روايات

سجينة الحظيرة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من شهر تقريبًا سمعنا عن زريبة في بلدنا كل شوية النار تمسك فيها وبالأخص الساعة ١٢ بالليل وبدون أي أسباب، وبتفضل النار ماسكة في الزريبة يمكن نص ساعة كاملة، ومهما الناس اتجمعوا وحاولوا يطفوا النار للأسف النار مبتطفيش إطلاقًا غير بعد نصف ساعة تقريبًا، وأكتر من حد بقوا بيهمسوا بخوف وبيقولوا إنهم بيسمعوا صوت وكأن النار بتتكلم، حتى شكل النار بيكون غريب وغير مفهوم، وكأن النار ليها رجلين وإيدين وعيون ولسان، كل ده كان مادة خصبة للكلام عن الموضوع، خاصةً إن مواضيع الماورائيات دي بتثير جوة الناس ألف سؤال وسؤال..

ومع مرور الأيام بقت الناس بتتجاهل النار وبيسيبوها لأنهم بقوا عارفين إنها هتطفي لوحدها، كل ده كان مجرد كلام بسمعه، بس مكنتش أعرف مكان الزريبة ولا مصدق الحكاية من أساسها، لحد ما من تلت أيام بس أبويا عمل حادثة على الطريق ورجله اتكسرت، وجريت على المستشفى عشان أشوفه والحمد لله الموضوع نوعًا ما مكنش خطير.. وقضيت يوم كامل معاه لحد ما قدرنا نطمن عليه وفي النهاية إدارة المستشفى قالت إنه هيفضل لحد تاني يوم وبعدها يقدر يخرج، كانت الساعة داخلة على ١١ بالليل وممنوع أي مرافق يبات مع المريض، وكان لازم أروح وتاني يوم أقدر أرجعله ونروح..

ركبت عربية من المستشفى لحد بلدنا وفكرت شوية ولقيت إني لو نزلت على المحطة مش هلاقي أي توكتوك دلوقتي وهمشي كتير أوي، وممكن أنزل ناحية الأراضي الزراعية واتمشى منها لحد البيت وده هيكون أفضل كتير، ونزلت بالفعل عند الطريق الزراعي ودخلت فورًا في قلب الظلام والليل لأني كنت مرهق جدًا ومحتاج أنام بأي طريقة..

طبعًا المكان مُخيف جدًا وشايف قدامي بالعافية، ورغم إن فيه بيوت كتير بس كل بيت قافل على نفسه بسور ومفيش أي إضاءة تقريبًا طالعة من البيوت، ووسط مانا ماشي وسرحان وبسبح وبشكر ربنا على نجاة أبويا سمعت صوت غريب جاي من على يميني، وبالأخص كان جاي من زريبة مبنية بالطوب القديم المُتهالك.. فكرت أكبر دماغي وأكمل مشي بس الصوت كان شبيه لصوت آدمي، وكأن فيه حد بينادي بس بصوت مكتوم أوي، قربت من الزريبة وحطيت ودني على الحيطة وكتمت أنفاسي تمامًا، أيوة فعلًا فيه صوت واضح جدًا..

فكرت أمشي عشان محطش نفسي في موقف بايخ، بس احتمالية إن حد يكون طالب مساعدة أو بيتوجع جوه خلتني أقرر أدخل وأشوف فيه أيه، قربت من باب الزريبة وزقيته لقيته اتفتح بقوة وكأنه كان مستني الزقة بتاعتي، قلبي اتنفض مكانه من الصوت بس تمالكت نفسي ونورت فلاش الموبايل.. الغريب إني شوفت بنت شابة قاعدة مربعة في نص الزريبة ولابسة نضارة حفظ نظر وماسكة كتاب وبتقرأ منه، حسيت بالإحراج الشديد بس افتكرت إنها قاعدة في الظلام الدامس ده، ازاي بتقرأ وشايفة أصلًا، ناديت عليها بتوتر بس مردتش عليا إطلاقًا..

