهان وصلته لمرحلة إنه بقا ماشي يبص ويهمس للفراغ حولينا، كأنه شايف وبيتكلم مع ناس أحنا مش شايفنهم..
وزاد الوضع سوء لما رجعت من الشغل في يوم لقيت صوت صراخ مراتي في البيت، ولما جريت على البيت ودخلت شوفت ابني بيكسر في الشقة كلها، وشوفت مراتي واقفة في ركن الصالة متوترة جدًا، وقفت قدام ابني عشان يبص لأمه بصة مُخيفة ويدخل أوضته، كان استحالة أعنفه أو أضربه.. سألت مراتي بأسى وقلت: ـ أيه اللي حصل؟! ـ مفيش، خبطت عليه لقيت الباب مقفول، خبطت كتير ومكنش راضي يفتح، كسرت الباب لقيته ثار عليا، وفضل يكسر في البيت..
وقفت أبص للصالة بحزن وأنا بفتكر كل الأيام اللي قضاها ابني هنا بعد العملية، دايمًا قافل الأوضة على نفسه ومبيخرجش، نبهت على مراتي تسيبه في حاله ومتخبطش عليه تاني.. حاولت أعرضه على دكتور واتنين من الدكاترة النفسيين بس محدش قدر يخليه ينطق بنص كلمة، وبدأت نوعًا ما اتقبل الواقع المرير اللي وقعت فيه، لحد ما جت مراتي في ليلة وبدأت في اسطوانة الندب واللطم وقالت: ـ أحنا هنفضل سايبين الواد لحد ما يتجنن كدا؟؟ بصتلها بقرف وحاولت أتجاهل أي جدال معاها، بس ازاي، دي مراتي وأنا عارفها:
ـ شوف الراجل اللي معندوش دم بيبصلي ازاي!! كتمت غيظي بالعافية عشان تكمل وتقول: ـ أنت كمان بقيت أخرس زي الواد.. وقتها كأنها داست على اللغم جوايا، اللغم اللي عمال يتعبى مادة متفجرة من يوم الحادثة، قمت ثورت عليها وكسرت الكوباية اللي قدامي، بس هي كانت مستعدة أوي، وفتحت في وصلة الصريخ والرد والإهانة وغيره وغيره، خرجت من البيت وأنا هنفجر من جوايا وسكت عشان ظروف البيت ومرض ابني..
ولقيت رجليا خدتني لأول المقابر بما إنها في الشارع اللي ورايا، وروحت عند صاحب عمري وأحسن واحد أفضفض معاه بكل اللي جوايا، صبحي التُربي، اللي مستعد يسمع منك ألف شكوى طول الليل ويعملك كوباية شاي تنسى بيها كل همومك.. روحتله وفضفضت معاه بكل اللي جوايا، كان بيسمع مني وفيه نظرة قلق جوا عنيه، نظرة غريبة عمري ما لمحتها فيه، قعدت معاه لحد الساعة اتنين بالليل وبعدها رجعت على بيتي، ونمت، نمت نوم أسود بدون أي أحلام..
تاني يوم صحيت وحسيت بهرج ومرج في الشارع، خرجت اسأل الناس، خناقة دي ولا أيه، وكانت صدمتي لما عرفت إن صبحي اتق.تل في أوضته اللي على أول المقابر.. اتق.تل أمتا وازاي؟! جريت وأنا قلبي بيدق وأعصابي منهارة ناحية تجمع الناس وفوجئت بمشهد بشع، جسم صبحي كان متفرتك حرفيًا، كأن حد مسك منجل حديد وضربه أكتر من ألف ضربة، مفيش مكان في جسمه سليم، كأنه بقا عبارة عن أشلاء ملهاش أي ملامح..
بكيت كتير أوي، واتشهر الموضوع من بشاعة الجريمة وجت الصحافة تصور، وجت الشرطة تحقق واستدعوني بما إني من أصحاب القتيل، حكيت كل حاجة حصلت ولما تيقنوا من براءتي أفرجوا عني.. الدنيا عمالة تضيق بيا أكتر وأكتر، صاحب عمري ما.ت، وابني ضاع، مبقاش فيه دكتور ولا حتى ابن، ومراتي ست بتمنى تفنى من الحياة من استحالة العِشرة معاها.. بس مكنتش دي المفاجأة الوحيدة، لأن تاني يوم حصلت جر.يمة ق.تل جديدة، بنفس البشاعة، وبنفس الطريقة، وبدأت إشاعات تطلع إن فيه عصابة بتاجر في الأعضاء وكلام تاني يقول إن فيه ديابة في المقابر..
