
من شوية دخل الدكتور عليا وقالي إن الجنين مـ ـات، وللأسف دي المرة التالتة خلال تلت سنين بس اللي يحصل فيها كدا والجنين يمـ ـوت.. كنت نايمة في سر,,ـــــير المستشفى عمالة أبكي وأبص لجوزي بعيون حمرة وبقوله: ـ هو اللي . ابني.. وللأسف شوفته بيبصلي بنظرة عتاب كبيرة، وده لأني بعد الإجهاض مرة واتنين هو قرر إننا ننسى الموضوع ده، بس أنا كنت مُصرة إني أكمل، وإننا نحاول تاني، وأهو اتكررت المصيبة للمرة التالتة..
الغريب إن الحمل بيفضل مستقر لحد الشهر السابع، كل حاجة بتبقا كويسة والمتابعة مع الدكتور بتبقا إيجابية، لحد ما يعدي الشهر السابع، ويبدأ يظهر الكيان المُخيف ده كل ليلة، كيان شكله بشـ ـع بشوفه بيضــ,,ـــــرب في بطني بعُنف، ويبدأ الألم المُخـيف والصراخ، لحد ما بعد أسبوع أو أكتر يحصلي نـ ـزيف شديد وأجي على المستشفى ويحصل الإجهاض.. سينــ,,ـــــاريو مفيش ست بتستحمله مرة، أنا بقا شوفته مرة واتنين وتلاتة، وفي النهاية رجعت بيتي مكسورة، عجوزة وكأني كبرت عشرين سنة دفعة واحدة..
جوزي فضل على الوضع الصامت، مبيتكلمش، وإن كانت عنيه بتصرخ بألف صرخة وصرخة، واستمر الحال من سيء لأسوأ، علاقتي بجوزي بقت في قمة الفتور، وكأن البيت بقا عبارة عن قطعة من قلب الليل.. وفضلت الكوابيس تهاجمني كالعادة، كل اللي بشوفه إني واقفة فوق بير عميق، وفجأة حد بيدفعني عشان أقع في البير ده، وبصرخ وأنا بقع في ضلمة مُخيفة، ومن وسط الضلمة بسمع صوت بكاء أطفال كتير أوي.. روحت لشيخ مرة واتنين وقرأ عليا بس مكنش فيه أي تغيير بيحصل، مجرد وجع بسيط في البطن وتنميل في العين الشمال، وكان الشيخ بيقول إنه حسد شديد ومع مداومة القرآن مفعوله هيروح..
وبدأت انتظم في قراءة الورد بتاعي وفي صلاتي، وكملت حياتي ودموعي كل ليلة على خدي من كمية القهر اللي بحس بيه، وعدى شهر واتنين وتلاتة وأنا منتظمة على حبوب لمنع الحمل من الأساس، جسمي نفسه مش هيستحمل إجهاض تاني.. وفي يوم حسيت بدوخة وزغللة غريبة في عنيا، ضغطي كان قليل وحاسة إني هيغمى عليا، روحت على المستشفى وكانت الصدمة، أنا حامل في الشهر التاني، ورجعت بيتي وأنا في حالة ذهول كبيرة..
وده لأني كنت منتظمة جدًا على الحبوب، وقتها مشوفتش غير الغضـب في عنين جوزي، وكأنه للمرة الأولى في حياته هيثور عليا، حاولت ادخل أوضتي واتلاشاه بس هو كان جاب أخره، كان عايز يفرغ طاقته في أي حد، وأنا اللي كنت قدامه.. وبدأت وصلة من الإهانات والشتيمة وغيره وغيره، كلام قاسي جدًا بينعتني بالغباء وعدم تحمل المسؤولية، حتى لما أقسمت إني منتظمة في العلاج مكنش عنده أي استعداد يصدقني إطلاقًا، كان عنده استعداد ي.ني من شدة الغضب اللي هو فيه..
