
فكرة إن ابني يكمل أربع سنين وهو لسة منطقش بكلمة واحدة دي فكرة مؤلمة أوي لأي أم نفسها تسمع ابنها بيتكلم وتشوفه بيجري وبيملى الدنيا صياح، كلمة ماما اللي استنيت اسمعها أيام طويلة لسة متقالتش رغم محاولاتي مئات المرات، حتى كل أطباء التخاطب والأطفال فشلوا إنهم يلاقوا حل، والكل أجمع على حاجة واحدة بس
ـ هو هيتكلم، بس أمتا محدش يعرف..
وديته الحضانة وأنا قلبي بيتعصر من الألم كل ما كانت المعلمة بتاعته تكلمني عشان تستفهم عن حالته الغريبة، كل الأطفال في عمره بيتكلموا ومنهم اللي بقا بيقدر يعبر عن نفسه كمان، وهو صامت تمامًا مبيتكلمش، صامت بطريقة تخليني أبكي ليالي طويلة وابتهل لربنا إنه يردله صوته مخافة إنه يكون أخرس مبيتكلمش من الأساس..
روحت أجيبه من الحضانة انهاردة وأنا حاسة بضيق شديد، وكأني جوة زنزانة بحجم جسمي وبس، زنزانة مخلياني مش قادرة حتى أتنفس ولا أنطق بنص كلمة، ووسط شرودي وتفكيري وحيرتي سمعت صوت طفولي، غريب، صوت جاي من ابني اللي ماسك إيدي وماشي جمبي، وقفت مرة واحدة لدرجة إن عربية كانت هتخبطني، وقفت مصدومة، مش مستوعبة، مذهولة، ابني كان بيتكلم، كان بيقول ماما..
بصيت ناحيته ونظرة الذهول مش عايزة تفارقني عشان أسمعه من تاني بيقول:
ـ ماما عاوز اللعبة دي..
وبيشاور ناحية محل ألعاب، بصتله بفرحة كبيرة ورددت :
ـ أنت بتتكلم يا حبيبي؟!
ـ ماما عاوز اللعبة دي..
ـ عنيا يا حبيبي أطلب عنيا هديهالك..
وح.ضنته، ح.ضنته بكل ما في نفسي من قهر وتعب السنين اللي فاتت دي كلها، ح.ضنته وبكيت قدام الناس في الشارع بدون أي مبالاة، خمس دقايق ببكي من فرحتي لحد ما الناس اتجمعوا حوليا وقدروا يفهموا الحكاية، وانطلقت المباركات من الشعب الجميل لدرجة إن واحدة ست أطلقت زغرودة من الفرحة، ومن شدة السعادة دخلت بسرعة اشتريت اللعبة اللي كان طالبها، ولما صاحب المحل خد باله من الموقف أقسم إني هاخدها مجانًا احتفالًا بينا..
روحت البيت وأنا شبه طايرة من الفرحة، كلمت جوزي اللي مسافر بشرته بالخبر وبشرت تقريبًا كل الناس، وكأني دخلت الجنة خلاص، وعدى اليوم بين احتفالات وفرحة كبيرة، وتاني يوم الصبح جريت على أوضته عشان أصحيه للحضانة وأسمع صوته، بس لفت نظري كلام مكتوب على الحيطة بتاعة الصالة، مكتوب بلون أحمر عامل زي الفحم؛ “٢٣ شارع الزهور البرية”..
تأملت الجملة مرة واتنين وأنا مش فاهمة سبب كتابتها، بس في النهاية مسحتها ودخلت صحيت ابني ووديته للحضانة، وعدى اليوم بسعادة أكبر كل ما كنت بسمع صوته بيتكلم، وتاني ليلة صحيت عطشانة أوي وروحت أشرب، بس الغريب إني سمعت صوته جاي من الأوضة بتاعته بيتكلم مع حد، ابتسمت إنه بيتكلم حتى لو وهو نايم، ورجعت أوضتي وعدت الليلة عشان أصحى تاني يوم ألاقي نفس الجملة وفي نفس المكان؛ “٢٣ شارع الزهور البرية”..
حسيت بالغضب من فكرة إنه يكتب على الحيطة بس فرحتي بكلامه منعتني إني أعنفه، واكتفيت إني كلمته بهدوء شديد، بس هو أنكر إن له علاقة بأي حاجة من الكتابة دي، تجاهلت الموضوع للمرة التانية، بس تالت يوم صحيت قبل الفجر عشان أدخل الحمام، فتحت النور ودخلت، بس فوجئت بحاجة مريبة وعجيبة؛ على سقف الحمام كانت مكتوبة نفس الجملة، “٢٣ شارع الزهور البرية”..
وقتها قلبي بدأ يدق بعنف، ازاي ابني هيطول سقف الحمام ويكتب الجملة بالخط الواضح والمفهوم ده، بدأت أخاف واتوتر، الموضوع غريب وغير مفهوم، قربت من أوضته سمعته من تاني بيتكلم، توتر غريب عمال ينهش في قلبي، فتحت الباب بهدوء لقيته قاعد على السرير ومديني ضهره وبيكلم حاجة في الأرض، صغيرة، متدارية ورا السرير، ناديت عليه بتوتر وقربت منه عشان ألاقيه بيكلم اللعبة اللي جبتهاله، ابتسمت وطبطبت عليه وخليته ينام وخدت اللعبة وخرجت برة..
لأول مرة ألاقي نفسي بتأملها، دمية شكلها مُخيف للأسف، وشها شاحب ونظراتها عاملة زي نظرات البشر، وخاصًة البشر المجانين، بتحس وأنت بتبص في عنيها بمشاعر غريبة كلها خوف وقلق، مكنتش تقريبًا شوفتها من فرحتي بابني، حطيتها في درفة الدولاب العلوية وقفلت عليها خالص، ودخلت عشان أنام، بس لما صحيت ورحت أصحي ابني لقيت الدمية نايمة في ح.ضنه..
وأكاد أقسم إنها كانت مغمضة عنيها، ولما ركزت معاها شوفت بعنيا عنيها بتفتح وبتبرق ناحيتي، جسمي قشعر، اترعبت، ولقيته صحي من النوم بكل براءة وقالي:
ـ أزيك ياماما..
بس أنا كنت متوترة، قلبي بيدق بعنف، وسألته بقسوة:
ـ أنت جبت اللعبة هنا تاني ازاي؟!
رد عليا ببراءة أكبر وقال:
ـ هي اللي جتلي يا ماما..
كلامه خلى جسمي يرتجف أكتر، سألته بقسوة أكبر وقلت:
ـ ومين كتب على سقف الحمام؟؟
رد بحزن وقال:
ـ هي برضه يا ماما..
وقتها كانت أعصابي اتح.طمت، ولقيت نفسي باخد الدمية بقسوة منه، لقيته بيبكي وبيصرخ، بس أنا ض.ربته بعنف، وخدتها ونزلت، ورميتها في أقرب صندوق قمامة قابلني، ورجعت البيت وأنا هادية نوعًا ما، حاولت أطيب خاطره بس وسط بكائه قال كلمة واحدة:
ـ هترجع يا ماما هترجع..
عديت يومي ما بين قلق وخوف، وعلى بالليل وبدون وعي مني قفلت باب الشقة بالمفتاح وقفلت كل الشبابيك، وكأني خايفة من عدو وهمي، غريب، ودخلت نمت وأنا بدعي ربنا كل حاجة تنتهي خالص، بس في نص الليل صحيت على إحساس بشع، مُخيف، وقبضة باردة ماسكة قلبي، كأني مطعونة بخنجر من الجليد..
صحيت مكاني وفضلت اتنفس بعمق عشان الإحساس ده يختفي، بس وسط اضطرابي ده لمحت خيال، خيال شيء بيمشي قدام أوضتي رايح جاي، خيال شيء صغير أوي..
وقع قلبي بين إيديا، أنا عارفة مشية وخيال ابني كويس، واستحالة ده يكون ابني، ده شخص تاني.. أو..
أو شيء تاني..
قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، وجسمي كله فاقدة السيطرة عليه، بس ده ابني، ولازم أنقذه لو فيه خطر عليه..
خرجت وأنا بترعش، لساني مشلول مش قادرة حتى أدعي ربنا، ومسافة ما فتحت الباب لمحت حاجة بتجري وبتنزل تحت الكنبة، حاجة عاملة زي الفار، بس فار ضخم بيجري على إيدين ورجلين، وحسيت وقتها بشلل تام، وصد.مة رهيبة التهمت كل مشاعري، ووقفت اتنفض، حاسة إن قلبي هيقف وهمو.ت..
واتنفضت مكاني انتفاضة جديدة لما لقيته بيجري بسرعة رهيبة، وبيدخل أوضة ابني، صرخت، بكيت من الر.عب، وقربت من باب الأوضة بنادي على ابني بصوت بينازع المو.ت، وقتها سمعت صوته بيتكلم مع حد..
همو.ت من ال.رعب والفزع، نفسي أهرب بيه من الجحيم ده..
دخلت الأوضة لقيته قاعد على السرير، نفس المنظر، وبيكلم حاجة مش متشافة، ومسافة ما ناديت عليه لقيت حاجة بتجري من تحت السرير وبتعدي من تحت رجلي، وصرخت صرخة رهيبة ونطيت من مكاني، وخرجت الحاجة دي للصالة من تاني، خرجت وراها وأنا بتنفض، بتمنى من ربنا النجاة، وهناك شوفتها..
اللعبة، الدمية اللي على شكل شخص شاحب الوجه، كانت بتنزل د.م من عنيها في مشهد رهيب، مفزع، وكانت بتشاور على الحيطة اللي قدامها، بصيت بفزع لقيت الجملة من تاني؛ “٢٣ شارع الزهور البرية”..
رجعت أوضة ابني وقفلت الباب وأنا بتنفض لحد تاني يوم الصبح، ومع شروق الشمس خرجت، بس الدمية مكنتش مكانها، كانت في الدولاب ومقفول عليها، خدت ابني وخرجنا من البيت كله كأننا بنهرب من الجحيم، وصلته الحضانة وقعدت في الشارع ببكي من الرعب وقلة الأمان..
طلعت موبايلي وفتحت خرايط جوجل وكتبت؛ “٢٣ شارع الزهور البرية”، ولقيت شارع واحد في مصر بالمسمى ده في مصر الجديدة، وبدون أي تفكير طلعت على العنوان، كانت عمارة راقية جدًا، وطلعت للشقة وخبطت على الباب وأنا مش عارفة أنا هقول أيه من الأساس..
وفجأة فتحلي راجل ضخم الجثة، راسه ضخمة جدًا، بصلي بصة غريبة واستفسر عن وجودي، طلبت منه أقابل ست البيت، عاملني بكل عنجهية بل وطردني من المكان وهو بيقول إن مفيش ست بيت هنا..
نزلت من العمارة وأنا همو.ت من الخوف والتوتر، وقبل ما أخرج وأنا في حيرتي وقلقي وقفني بواب العمارة لما شاف الدموع في عنيا، واستفسر مني عن سبب وجودي وخوفي ده، وقتها وبدون وعي مني بكيت، بكيت كتير أوي، قولتله مش هتصدقني، وعدني إنه هيصدقني..
حكيت كل حاجة بالتفصيل، الغريب إن الراجل صدق على كلامي، وقال إن الراجل ده كان مشغل عنده بنت مسكينة بتنضف البيت، بس هو كان راجل قذر، تحـ ـرش وإعتـ ـداء بل وضـ ـرب مبرح، لحد ما في يوم قال إنها هربت وسرقته، بس قال إنه كان شاكك فيه، وواثق إنه عمل فيها حاجة، خاصة إنه كان عارفها كويس..
لقيته بصوت هامس قالي:
ـ هاتي الدمية..
بصتله باستغراب وقولتله:
ـ أجيب أيه؟!
ـ هاتي الدمية للشقة عشان هي مش هتسكت غير لما تروح..
مكذبتش خبر، وخدت الدمية وأنا مرعوبة من شكلها، كانت وقتها الدمية مبتسمة، مبسوطة، أدتها للبواب اللي طلعها شقة الراجل على سهو منه، وبشرني إن كل حاجة كدا انتهت..
وفعلًا كلامه كان صادق، كل حاجة انتهت، حتى الراجل الفظ الملامح، انتحر بعد يومين ورمى نفسه من البلكونة، ولما الشرطة دخلت الشقة لقت الدمية قاعدة على الكنبة والتلفزيون شغال قدامها، شغال على فيلم تشاكي بتاع الدمية اللي بتقتل البشر..
وبعد تحقيقات طويلة لقوا رسالة جوة العروسة بخط الإيد، البنت اللي كانت شغالة عنده كانت بتشتكي وبتقول إنها مقهورة، وبيتم الإعتـ ـداء عليها، وإنها حاسة إنه هيقـ ـتلها، وإنها مينفعش تسيبه لأن والدها مديون للراجل ده..
وبعد تحقيقات أكبر اكتشفوا جثمان البنت مقتولة في جنينة العمارة، مقتولة وفي ح.ضنها الدمية غرقانة د.م، الدمية اللي اختفت نهائيًا ومحدش عارف طلعت من تحت التراب أمتا ونزلت تاني ازاي، وليه اختارت الولد ابن الست عشان تروح من خلاله للشقة، بس واضح إن القرين مكنش هيقدر يتقوى غير بواسطة طفل، عشان كدا خرجت واستنت طفل استثنائي، أخرس، وخدت منه طاقة ساعدتها على الانتقام..
حاجة بتوضح إن العدل قائم في أرض الله مهما حصل من ظلم، وإن مفيش حد ظلم إنسان إلا وهيتعاقب، سواء في الدنيا أو في الآخرة..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




