روايات

أعضاء بشرية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

واقفة في الإشارة كالعادة وبدأ بعض المتسـ,ـولين يتجمعوا حولين العربية، اللي عايزني أشتري مناديل، واللي بيمسح العربية وعاوز فلوس، مشهد محفوظ ومعروف وبالأخص في الإشارة اللي كنت بعدي عليها شبه يوميًا، ورغم إن الموضوع كان بيسبب ليا ضيق إلا إني كنت بستحمل وبعدي، إنما اللي كنت فعلًا بكرههم وعندي فوبيا منهم هما المشردين، الناس اللي بيقعدوا تحت الكباري بهدوم متسـ,ـخة وشعر طويل، تبص في عنيهم تحسهم عفاريت مش بشر، تايهين في ملكوت تاني..

كنت بخاف منهم جدًا وفي نفس الوقت عندي فوبيا كمان بسبب موقف قديم حصلي مع واحد منهم، كنت واقفة في إشارة وشوفت واحد منهم نايم على الرصيف، حسيت بنوع من أنواع الشفقة عليه وبدأت أرميله سندوتش على الأرض عشان يمد إيده وياكله، بس الغريب إن رد الفعل كان في منتهى العنف، مسك حجر ضخم وخبط بيه ازاز العربية بكل عنف، ولولا ستر ربنا والازاز اللي كان سميك كان زمان الحجر قتـ,ـلني، الغريب إنه حاول مرة تانية يكسر الازاز لولا إن ربنا قدرني وهربت بالعربية..

ومن خضتي يومها بقيت بتحاشاهم دايمًا، بل ولما بشوفهم بحس برعب غريب من جوايا، كنت شايفاهم من أغـ,ـدر أنواع البشر، اللي ممكن يغدروا بيك في أي لحظة وأنت بتشفق عليهم، عشان كدا لما كنت بشوف الأطفال بيضـ,ـربوهم بالطوب مكنتش بشفق عليهم إطلاقًا، بل وتمنيت من جوايا في يوم إنهم يمـ,ـوتوا ونتخلص منهم، بس لو كان ده حصل كان زماني في خبر كان حرفيًا..

روحت على المستشفى عشان أشوف التكليف الجديد وأنا بدعي ربنا إن التكليف يجي في مستشفى قريبة، أنا مش حِمل سفر إطلاقًا خاصةً بعد مـ,ـوت والدي ومبقاش لأمي في الدنيا غيري أنا، ووقتها اتنظمت اللجنة وتم تكليفي بالعمل في مستشفى في نفس النطاق، بس في بلد قريبة مننا..

حمدت ربنا كتير وبدأت أتجهز عشان بعد يومين هبدأ العمل رسميًا في المستشفى دي، وفعلًا وبعد يومين طلعت على المستشفى وقابلت الدكتور منيب رئيس المستشفى، بدأ يعرفني على زمايلي ويعرفني طبيعة الشغل في المستشفى، وأنا كنت دكتورة شاطرة في مجال النسا، وعرفت إن مواعيد العمل في القسم بتاعي بتخلص الساعة ٤ العصر، عكس أقسام تانية بتخلص متأخر، كنت مبسوطة أوي وحاسة إن الشغل هنا هيكون ممتع..

المستشفى كانت بتتكون من دور أرضي وأربع أدوار فوق سطح الأرض، الدور الأرض له سلم نازل لتحت دايمًا مقفول بباب قديم، والأربع أدوار اللي فيهم العيادات، واللي عيادتي كانت في أول دور منهم، وفورًا ومن تاني يوم بدأت أمارس شغلي، يجيلي المريض وأشخص حالته واكتبله العلاج.. الغريب إن بعد فترة شغل بدأت أشوف كل كام يوم واحد بيجي من المشردين دول ويدخل أكتر من عيادة يكشف ويطمنوا على صحته بعدها بيخرجوه، كنت مستغربة وأنا بكشف واتفاجئ بواحد منهم جاي مع اتنين ممرضين وواخدينه لأكتر من عيادة، بل وكان بيرجعلي الخوف من تاني..

ولما سألت عن سبب تواجدهم في المستشفى اتقالي إن الدكتور منيب صاحب المستشفى بيعمل كدا لوجه الله، بيعالج أي حد منهم صحيًا ويبعته على المصحة النفسية اللي برضه هو مدير ليها ويطلعهم للمجتمع أسوياء، واتكرم أكتر من مرة بسبب الموضوع ده.. بس أنا كنت لسة على تفكيري القديم، شايفة إننا لو اتخلصنا منهم هيكون أفضل، وإننا مهما عملنا معاهم استحالة يتعالجوا، ولما جهرت بأفكاري اتقالي إنهم بيتعالجوا وفيه أكتر من حالة اتعالجت فعلًا..