تمالكت أعصابي وقربت منها وأول ما رجلي خطت على مكان ما لقتها شهقت بصوت عالي وأول ما رجعت بقلق ناحية الباب سكتت، قربت تاني وأنا بكلمها وأول ما دوست على الأرض شهقت، رجعت تاني سكتت.. فضلت على الحال ده أكتر من مرة، لحد ما قربت تاني لقتها قامت بسرعة رهيبة وفضلت تنط زي النسناس الصغير، ولقتها بدأت تحفر في الأرض بسرعة رهيبة، تحفر وتحفر لحد ما خرجت نار من الأرض، نار لونها أحمر بطريقة مًخيفة..

وقبل ما أخرج بلحظة النار مسكت في الحيطان وفي المكان كله، وقتها كان لازم أصرخ من الرعب، وبدون وعي خرجت من المكان وطلعت أجري زي المجنون ناحية البيت وأنا شعر جسمي كله واقف ومش قادر أنطق بنص كلمة من الرعب اللي أنا فيه.. بس من ورايا كنت سامع صوت خطوات، خطوات تقيلة وكأن حد بيطاردني، بصيت ورايا لقيت البنت بتجري على أربع زي الحيوان والنار ماسكة في إيديها ورجليها، في اللحظة دي كانت قربت مني ومكنش فيه مهرب غير الترعة، وبدون وعي رميت نفسي فيها وهي وقفت على قمة الترعة تبص عليا بعيون ملتهبة، بصتلها برعب وبدأت أردد برعب وأقول:

ـ أنتي عايزة مني أيه، أنا كنت جاي أساعدك مكنتش جاي آذيكي.. معرفش أنا ليه قولت الكلمتين دول، ومعرفش برضه ازاي أول ما قولت كدا لقتها مشيت من المكان بدون ما تبص ناحيتي مرة تانية، طلعت من الترعة ورجعت على البيت بدون ما أقف لحظة واحدة، حمدت ربنا إن أمي كانت نايمة وإلا كانت هتفضح الدنيا وأنا جاي مبلول كدا، استحميت وغيرت هدومي ونمت زي القتيل، وتاني يوم روحت جبت والدي من المستشفى والحمد لله اطمنا عليه ورجعت على البيت..

دخلت ليلتها أنام وأنا بحاول أتناسى الليلة الغريبة اللي قضتها دي، وفي نص الليل بتقلب على السرير حسيت إني بتقلب في تراب وطين مش على السرير، قمت من مكاني مخضوض وببص لقتني في قلب الزريبة من تاني، أيه الجنان ده، قمت وحاسس إن كل خلية جوايا بتصرخ من الخوف، وافتكرت تفاصيل الليلة إياها ودعيت ربنا إنها متتكررش بنفس تفاصيلها.. ولسة ببص ورايا لقيت البنت، لقتها شبه لازقة في جسمي وعنيها في عنيا، وقبل ما أتحرك غرزت ضوافرها في رقبتي، وصرخت بأعلى صوت عشان كل حاجة تقريبًا تختفي، كل حاجة غير مشهد واحد..

بنت ماشية في الزراعة بالليل ومعاها كتب وشنطة، وبعدها واحد بيقرب منها بهدوء شديد وبيشدها في قلب البرسيم وبيغتـ ـصبها، حاولت تقاوم وتستغيث بس محدش قدر ينجدها إطلاقًا، وشوفتها راجعة وهي بتبكي بهيستريا ودخلت بيت، البيت اللي قصاد الزريبة اللي أنا فيها دلوقتي، وفضلت تبكي كتير أوي، وكأنها خايفة تحكي وتتكلم مع أهلها..

واتغير المشهد، البنت بطنها كبيرة، وراجل كبير رابطها وواخدها في نص الليل للزريبة اللي قصاد بيته، وهي عمالة تقوله ياعمي غصب عني والله وهو اللي عمل كدا، وقتها رد وقال أنا عارف إنه مكنش بمزاجك بس ده ابن عيلة كبيرة ولو واجهتهم أنا اللي هتأذي واتفضح ومفيش غير إني أتخلص منك.. شوفته بيحفر في أرض الزريبة وبيدفن البنت وهي حية وبعدها قفل المكان، وشوفت البنت قاعدة فوق جثتها وكل شوية تصرخ فالنار تمسك في المكان، وفي لحظة شهقت ولقيت نفسي على سريري وعرقان عرق السنين، كنت بتنفض وقلبي بيدق بهيستريا..