وقتها بكيت كتير لوحدي عشان أفوق على صوت تليفوني وهو بيرن، كانت أخته وفي نفس الوقت صاحبتي من أيام الكلية.. رديت عليها وأنا بحاول أخفي نبرة صوتي بس هي لاحظت، سألتني إن كان عصام مزعلني، وقالتلي أنا جاية.. مفيش ساعة ولقيت باب أوضتي بيخبط وصوت أمنية بتقول: ـ أفتحي يا دنيا أنا أمنية.. فتحتلها الباب وحــ,,ـــــضنتني، من يوم ما اتجوزت وهي بتيجي في صفي ضد أخوها، قعدنا إحنا التلاتة عشان أشوف الغضب لسة في عنيه، حاول يثور ويكمل وصلة الإهانة بس أمنية مخلتوش ينطق بكلمة واحدة..
كانت شخصيتها قوية ولها هيبة وحضور غريب، بصتله بغضب وقالت: ـ أنت هتعترض على إرادة ربنا، وبعدين هي ذنبها إيه، أبعد عنها لو مش عايزها تحمل، وكلمة تانية هاخدها ونمشي من البيت كله.. لقيته بص في الأرض ومتكلمش، قالتلي أروح ألبس عشان نخرج، وأجبرته يخرج معانا واتمشينا برة شوية، كانت عارفة كل حاجة، وطمنتني إنها هتابع معايا لحد نهاية الحمل وإننا هنروح لشيخ تاني عشان ربنا يتم الموضوع على خير..
حسيت بطمأنينة كبيرة يومها، حتى هو اعتذرلي في أخر اليوم وأنا عذرته، حاسة باللي جواه ومكنش عندي مانع إنه يفرغ غضبه فيا، وده لأنه فعلًا كان كويس في كل حاجة معايا.. واستمر الحمل، وكنت بحاول أ. كل مشاعر الخوف جوايا، كنت بطمن نفسي إن كل حاجة هتكمل للنهاية، أمنية كانت بتابع معايا وتبعتلي ورد من القرآن أشغله في شقتي واقرأه، وعدت الشهور بسرعة رهيبة لحد ما انتهى الشهر السادس وبدأ الشهر السابع..
وبدأ الخوف يضــ,,ـــــرب قلبي كل ليلة، وده لأني عارفة كل التفاصيل اللي ممكن تحصل، وكانت البداية، شوفت وأنا نايمة إني ماشية في أرض كلها طين، وكنت بمشي فيها بصعوبة شديدة والعرق عمال ينزل مني بسبب المجهود.. كان عندي إحساس في الحلم إن نهاية الأرض هولد بسلام، بس بدأت رجلي تغرز أكتر في الطين، مشيت خطوة واتنين لحد ما بطني نفسها نزلت في الطين، وبدأت أحس بالوجع فيها، وحسيت بإيد قوية بتمسك رجلي عشان مكملش، وقتها بدأت أصرخ باسم ابني، وشوفته، نفس المخلوق المُخيف، كان طالع من قلب الطين بشكله المرعب..
واتنفضت من نومي وصحيت، فضلت أنهج مكاني واطمنت إن ابني لسة في بطني، وبصيت ناحية باب الأوضة، واتخشب جسمي كله، وده لأني شوفت عين بيضا بتبصلي من برة الأوضة في الضلمة.. قلبي اتنفض مكانه وعنيا برقت بفزع، حسست جمبي بإيدي عشان أصحي جوزي بس لقيت السر,,ـــــير فاضي، واتنفض جسمي أكتر وأكتر، بصيت تاني ملقتش العين.. قمت من مكاني بصعوبة وأنا بنهج وبتحرك زي المشلولة، نورت نور الأوضة ولساني مشلول، مش قادرة أنادي ولا استغيث، وفي لحظة شوفت حد بيجري في الصالة، كان بيعمل صوت زي النسناس أو القرد، ومبقتش قادرة اتحرك أو أهمس، فضلت أدعي ربنا يسترها..
طلعت من باب الأوضة وأنا متوقعة حاجة تهجم عليا، قربت من الزرار بتاع النور ودوست عليه، ونورت الصالة، وفي لحظة لمحته بيجري من تحت السفرة وبيدخل المطبخ، جسمه كله شعر وبيجري زي القرد بالظبط.. وفي اللحظة دي حسيت بإيد بتمسك جسمي، وصرخت بأعلى صوتي، بصيت ورايا لقيت جوزي واقف وبيبصلي بتعجب، حــ,,ـــــضنته وفضلت اترعش وأنا بشاور على المطبخ وعمالة أردد: ـ هناك، هناك..
لقيته راح ناحية المطبخ ودور هنا وهناك وخرج يقولي مفيش أي حاجة، ورجعت أوضتي شغلت قرآن وفضلت صاحية لحد الصبح، تاني يوم اتصلت بأمنية وحكيت لها اللي حصل، كلمت الشيخ ودخلته في مكالمة جماعية وقالي على كام حاجة اعملهم.. وعملت اللي قال عليه بالظبط، قرأت الورد ورشيت مية بملح في البيت وغيره، وجت الليلة التانية وأنا بدعي ربنا تعدي على خير، وفي نص الليل صحيت على صوت باب الأوضة بيتفتح، بصيت ناحية الباب لقيت جوزي داخل الأوضة، غمضت عيني عشان أنام بس إيدي خبطت في جسم جنبي، بصيت بفزع لقيت جوزي هو اللي نايم جنبي..
ومسكني الشلل من تاني، كأن كل جسمي متكتف بسلاسل من حديد، بصيت وأنا بنهج ناحية الباب ملقتش جوزي، لقيته نفس القرد اللي شكله مُخيف، عنيه بيضا وشعره طويل مُخيف وجسمه قصير جدًا وصوته شبه صوت القرود.. لقيته بيقرب من السر,,ـــــير وهو مبتسم ابتسامة مُرعبة، فضلت اتشنج مكاني بس مش قادرة اتحرك أو حتى أهمس، بصيت تاني لقيته واقف قدام السر,,ـــــير، وكان بيبص بصة جشع ناحية بطني..
وانهار جسمي كله من الرعب، كنت بحاول أصرخ، اتحرك، بس كل اللي كان بيطلع مني صوت حشرجة غريب، وحسيت بإيده الباردة بتتحط على بطني، وقتها مسكتني كهربا غريبة، كهربا كانت بتاكل في بطني من جوة.. حسيت بسكــ,,ـــــينة بتقطع في جسمي، وبعدها بدأ يضــ,,ـــــرب بإيده على بطني مرة واتنين، وقتها بس صرخت بأعلى صوتي بعد ما بقا الوجع لا يطاق..
وشوفت الد م، د م نازل مني زي السيل، وصحي جوزي مخضوض، وشالني وجري بيا وهو بيصيح زي المجنون، ومن كتر الألـ ـم ضلمت الدنيا كلها قدام عنيا، كوابيس ووجع ومتاهات عمالة ألف فيها زي المجنونة، أراضي خضرا وصحاري وطينة ووشوش بشعة، في النهاية صحيت.. لقيت نفسي في المستشفى وجسمي كله فيه تنميل غريب، بالأخص من عند بطني، حطيت إيدي على بطني و….. وصرخت.. ابني فين؟! جريت عليا الممرضة وحاولت تهديني وقالت: ـ استهدي بالله يا مدام ربنا قدر إننا ننقذك وابنك يمــ,,ـــــوت..
من كتر الضعف مقدرتش أبكي ولا أصرخ، كل اللي حصل إن جسمي فضل يتهز زي اللي بينازع في خروج روحه، في اللحظة دي شوفت جوزي وأمنية، كانوا بيبصولي بصة غريبة أوي، بصة مفهمتش معناها.. اتكلمت بصوت ضعيف جدًا وقولت: ـ ابني مات يا عصام.. بصلي بغضب وقال: ـ مش ابنك بس الرحم كله اتشال بعد ما قرف منك ومن عمايلك.. بصتله بذهول وأنا مش قادرة أنطق عشان يكمل كلامه: ـ أعمالك القذرة هي اللي وصلتنا لدرجة التهتك في الرحم..
بكيت وقولت: ـ أنا مش فاهمة حاجة.. هنا اتكلمت أمنية وقالت: ـ هفهمك أنا ياللي كنت فاكراكي أختي، أحنا جبنا الشيخ وأنتي نايمة وكشف عليكي، وعرفنا إنك عملتي زمان لعصام سحر محبة، ومن عملك الأسود السحر ارتد عليكي بمس غريب عشان يجهضك أربع مرات ويحصل فيكي كل ده.. وكمل عصام وقال: ـ وأنا مستغرب ازاي كنت بطيعك زي العيل الصغير كدا، أنتي طالق.. وضلمت الدنيا كلها من حوليا، ضلمت خالص.. ……………… انهاردة بس قررت اكتب، أنا دنيا عبدالمقصود، أنا اللي بعد ما اتطلقت بعشر سنين جتلها مكالمة غريبة، مكالمة بتطلب منها تيجي على مستشفى الأورام السـ ـرطانية بسرعة..
روحت وأنا مش فاهمة حاجة عشان اتفاجئ بمريضة شكلها مُرعب على فراش المــ,,ـــــوت وجنبها راجل وشه مألوف ليا، والصدمة كانت إن اللي شبه الهيكل العظمي دي تبقا أمنية أخت عصام اللي كان جوزي.. بصتله باستفسار وابتسامة سخرية عشان أسمع الهيكل العظمي بيتكلم بصوت شبيه بالهمس: ـ أنا عايزاكي تسامحيني.. ـ أسامحك على إيه؟! ـ أنا كنت بغير منك زمان، بغير منك أوي، وده لأننا كنا أصحاب، وأول ما أخويا شافك وقع في غرامك واتجوزك، كنت شايفاكي سعيدة معاه وأنا قاعدة عانس محدش عايز يبصلي..
وشيطاني خلاني أعملك سحر وأحطه في شقتك عشان أخرب حياتك، والسحر كان بينشط بس وقت الحمل وبالأخص في الشهر السابع، وكنت بتعمد تضللك في رحلة العلاج عشان متوصليش لأي حل، أنا السبب إنك أجهضتي مرة واتنين وتلاتة وأربعة، أنا اللي كدبت على عصام أنا والنصاب اللي متفقة معاه وقولنا إنك عملتي سحر محبة واتقلب عليكي، أنا اللي دمرت حياتك وكنت فاكرة إني كدا كسبت.. لقيتها بتاخد نفسها بالعافية وبتقول:
ـ وبعد طلاقك أنا اتجوزت، وخلفت توأم، بس بعد خمس سنين مـ ـات واحد منهم قدام عنيا في دــ,,ـــــادثة عربية، والتاني مـ ـات من جوزي اللي ضــ,,ـــــربه في مرة و.ه بين إيديه، كنت حامل وقتها، بس أجهضت، وعرفت إن عندي سرطان في الرحم، واتعملي استئصال للرحم، بس كان السرطان أتمكن من جسمي كله، وبقالي خمس سنين بتعالج بالكيماوي وبمـ ـوت في اليوم ألف مرة، أنا حكيت لعصام عشان يسامحني وبطلب منك تسامحيني عشان أنا خلاص بمــ,,ـــــوت، أبوس إيدك سامحيني..
وقتها ضحكت، ضحكت بصوت عالي خلى الممرضات يبصولنا باستغراب شديد، فضلت أضحك أكتر من دقيقة وهي بتبصلي وبتبكي، ولقيت نفسي بقولها: ـ عارفة امبارح سمعت صوت بيقول في ودني وأنا نايمة “ولا يظلــ,,ـــــم ربك أحدًا” ولو دخولك الجنة هيقف على إني أسامحك فأنا للأسف مش هسامحك، مش هسامح اللي كانت السبب إني مبقاش أم طول عمري، مش هسامح اللي دمرت حياتي كلها، وطالما أخترتي طريق السحر فأنا هبقا مبسوطة أوي وأنتي واقفة قدام ربنا بجريمتك دي، وسبحان من اسمه العدل، وبتمنى من ربنا يجبلي حقي يوم القيامة من غير ما أشوفك حتى..
وسبتهم ومشيت وأنا لسة بضحك، ورجعت بالليل صليت ركعتين شكر لله، أنا راضية بكل حاجة، وأقولكم سر كمان، أنا سامحتها لوجه الله، سامحتها عشان طمعانة في ثواب أكبر من ربنا، لأني كنت هاخد حقي بثواب أقل، أما لما أسامح لوجه الله فهنا ثوابي هيبقا على أكرم الأكرمين، واللي عملته ده كله عشان أشفي غليلي بشكلها ونظرات عنيها، وقررت أكتب عشان أقولكم إن دي بتبقا نهاية كل اللي بيختار الطريق ده.. [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] سورة الشورى
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