ومع الجريمة التالتة وبعد خطبة الجمعة قال الشيخ إنه هيعمل نوبات حراسة من أهل البلد حولين المقابر عشان يمسكوا اللي بيعمل كدا سواء حيوان أو بشري، وفي أول ليلة وقع الاختيار عليا أنا.. بما إني من سكان شارع المقا.بر، وعلى الساعة تسعة بالليل كنت حاسس من جوايا إن فيه حدث صعب جاي في السكة، كأني همو.ت وهودع الحياة، خبطت على ابني كتير عشان يفتح، كنت لازم أشوفه، الله أعلم هتبقا آخر مرة ولا لا.. في النهاية فتحلي، نفس النظرات الصامتة والتايهة، ح.ضنته بقوة وطلبت منه ميخرجش من البيت مهما حصل وقولتله:
ـ أقفل الباب كويس، فيه حد بيق.تل الناس برا.. لقيته بينازع عشان يتكلم، كنت مصدوم وهطير من الفرحة، استنيت عشان أسمع هو بيقول أيه، لقيته قال بصوت ضعيف جدًا وطالع زي أصوات الغرغرة: ـ أنا عااااررررف مييين اللي بيقت.ل.. اتنفضت مكاني وقولتله بلهفة: ـ مين يا حبيبي قولي!! ـ متووولي.. ـ متولي مين رد عليا؟! بس مسافة ما قالها رجع لحالة الصمت من تاني، حاولت معاه كتير بس منطقش تاني، قفلت عليه الأوضة ونبهت على مراتي متفتحش الباب أبدًا، وإن كنت بتمنى القا.تل يدخل يق.تلها، وقتها هديله مكافأة..
قابلت اتنين جيراني ووقفنا على مدخل المقابر، كان واحد معاه بندقية وأنا معايا عصاية والتالت معاه خنجر، وقعدنا نراقب المكان، نراقب أرض الأموات بظلماتها ووحشتها، وقفنا نبص للقبور اللي كانت بتبص علينا هي كمان بتحدي، وكأنها بتقولنا إننا مهما عملنا فهي المنتصر في النهاية، هتبلعنا زي ما بلعت ناس كتير أوي قبل كدا.. وبعد ساعتين تقريبًا اتكلم واحد منهم وقال: ـ مفيش حاجة تقريبًا، تلاقيه حيوان ومشي، أنا هروح.. بصتله بغضب وقولت: ـ هي دي الأمانة اللي أنت بتحافظ عليها؟!
بصلي بسخرية وقال: ـ أمانة أيه يا عم، أنا واقف مُجبر بحمي ناس متستاهلش.. وبعد شد وجذب قالنا إنه هيعمل جولة يتفقد المقابر وبعدها هيروح، وعشان التالت كان ابن عمه قرر يروح معاه، ولقيت نفسي قاعد لوحدي بشتمهم في سري، ناس ناقصة تستاهل الحرق.. قعدت لوحدي أراقب المقابر وأنا حاسس برهبة غريبة، كأنك في عالم تاني خالص، وفي لحظة سمعت صوت وشوفت خيال حاجة بتدخل من بين البيوت للمقابر، جسمي اتنفض ومسكت العصاية اللي معايا بقوة..
دخلت بهدوء شديد وراه وأنا جسمي كله بيتكهرب من الخوف، بتخيل نفسي وبقيت جثة زي جثة صبحي اللي شوفتها بعنيا، دخلت لقلب المقابر وبدأت اتلفت يمين وشمال، المكان هادي وصامت تمامًا، ومش سامع غير صوت أنفاسي ودقات قلبي، بترعش والعرق بينزل من جسمي، وفجأة سمعت صوت حاجة بتزوم، بصيت بفزع ولمحت جسم واقف فوق مقبرة من المقابر وبيزوم ناحيتي.. جسمي اتنفض وصرخت، ولقيت نفسي بجري زي المجنون عشان اهرب، بس هو كان بيجري ورايا، لمحته رغم الضلمة، كان ماسك حاجة حديد، وعرفت إن ده القا.تل، لحظات وهبقا جثة زي صبحي..
وفعلًا رجلي خبطت في حجر كبير ووقعت على الأرض، ولمحت الجسم دا بيهجم عليا، وشوفت الحديدة بتترفع لفوق وغمضت عنيا، استنيت أحس بجسمي بيتقطع، بالدم بيسيل مني، بالألم بينهش فيا، بس مفيش حاجة حصلت، فتحت عيني برعب وشوفت شوفت.. شوفت ابني، أيوة ابني، كان ماسك حديدة على شكل L ورافعها وعمال يزوم ناحيتي، يقرب شوية ويتراجع تاني بسرعة، ويحاول تاني ويزوم ويرجع تاني من جديد.. وقفت وأنا مصدوم واتكلمت بذهول: ـ مالك يا حبيبي حصلك أيه؟!




