روايات

زنز انة المو ت للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

عارف إحساس إنك اتد.فنت وأنت حي، جربت الإحساس ده قبل كدا، أهو ده إحساسي وأنا راكب عربية الترحيلات ومترحل للسجن، بتحس إنك جوة ق.بر ورايح ناحية الج.حيم، نسخة مصغرة من المو.ت والق.بر اللي بينقلك ناحية الآخرة، وأنا واحد محكوم عليه بعشر سنين سجن، يعني يا عالم هشوف الدنيا تاني ولا لا.. بصيت من الشباك الصغير لعربية الترحيلات وكأني بودع الدنيا باللي فيها، وكأني على خشبة المو.ت ورايح للق.بر، حياتي انتهت أو ما تبقى منها هعيشه في عذ.اب، والله أعلم بعد عذ.اب السجن فيه عذ.اب أكبر ولا لا..

وصلنا للسجن ونزلنا من العربية، قابلنا المأمور وكام ظابط وعرفونا بلوايح السجن كويس وبعدها وزعونا على العنابر، ومن أول ما دخلت العنبر وشوفت العيون اللي كلها شر عرفت إني هدفع التمن غالي أوي.. وبدأت الحياة تكشف عن الوش التاني، أشغال طول النهار، وأكل بالمواعيد ونوم بالمواعيد، حياة قاسية جدًا تدمر أي قلب وتحولك لمسخ يادوب بياكل ويشرب.. وللأسف الأفلام كشفت كتير عن حياة السجون، كل عنبر وليه كبير، وحتى السجن نفسه ليه كبير، وبعد أيام من الصمت بدأت احتكاكات من المساجين عشان يعرفوا لوني أيه، عشان يشوفوني هسمع الكلام ولا لا..

ولقيت نفسي في يوم الصبح متوزع نضافة حمامات، ولقيت نفسي ماسك فرشة حمام ومنظف وبنضف حمامات السجن كلها، وحسيت بإهانة رهيبة وأنا قاعد على ركبي وبنضف حمامات قذرة البهايم نفسها تقرف تدخلها.. يوم كامل شوفت فيه المُر عشان أخلص على المغرب وأدخل على العنبر ميت من التعب، بس قبل ما أدخل على سريري لقيت كبير العنبر بيقولي إن نبطشي الحمام بينضف العنبر كمان..

وقتها بصتله بغضب وشوفت في عنيه ترقب، مستني بفارغ الصبر اعترض عشان يثبت ليا إنه كبير العنبر، وغصب عني نضفت العنبر كله قبل ما المساجين يناموا، وصحيت من نومي جسمي متكسر مش قادر، وفوجئت إني متوزع برضه نضافة حمامات.. وقتها كلمت كبير العنبر واللي مسؤول عن توزيع المساجين بغضب، وبلغته إني كدا بتوزع يومين ورا بعض نضافة حمامات، بصلي بكل برود وقال: ـ هو ده اللي عندي.. كتمت غيظي بالعافية وقضيت يوم سيء جديد في نضافة الحمامات اللي تقريبًا بتبوظ بعد دخول المساجين فيها بعد الفطار بس، وقضيت وقت صعب جدًا جدًا ما بين تنضيف ومسح وشيل القاذورات..

وعلى آخر اليوم رجعت العنبر ولقيت الكبير بيبصلي ببرود، وفهمت إني لازم أنضف العنبر، وبقيت بين نار إني أثور فيه ونار إني مش عايز ابدأ أيامي هنا بعداوات مع حد، وجبت المكنسة وبدأت أكنس وأنضف العنبر.. وبعدها اترميت على السرير زي القتيل، بس قبل ما أروح في النوم صحيت مخضوض لما لقيت راجل عجوز بيصحيني وبيكتم نفسي، بصتله بخوف عشان يحط صباعه على بقه بمعنى أسكت عشان محدش يسمعنا، ولقيته بيقرب مني وبيقول: ـ ما تعملش أي مشاكل هنا لإنك مش حمل الزنزانة الانفرادي يابني..

وبعدها رجع لسريره واتغطى واختفى من قدام عنيا، قولت في نفسي هي ناقصة جنان على المسا وكملت نومي، وصحيت في نوبة الصحيان وكانت الصدمة، اتوزعت نضافة حمامات تاني، وقتها مقدرتش أتمالك أعصابي وروحت أزعق في كبير العنبر، لمحت بطرف عيني الراجل العجوز وشوفت في عنيه تحذير كبير، بس أنا كنت ثاير، غضبان: ـ هو مافيش غيري في العنبر القذر ده عشان كل يوم أنضف الحمامات؟! لقيت كبير العنبر وكان اسمه فتحي بصلي بغضب وقال: ـ اه مفيش غير وش أمك ده اللي ينفع ينضف الحمامات..