أنا فهمت كل حاجة، البنت دي دكتورة في كلية طب أنا أعرفها أصلًا، وعايشة مع عمها اللي شوفته ده بعد وفاة أبوها وأمها، وأكيد عمها ق.تلها ودفنها في الزريبة وقرينها ثاير وعاوز حقه، بس مين اللي اغتصـ ـبها، مين؟؟ وكأن الإجابة جت في ذهني فورًا، مفيش غيره اللي اتقدملها أكتر من ست مرات ورفضته، علاء ابن الحاج كرم الغريب، وفعلًا هما من أكبر عيلة في البلد، وأول ما غمضت عيني شوفت مشهد غريب أوي، شوفت علاء وعم البنت بيتحرقوا في الزريبة، وكأنها رسالة، رسالة بتقولي خليهم يدخلوها، طيب يدخلوها أمتا، أكيد قبل ١٢ وقت ما النار بتولع..

وفضلت أسبوعين بشوف نفس الحلم بالتفصيل، وعرفت إنها بتقولي ساعدني طالما قولت إنك جيت تساعدني، وعرفت إني هفضل في الجحيم ده ومش هخرج منه غير لما فعلًا أساعد البنت، فكرت كتير، كتير أوي أوي، وملقتش غير حل واحد، عمها سهل جدًا استدرجه للزريبة، بس علاء محتاج خطة، واطمنت إن مفيش حد في البلد أكيد يعرف اللي عمله عمها ولا حتى علاء، لأني عرفت من ناس قرايبها إنها سافرت للمدينة الجامعية وقاعدة هناك، وده مش هيخلي علاء يشك في أي حاجة، وبما إنه عيل تالف ومدمن سهل أوي أجيب رجله..

كلمت ابن عمي اللي كان قريب منه وطلبت منه يعرض عليه يشتري مني بندقية بمبلغ خرافي، وهيكسب فيها فوق الخمس آلاف جنيه، وجه علاء ولعابه بيسيل، قولتله هنروح نجربها بعيد ونشوفها، وفعلًا دخلنا في قلب الزراعة، وفضلت أجيب رجله لحد ما وصلنا قدام الزريبة، وقبل ما يفكر أو يستوعب كنت خابطه على دماغه بقالب طوب ضخم، وسحبته ناحية الزريبة ورميته جواها، وروحت على البيت بتاع عمها ودخلت من السور الضخم وخبطت، وفتح عمها مخضوض، قولتله:

ـ وأنا مروح سمعت صوت في الزريبة وكأن فيه حد بيحفر جواها قولت أبلغك.. حسيت إن وشه لونه بقا أصفر واتفزع، أكيد خايف يتكشف وهيروح فورًا، شكرني وسبته ومشيت بس وقفت أراقب الدنيا من بعيد، شوية وفعلًا خرج من بيته يجري ودخل للزريبة، كانت الساعة ١٢، ووقتها بس ولعت النار، بس ولعت في أحياء، أحياء طلعت صرخاتهم في كل مكان..

معرفش ليه ابتسمت ورجعت للبيت، وتاني يوم كانت البلد كلها بتتكلم عن الزريبة اللي بتولع لوحدها وحرقت علاء والحاج سيد، أنا عارف إني مُخطئ يمكن وكان لازم أبلغ الشرطة، بس الرسالة اللي جت منها كانت عايزة حاجة واحدة، أوصلهم لمكانها وبس، ولو معملتش كدا كنت هفضل مطارد طول عمري أو يمكن أتحرق بالنار بتاعتها في مرة..

وكمان في بلدنا مش سهل تبلغ عن حد والدنيا تعدي، ده ممكن عيلة علاء كانوا دبحوني أنا وعيلتي، أحنا في قرية لسة العُرف فيها متغلب على القانون، عامة أنا عملت وعدى الموضوع وخلص، بس حبيت أوضح نتيجة الظلم، اللي ظلم واحدة واغتصـ ـبها، واللي كمل ظلمها وقتـ ـلها بدون أي حق.. استحالة تظلم حد الظلم الكبير ده والدنيا تكمل معاك، استحالة تقبل رشوة أو تاكل مال حد أو تض.رب وتأذي حد وميحصلش حاجة، لازم تدوق نار الظلم، والنار هنا كانت حقيقة، نار في الدنيا ونار في الآخرة..

[وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ] سورة إبراهيم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى