
بعد ما دخلت كلية تجارة كرهت كل حاجة في حياتي بالمعنى الحرفي، فكرة إنك تعافر عمرك كله عشان تدخل صيدلة وتعيش مليون حلم وفجأة وفي لحظة تظهر النتيجة وتلاقي نفسك في مكان تاني خالص دي فكرة مُهـ,ـلكة، بتخليك عايش زي الميت، عشان كدا روحت الكلية ومن جوايا ألف قَسم إني مش هتعرف على أي حد، هروح عشان أخد الشهادة وبس، رغم إني حاولت مروحش بس أهلي أجبروني بالخناق أكمل تعليمي..
وكرهت الكلية أكتر لما روحتها، كرهت الكافتيريا والمُدرجات والطلبة والدكاترة، الحاجة الوحيدة اللي مقدرتش أكرهها بل وعشـ,ـقتها عشـ,ـق السنين كانت مكتبة الكلية، المكان الهادي اللي عامل زي المملكة اللي من عالم تاني خالص، أول ما شوفتها حسيت إن أنا اتسحرت بيها تمامًا، وبقيت تقريبًا ٢٤ ساعة في مكتبة الكلية..
طول اليوم قاعدة بتصفح الكتب وقاعدة في ركن هادي وتقريبًا مكنش بيكون حد في المكان غيري أنا وبس، وأحيانًا وعلى استحياء كانت فيه بنت بتيجي من وقت للتاني تقعد في مكان مُخصص ليها تقرأ بدون أي صوت ومفيش ولا مرة حاولت تتعرف عليا ولا أنا اتعرف عليها، وعلى الإمتحانات كنت بجيب مُذكرات من أي مركز تعليمي أذاكرها وأنجح وخلاص..
وفضلت على الحال ده سنة كاملة، لحد ما بدأ يتودد ويقرب مني الشاب المسؤول عن المكتبة، كان تقريبًا ٣٠ سنة مش أكتر، بقا بيرشحلي كُتب ويشوف المجال اللي بحب أقرأ فيه وحاول يتعرف عليا أكتر من مرة بس كنت بصده بأدب، أنا اه كارهة الكلية بس مش معناها إني أتعرف على شاب، أنا بنت مُحترمة قبل أي شيء.. بس يوم بعد يوم بدأ يُفتتن بيا، وبقا بيقرب مني ويحاول يتكلم معايا كل مرة بروح فيها المكتبة، وكانت البنت اللي قاعدة بتلاحظ ده وكان بيظهر عليها الضيق نوعًا ما وتبصلي بتحذير وكأنها بتقولي؛ خليكي مُحترمة ومالكيش دعوة بيه..
لحد ما قررت في النهاية أعتزل المكتبة عشان الشاب اللي اسمه (كريم) ده، ولما مبقتش بروح حسيت وكأني فقدت جزء من روحي، بس أنا عمري ما هصاحب ولد أو هسمحله يتكلم معايا أصلًا، لحد ما في مرة وأنا خارجة من المُدرج لقيته واقف مستنيني.. حاولت أتجاهله بس كان مُصر يتكلم معايا، وقفت عشان أشوفه عايز أيه، لقيته بيقولي إن فيه مجموعة كُتب لازم أشوفها بأي طريقة، مجال تاني خالص عمري ما قرأت فيه ولا قابلته في حياتي، وإنه هيخليني أستعير الكُتب دي حتى لو مش عايزة أروح المكتبة مرة تانية..
بصراحة طريقة كلامه اللي كلها كانت حماس خلتني أوعده إني هعدي عليه في المكتبة بكرة، وأنا خارجة من الكلية قابلت نفس البنت اللي معرفش اسمها، كانت راكبة العربية وحسيت وكأنها بتحذرني إني أدخل المكتبة أو أتعرف على الشخص ده وأروحله.. بس تاني يوم روحت على المكتبة، وقابلته على استعجال عشان نتكلم مع بعض، لقيته بيديني شنطة سودة جواها كتاب، وقالي إن ده فيه عِلم من العلوم المخفية، علوم الروحانيات والملوك، وإني لازم اقرأ الكتاب ده، ورغم إني عملت نفسي مش مهتمة إلا إن كلامه حرك جوايا ألف حاجة وحاجة، ووعدته إني هرجعه أول ما أخلصه..
مكملتش محاضرات يومها ورجعت على البيت وأنا متحمسة جدًا للكتاب، وفعلًا فتحته وبدأت أتصفحه، كان فعلًا كتاب مُختلف عن أي حاجة ممكن تشوفها في حياتك، كتاب أصفر قديم، مكتوب بالعربي بس الخط باهت أوي، وكان بيتكلم عن عوالم الجِن وتسخير الخُدَّام وازاي تبقا إنسان مميز ومختلف وملك من الملوك.. مكذبش عليكم الكتاب كان زي السحر، مقومتش من مكاني إلا وأنا مخلصاه، وعرفت إن فيه طرق تخليك تحصل على كنوز الأرض والشهرة وحُب الناس والقوة، وكل ده من خلال ترددات معينة حولينا، أمور عجيبة كنت أول مرة اقرأ عنها في حياتي..
روحت تاني يوم المكتبة وسلمته الكتاب وغصب عني شاف في عنيا نظرات الانبهار، وعرض إنه يديني كتاب تاني في نفس المجال ده، وفعلًا خدته منه وبدأت اقرأ فيه، وكان بيتكلم عن الحماية وازاي من خلال بوابة معينة في الأرض تبعد عن أي شر أو أذى، وممكن تعمل ده من خلال آيات معينة من القرآن وإن الموضوع مالوش علاقة بالسحر والدجل والكلام ده..
وفي ظرف أسبوع كنت خدت منه سبع كُتب، وطلبت منه تاني بس شوفت منه التردد والقلق، حاولت أستفهم منه لقيته بيتلعثم في الكلام، ضغطت عليه بالكلام لحد ما قالي إن فيه كُتب ممنوع تظهر للعامة من الناس، ولا تخرج برة مكانها، الكُتب بتكون في صناديق مقفولة والكتاب بيتقرأ في الصندوق بتاعه وبعدين بيتقفل تاني، سألته على مكان الصناديق قالي في مخزن الكتب بتاع المكتبة تحت الأرض، طلبت منه ينزلني قالي ممنوع دلوقتي ممكن بكرة آخر النهار لما كل الموظفين يمشوا، واتفقنا على كدا ورجعت بيتي..
وفي الليلة دي وأنا نايمة حسيت وكأن فيه حاجة هجمت عليا وأنا نايمة وماسكة أداة حادة وبتحاول تطـ,ـعني بيها في قلبي، مسكت إيديها بالعافية وحاولت أصرخ مقدرتش، وصحيت من نومي وأنا مرعوبة وقلبي بيدق بجنون، افتكرت كلام (كريم) لما قالي إن الكُتب ليها حُرَّاس وهيحاولوا يمنعوني إني أشوف الكتب دي فلو حلمت بأي حاجة أو شوفت حاجة أتجاهلها، بس إزاي هتجاهل حاجة زي دي من الأساس، الحلم كان بشع، ونمت تاني لحد تاني يوم، وحاولت أتمالك نفسي لحد ما اليوم كله انتهى وجريت على المكتبة..
وقالي استناه نص ساعة بالظبط جوة وأعمل نفسي كأني بقرأ لحد ما الدنيا تهدى خالص، وقتها اتفاجئت بالبنت إياها قاعدة بتقرأ جوة المكتبة، قلبي اتقبض وحسيت بالتوتر، المفترض كانت روحت، وقفت قدام رف الكتب وكأني بتصفح لحد ما تخلص وتمشي، وفجأة وبدون مقدمات لقتها قربت مني وضـ,ـربتني ضـ,ـربة قوية بالكتاب على دماغي، وقفت أبصلها بذهول الدنيا لقتها سابتني ومشيت وخرجت من المكتبة..
وقبل ما أفهم فيه أيه لقيت كريم دخل المكان وخدني ناحية السلم الصغير اللي بينزل للدور اللي تحت الأرض، ونزلت معاه وأنا شغوفة بالكتب اللي قال عليها دي، وفعلًا نزلت وشوفت أكوام رهيبة من الكتب، وكأنك نزلت لعالم تاني، قفل الباب الصغير كويس وبقينا رسميًا تحت الأرض أنا وهو..
خدني معاه لأوضة تانية غريبة ولقيته مولع شموع، وقالي دي طقوس لفتح الصندوق عشان الكتب تُخرج، وقتها بس غصب عني بدأت أحس بالتوتر والخوف، طلبت منه يجيب الكتب عشان نخرج لقيته بيطلع خنجر من جيبه وبيطلب مني أنزع عني هدومي كلها وأنام بين الشموع، حاولت أصرخ من الرعب ضحك وقالي أحنا تحت مبنى المكتبة، يعني تحت الأرض، لو صـ,ـرختي من هنا لبكرة محدش هيسمعك، أعملي اللي بقولك عليه أحسن ما أدبـ,ـحك..
وفضلت أبص يمين وشمال، ممكن ألاقي حاجة تساعدني، ولمحتها، البنت إياها، معرفش نزلت ورانا ازاي، كانت واقفة وراه ولقتها بتشاورلي على الشموع وكأنها بتقولي أطفي الشموع، قربت من الشموع وأنا بمثل إني هقلع هدومي وطفتها، وفي اللحظة دي النور كله قطع، لقيته بيتكلم بغضب وبيحاول يمسكني في الضلمة، بس هي لحظة كنت جريت وفتحت الباب وطلعت على السلم، وأنا طالعة لقيت البنت بتديني شنطة بناتي صغيرة، خدتها في إيدي وهربت من المكان كله وأنا سامعة صوته وهو بيسب وبيلعن فيا..
رجعت البيت مرعوبة، فتحت الشنطة لقيت فيها بطاقة وكارنيه كلية باسم (حنان عبد المجيد عبد الحميد) وكانت نفس صورة البنت، روحت تاني يوم سألت عليها في الشؤون عشان أعرف هي في كلية أيه أو سنة كام، واتقالي إن البنت مختفية من سنة ومحدش عارف هي فين، لا في الكلية ولا حتى أهلها في البيت..
وقتها بس افتكرت إني شوفت جرح في رقبة البنت، معقول يكون قتـ,ـلها، طيب مين ده وبيعمل أيه، روحت لوالدي حكتله كل حاجة تفصيلًا، وروحنا القسم عملنا بلاغ، وراحت الشرطة تفتش المكتبة واستدعوني عشان أدلهم على الباب الصغير، وفعلًا نزلوا واكتشفوا وجود جـ,ـثة عاملة زي الهيكل العظمي في صندوق مقفول بإحكام واستحالة تخرج منه أي ريحة، أما (كريم) فكان اختفى تمامًا، فضلوا وراه لحد ما قدروا يمسكوه في النهاية واعترف قدام النيابة بكل حاجة..
كريم كان مهووس بالكتب وبالأخص كتب السحر منها، وفضل يتعلم منها لحد ما اتجنن وبقا بيطبق اللي فيها مهما حصل، وكان المطلوب لإتمام طقس من طقوس السحر الجنونية بتاعته إنه يقـ,ـتل (عـ,ـذراء) وفعلًا خـ,ـطف بنت من بلدهم وقـ,ـتلها، وعرف أهل البلد باللي عمله وقدر يهرب في آخر لحظة لمكان بعيد تمامًا عن بلده..
اشتغل في مكتبة الكلية بعيدًا عن أي قلق، وفضل شهور خايف من إن حد يشوفه، ولما اتطمن بدأ يعيد الطقس من تاني، ولما لقى (حنان) بتيجي المكتبة كتير قرر تكون هي العذراء، استدرجها بحِجة الكتب زي ما عمل معايا وقـ,ـتلها وقدر يخبي جثتها في مخزن الكتب تحت الأرض سنة كاملة بدون عِلم حد..
بس بعد ما قتـ,ـلها ولما الشرطة جت وزادت التحقيقات في الكلية بسبب اختفاء البنت واتقال إنها كانت بتروح المكتبة كتير مكملش الطقس الغريب اللي بيعمله واستنا يجي سنة، ورجع من تاني يعمله وأنا اللي كنت مستهدفة، استدرجني لشهور طويلة وكان ناوي يعمل فيا زي ما عمل مع حنان بس يشاء ربنا هي اللي تكون سبب نجاتي أو يمكن قرينها الله أعلم، وهي اللي أدتني الشنطة عشان أكتشف اختفائها وأبلغ عنه..
ويوم ما اتحكم عليه أم حنان نزلت تبـ,ـوس رجلي من فرحتها، قالتلي إنها بقالها سنة بتدعي ربنا لو بنتها حتى ميتة إنها تدفـ,ـنها وتطمن عليها، وأنا كنت سبب إنها تدفـ,ـن وكمان يتحاكم اللي عمل فيها كدا، دموع الست وفرحتها خلتني أعيد حساباتي في حاجة مهمة أوي لما دخلت كلية تجارة..
استحالة ربنا يحطك في مكان بدون أي هدف، بالعكس ربنا بيكون عليم بأنه المكان الأنسب ليك عن اللي كنت بتتمناه، ولولا دخولي كلية تجارة مكنتش هكون سبب في إن مجنون زي ده يتقبض عليه وأجيب حق البنت المسكينة، ولما الكلية عرفت باللي حصل كرموني ووعدوني إني هتعين في الكلية وأبقا معيدة مهما كانت درجة تقديري، ولحد انهاردة وأول كل سنة بحكي للطلبة عن اللي شوفته كأنها حكاية خيالية، وبقولهم إن ربنا جابك هنا لأن رزقك هنا مش في مكان تاني، وإنك لو دخلت كلية تانية كانت هتكون الشر ليك وإن الخير كله فيما اختاره الله لك..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