الكلمة فورت دمي، مع الضغط النفسي والتعب لقيت نفسي بهجم عليه بكل قوتي وبضربه، بس على مين، في أقل من لحظة كنت متكتف من تلاتة تانيين وهو نازل فيا ضرب بكوعه وقبضته بكل عنف، حسيت بطعم الدم في بقي وشوفت سناني بتتكسر، عنيا زغللت لما نزل عليها بقبضة ايده وبطني صرخت لما ضربني بركبته فيها.. كان ضخم ومفتري، كان ناقص بس يكسر عضمي عشان العلقة تكمل، في اللحظة دي دخل ظابط مسؤول واتكلم بغضب: ـ أيه اللي بيحصل هنا يا فتحي؟!

لقيت فتحي أدعى البراءة وقال: ـ ده الواد الجديد عامل مشاكل واتخانق مع شوقي.. وبص لواحد جمبه وقال: ـ صح ياض يا شوقي؟؟ لقيت شوقي بيقول بخضوع: ـ حصل يا باشا.. راح الظابط منادي على الشاويش وقاله: ـ خد شوقي والواد الجديد على الانفرادي عشان يتعلموا الأدب.. وقتها شوفت في عنين شوقي نظرة رعب عشان يتكلم فتحي بعد ما الظابط مشي: ـ شوقي تبعنا يا شاويش عبدالمعطي، متدخلوش الزنزانة إياها..

ومن وسط دمي اللي بينزل من مناخيري فهمت إني هترمي في الزنزانة اللي حظرني منها الراجل العجوز، مسكني اتنين عساكر وسحبوني ورا الشاويش في ممر ضيق، نزلنا سلم لتحت وفتحوا باب حديد عشان ألاقي نفسي في مكان شبيه بالكهف، عن يميني وشمالي أبواب حديد صغيرة خالص، فتحوا منهم باب وحطوا فيه شوقي اللي اتدبس في موضوع الخناقة.. وسحبوني أنا لحد آخر الممر وفتحوا باب ورموني جوع وقفلوه تاني، ولقيت نفسي في زنزانة صغيرة، ضيقة أوي، كأنه تابوت، حيطانها سودة ومتخربشة وفيها حصيرة صغيرة وبس..

قعدت على الحصيرة صعبان عليا نفسي أوي، غلطة بسيطة ضيعت عمري كله، ياريتني ما عملت حاجة يومها، مددت على الحصيرة وتنيت ركبي عشان الزنزانة أضيق من إنها تستوعبني وأنا ممدد.. وغمضت عيني وحاولت أنام، وفعلًا غفلت شوية، بس وأنا نايم سمعت صوت حد بيهمس جوا ودني، همسات غريبة أوي، وكأني واقع في دوامة غريبة والهمس بيجي من كل مكان، بعدها بدأ جسمي يبرد أوي كأننا جوا تلاجة أو مشرحة باردة..

ومن قلب الدوامة دي شوفت واحد عنيه بيضا أوي بيهجم عليا وبيصرخ، قمت اتنفضت من نومي وأنا قلبي بيدق بعنف، فضلت اتنفس بالعافية وجسمي كله يترعش من البرد اللي نزل على جسمي زي الرصاص ده.. وقتها كنا بالليل والزنزانة مضلمة، الباب سادد أي شعاع نور يدخل ليا، وسمعت صوت حاجة بتخربش في الحيطة قصادي، بيني وبينها مفيش متر ونص تقريبًا، كشيت جسمي في ركن الزنزانة وقلبي فضل يدق بعنف.. بتمنى يكون فار أو حشرة، لأن الصوت كان واضح أوي، بس بدأت أحس بصوابع بتلمس رجلي من تحت، جسمي قشعر أكتر وأكتر وانكمشت على نفسي وأنا بتكلم بصوت مرعوب:

ـ مين اللي هنا رد عليا.. بس الصوابع لمست رجليا من تاني، واتنفض جسمي كله وحسيت برعب رهيب بينهش في جسمي كله، بعدها بدأ صوت حد بيشهق يوصلني، وكأنه حد في سكرات المو.ت وروحه ماسكة في جسمه ورافضة تخرج.. جسمي انكمش أكتر وبقيت اتنفض زي العيل الصغير، خاصة إني حسيت بحد بيتنفس قدام وشي في الضلمة، بيتنفس بصوت عالي، كنت مشلول مش قادر أصرخ، وبردان مش قادر أقف مكاني حتى..

وبعدها شوفتها، عنين منورة في قلب ضلمة الزنزانة، عنين بيضا مرعبة، كانت بتبصلي بثبات مُخيف، جسمي كان عمال يتلوى وكأني في حالة صرع، لساني اتعقد وشفايفي انطبقت على بعض، شعر جسمي كله وقف ودراعاتي اتلوت بطريقة عجيبة.. وفضلت أبص للعنين دي لحد ما قربت مني وبقت قدام عنيا بالظبط، ورغم إن الزنزانة ضلمة كحل، شوفت وش أزرق ومنفوخ بطريقة مرعبة قدام وشي، وقتها بس مقدرتش أقاوم ووقعت من طولي فاقد الوعي..

صحيت وأنا حاسس إني بمو.ت، كان باب الزنزانة اتفتح وعسكري تاني غير الأول دخل عشان يخرجني، مكنتش قادر أقف أو أهمس، دخلت العنبر زي القتيل ووقعت من طولي على السرير.. وقتها شوفت العجوز إياه، قرب مني بعد ما العنبر فضي واستأذن العسكري ودخلي، وأول ما شافني شهق، بصيتله بعنين زايغة عشان يطلع مراية صغيرة من جيبه ويوريني نفسي.. وصُعقت لما شوفت شعري كله أبيض وجلدي مكرمش كأني كبرت أربعين سنة دفعة واحدة، مسكته من إيده وبصيت في عنيه وقولتله:

ـ أحكيييلللي.. بصلي بشفقة وخد نفس عميق وقال: ـ الزنزانة دي كانت للعقاب زي أي زنزانة انفرادية، لحد ما جه ظابط اسمه طلال السجن، كان ظابط مفتري بحق وحقيقي، لدرجة إن فيه مسجون عمل شغب كبير فخده الظابط طلال للزنزانة دي وفضل يضرب فيه لحد ما ق.تلوا.. الراجل اللي مات ده كان داخل السجن برئ، وكلنا هنا المساجين بنعرف مين برئ ومين لا، وقتها اتحاكم الظابط طلال، واتفصل من خدمته واتحكم عليه بالسجن في نفس السجن ده..

وكأن يابني الزنزانة فضلت تناديه، لأنه بقا شرس جدًا وعمل ألف مشكلة لحد ما اترمى في الانفرادي، في نفس الزنزانة، تاني يوم سمعنا إنه مات جوا، واتقال إن سبب الوفاة هبوط حاد في الدورة الدموية.. بس المُخيف بعدها إن كل مسجون كان بيدخل الزنزانة دي كان بيخرج وهو فاقد عقله، مجنون، بعضهم كان بيكمل وبعضهم كان بيفضل زي التايه ويفتعل مشاكل عشان يرجع الزنزانة تاني، ونلاقيه بعدها ميت بنفس طريقة الظابط..

أنا بس يابني اللي عرفت ليه ناس بتخرج منها ومبترجعش، وليه ناس بترجعها وبتمو.ت، وده يابني عشان معانا هنا ناس ق.تلت، وكل اللي دخل السجن في ق.تل بيدخل الزنزانة مرة ويخرج تايه، مجنون، ولازم يعمل مشكلة عشان يرجعها تاني ويمو.ت، وكأنها غرفة إعدام للق.تلة بقانونها الخاص.. ولما مات فيها تلاتة اتقفلت خالص، بس المأمور الجديد لما رجع مصدقش حكاية العفاريت دي وفتحها تاني، وأنت أول واحد يدخلها يابني بعد ما اتفتحت، ألا قولي أنت جاي في أيه هنا؟

بصتله برعب الكون وقولت: ـ أنا اغتصبت واحدة ولما أخوها اتخانق معايا ق.تلته، بس دفعت فلوس كتير أوي والمحامي لقى ثغرات ولما اتحكم عليا بالإعدام في الجلسة الأولى الحكم اتنقض وخدت ١٠ سنين.. وقتها الراجل العجوز رجع بذعر لورا وقال: ـ إنا لله وإنا إليه راجعون..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى