
العيد اللي فات ده استنيت طول اليوم الأول إن حد يبعتلنا لحمة بس للأسف مفيش أي حد بعت حاجة، كان فيه أربعة من الجيران بيدبحوا كل سنة ويبعتوا، بس السنة دي بالأخص وبسبب أسعار الأضاحي محدش فيهم دبح، وعشان كدا موصلنيش ولا كيلو، وقعدت مع بناتي الصغيرين نبص لبعض والحرمان بيطل من عنينا، أول عيد يعدي علينا بعد وفاة جوزي ومناكلش فيه لحمة..
وبعد تفكير طويل قررت أخرج اتمشى يمكن ألاقي حد بيبدبح ولا حاجة، وغصب عني وبدون تفكير لقتني ماشية وأنا ببكي في الشارع، ببكي على الحال الغريب اللي وصلت له، كنت معززة في بيت أهلي وعايشة مرتاحة ويمكن كمان مُرفهة، لحد ما حصلت الحادثة الأولى وأبويا اتوفى، وبعدها تدهورت ظروف البيت لحد ما جوزوني عشان يضمنوا ليا عيشة كويسة، وبعد كام سنة تحصل الحادثة التانية ويمو.ت جوزي، وتتدهور حالتي أكتر وأكتر وبقيت أرملة ومحتاجة كمان..
عشان كدا عشت على المساعدات، جمعيات خيرية، الجيران، الأهل، وبالأخص أختي حسناء اللي تعتبر أكتر واحدة وقفت معايا، وهكذا، بس مع مرور الأيام الدنيا بتشغل الناس ومحدش بيفتكر حد، ووسط التفكير ده لقيت فعلًا واحد بيدبح خروف في الشارع وفيه عدد من الناس واقفين يتفرجوا، وقفت معاهم لعل وعسى حد من اللي بيدبحوا يديني حاجة، وبعد الدبح والتقطيع اختفت اللحمة، أصحاب الخروف خدوا نصيبهم ومدوش لأي حد من اللي واقفين.. شوفت خيبة أمل في وشوش الناس وكلهم مشيوا، ولقيت نفسي واقفة مش عايزة أمشي، يمكن، وفعلًا زي ما توقعت، لقيت الراجل خارج وبيسألني:
ـ بتحبي لحمة الراس يا ست؟ بصتله بفرحة وقولتله: ـ طبعًا بحبها.. لقيته بيديني شنطة وبيقول: ـ دي فيها راس الخروف روحي لأي جزار هيكسرهالك وأطبخيها لأولادك.. مديت إيدي عشان أخدها بس سبقتني إيد تانية، جارتنا المجنونة اللي محدش بيحبها في المنطقة كلها (عنايات) خ.طفتها من إيده وقالت: ـ أنا بحبها أوي وتسلم إيدك والله.. وخ.طفتها ومشيت، الراجل اتكسف يحرجها وهي ما صدقت، تجاهل نظراتي المصدومة وسابني ومشي، وأنا رجعت بخيبة أمل وحسرة على راس الخروف اللي كانت هتكفينا أكل تلت أيام تقريبًا..
رجعت بيتي لقيت حسناء أختي بتكلمني وبتطمن عليا، كذبت عليها وقولتلها إني زهقانة من كتر اللحمة اللي جتلي، بس هي لمست في كلامي الكذب واعتذرتلي كتير إنها مش قادرة تشتري وتجيب بسبب المرض الغريب اللي نزل عليها واستهلك فلوسها كلها هي وجوزها، لدرجة إن المرتب كله بيروح للعلاج وبس، غير إنها بتتعب بزيادة في العيد ومبتبقاش قادرة تقوم من مكانها.. دعتلها بالشفاء وقفلت معاها، المكالمة ريحتني شوية، أختي مرتاحة وجوزها عايش بس مرضها واخد كل حاجة من فلوس ومجهود وصحة، فعلًا اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته..
شوية ولقيت بنتي الصغيرة (هالة) داخلة عليا وبتسألني إن كنت جبتلهم لحمة، حكتلها كل حاجة، وقولتلها إنه مش نصيبنا، لقتها اتعصبت كعادتها بسبب عنايات اللي في العادة كل الأطفال بيكرهوها وخرجت.. وعلى بالليل لقيت بنتي (هالة) راجعة تجري من برة، في إيديها شنطة، وقالتلي إنها لقت ناس بيدبحوا وجابت منهم راس خروف ممكن نقطعها ونطبخها، فرحت أوي لدرجة إن عنيا دمعت، خدتها بسرعة ودورت على أي جزار فاتح، بس كلهم كانوا قافلين، بيخلصوا تقريبًا بعد المغرب وكمان في العيد مش كلهم بيكونوا فاتحين..
جبت لوحين تلج وحطيت وسطهم الراس عشان يحفظوها لحد تاني يوم بس وبعدها نشوف هنعمل أيه، ودخلت عشان أنام وبناتي الاتنين دخلوا عشان يناموا، وفي نص الليل بدأت أسمع صوت خروف جاي من بعيد، صوت خشن ومُخيف وغريب، بس مكنتش قادرة أتحرك إطلاقًا، وكأن فيه جبل تقيل موجود على صدري، ورغم حالة الشلل دي كنت حاسة بحاجة بتتحرك في الأوضة، حاجة صوت أنفاسها واضح أوي، وكأنه حيوان مُفترس..
وفي لحظة لقيت خروف ضخم لونه أسود واقف على السرير بتاعي، عنيه كانت ملتهبة وحمرة أوي، وقرونه كبيرة، ووشه ضخم أوي، وعنيه كانت عيون بشر، استحالة تكون عيون حيوان، قرب مني وعضني من رقبتي، في اللحظة دي صرخت وصحيت على هزة بنتي اللي كانت خايفة وهي بتبص ناحيتي وأنا عرقانة وعنيا جاحظة وشكلي غريب، وسمعت همسات بنتي بتقول: ـ ماما راس الخروف صاحية..
حسيت برعب ما بعده رعب من كلامها، حاولت أرد عليها مقدرتش، ومن المطبخ سمعت صوت حاجة بتتحرك فعلًا، بعدت بنتي لورا بغريزة الأمومة، وقربت ناحية المطبخ، وهناك وعلى الأرض كانت راس الخروف مفتحة، عيونها جاحظة ولونها أحمر، ولسانها خارج منها وبينقط دم رغم إن ده مستحيل، قفلت باب المطبخ عشان أسمع صوت مُرعب مااااااء.. مااااااء..
ومقدرتش أصبر لحظة واحدة وخدت بناتي وسبنا البيت كله، قعدنا قدام الجامع لحد الفجر، لحد ما الشيخ مصطفى فتح باب الجامع واستغرب من وجودنا، حكيتله إني خايفة وفيه حاجات غريبة في بيتي، رجع معايا للبيت ودخل المطبخ بس الراس كانت طبيعية تمامًا، طمني وقالي إنها مجرد تهيؤات مش أكتر.. هديت كتير وبالأخص إن الشمس بدأت تطلع، مسكت الراس بخوف وفوجئت بحاجة غريبة أوي وغير مفهومة، فيه حروف بالعربي منحوتة بسلاح حاد على راس الخروف، وكتير من الحروف الغير مفهومة، الحروف اللي بالعربي كانت
ح س ن ا ء حسناء!! وجوة فم الخروف لمحت حاجة، مديت إيدي برعب وخرجتها، كانت صورة، صورة أختي حسناء، ووقعت مكاني من الصدمة، ناديت على بنتي وسألتها هي جابت راس الخروف منين، ظهر عليها التردد شوية وبعدها قالت إنها سرقتها من بيت عنايات لأنها عرفت مني إن الراس كانت ليا وهي خدتها بالعافية، دخلت كأنها بتلعب في البيت عندهم بما إننا في أرياف وكل البيوت مفتحة على بعض ودخلت المطبخ وخدتها..
اتصلت بأختي وجوزها وطلبتهم بأقصى سرعة، وورتهم الراس، ولأول مرة جوز أختي يصدق بموضوع السحر، ألف مرة حد ينصحه يزور شيخ وكان رافض تمامًا، بس لما لقى الراس وصورة واسم مراته اتصل بشيخ وجابه، وأول ما الشيخ شافها استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وقال إن ده سحر موسمي بيتعمل كل سنة في عيد الأضحى على راس خروف عشان يتجدد، واللي بتساعد في تجديده أو يمكن شغالة مع دجال هي (عنايات) وبالصُدفة البحتة الراس تتمسك ويتعرف الموضوع كله، وقال إن الحل سهل جدًا طالما مسكنا الراس وعرفنا طريقة السحر ونقدر نتعالج ونتحصن منها كمان..
أختي بكت يومها ساعات طويلة، وقالتلي إنها كانت هتداين وتجيب خروف عشان تبعتلي وتبعت لغيري، بس الموضوع كان متأزم تمامًا ومقدرتش تجيب، لأنها لو جابت كانت هتبعتلي لحمة ومكنتش هخرج وأجيب الراس ونكتشف الموضوع كله، وإنها حزنت أوي يومها لما الدنيا كلها اتقفلت في وشها، بس سبحان الله كانت بتتقفل عشان الباب كله يتفتح مرة واحدة، باب الرحمة والشفاء..
وبعد علاجها خصصوا راتب شهري ليا من اللي كان بيتصرف لعلاجها وارتحت كتير أوي، أحيانًا بنكون فاكرين إنها لما بتتقفل وتضيق بيكون الموضوع شر لينا، في حين إن ربنا بيكون بيرتبها لينا عشان يجيلنا الخير مرة واحدة وينسينا كل الشقاء اللي شوفناه، تسيب الشغل وفلوسك تخلص وتداين عشان ربنا يفتحها عليك مرة واحدة، ظروفك تصعب وتتعب جسديًا ونفسيًا عشان ربنا يطهرك وبعدها يفرجها عليك مرة واحدة.. الفرج اللي بيحصل في لحظة واحدة لما بنرضا بالبلاء وبنسلم بيه، وتأكد إنك وقت ما هترضى بالبلاء وقت ما الفرج هينزل..
[قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ] سورة الأنعام بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