بس وجودهم المستمر في المستشفى كان بيسببلي نوع من أنواع الخوف الشديد، لدرجة إني قابلت الدكتور منيب وعرفته إني مبعرفش أشتغل في محيط مع شوية المشردين دول، استغرب كلامي جدًا في البداية بس أكدلي إنه مش هيتوقف عن مساعدتهم مهما كان وإني لازم اتأقلم على وجودهم، ولو الموضوع مضايقني شوية ممكن أعرف مواعيد وجودهم واتحاشاها تمامًا..

وكان كل يوم اتنين وخميس بيجي واحد منهم يكشف على الساعة ١٠ صباحًا، وكنت بحاول بقدر الإمكان أتحاشى أوقات وجودهم في المكان لحد ما جت أغرب ليلة في حياتي، خلصت شغلي على العصر كالعادة وقبل ما أروح بدقايق جالي تليفون من دكتورة زميلتي واترجتني استنا كمان ساعتين لأن فيه مريضة قريبتها هتيجي تكشف ومش معاها مبالغ العيادات الخاصة.. كلامها ضايقني بصراحة بس مقدرتش أعترض خاصةً إنها كانت في منتهى الوِد والاحترام معايا، طلعت قعدت على كافيه الساعتين دول ورجعت على المستشفى كشفت على المريضة وقفلت العيادة وبدأت أجهز عشان أخرج من المستشفى..

في الوقت ده كان المغرب أذن وكان بكرة عطلة رسمية وكل عيادات المساء مقفولة، اتجهت ناحية الباب وقبل ما أخرج ووسط صمت المستشفى حسيت بصوت حركة على السلم اللي بينزل للدور اللي تحت، صوت الحركة كان شبيه بشيء أو حاجة بتزحف على الأرض، تجاهلت الصوت وقبل ما أمشي سمعت حد بينادي عليا باسمي ـ يا دكتورة ندى..

استغربت جدًا ونزلت بهدوء على السلم ناحية الباب المقفول بالسلاسل، بس الغريب إن الباب كان مفتوح، وأول ما مريت منه بدأت أسمع صوت الزحف في الممر المواجه، ومسافة ما دخلت منه شهقت من الرعب، شوفت واحد من المشردين ده رجليه الاتنين مقطـ,ـوعين وبيزحف على بطنه بطريقة مرعـ,ـبة، ولما بصيت على وشه لقيت وش مشوه وعين من الاتنين ممسوحة بالبياض..

اترعبت ووقعت في الأرض، وهو بدأ يزحف ناحيتي ويمد إيده عشان يمسكني، ومنه بدأت أسمع صوت شهقات غريبة، شهقات خلت جسمي يتنفض مرة واتنين وعشرة، وفي النهاية قمت وجريت ناحية مكان الخروج، ومن ورايا سمعت صوت شهقات وصوت تاني بينادي عليا بصوت مبحوح ـ يا دكتووووورة ندى.. خرجت من المستشفى وأنا مش قادرة أنطق بنص كلمة، ركبت عربيتي وجريت على البيت، كنت في حالة رهيبة من الفزع، مش قادرة أنطق ولا أهمس بنص كلمة، وعلى الساعة ١٢ بالليل بدأت أسمع نفس الشهقات، بس من حمام شقتي..

شهقات حد بيطلع في الروح، وفضلت في أوضتي طول الليل مش قادرة اتحرك من مكاني، وعلى الصبح شوفت مكتوب بالدم على الحيطة، عنبر “١٢” روحت تاني يوم الشغل وأنا في حالة إعياء شديدة جدًا، وبدأ الموضوع يتكرر معايا كل ليلة، أسمع شهقات جاية من الحمام، وأصحى الصبح ألاقي كلمات بالدم، عنبر “١٢”، لحد ما قررت أسيب الشقة، كنت مرعوبة أكمل في الشقة اللي كنت وخداها إيجار، وكلمت زميلة ليا اللي وافقت أقيم معاها لحد ما ألاقي شقة تانية، خاصة إن شقتها كانت قريبة جدًا من المستشفى، وخلصت شغلي في اليوم التاني وروحت على بيت صاحبتي وقررت إني أحكيلها كل حاجة..

سألتها لو كانت تعرف عنبر في المستشفى رقمه ١٢، وجاوبتني إن العنابر في المستشفى بتبدأ من رقم ١٣ ومفيش عنبر ١٢ ده خالص، وقبل ما أحكي فوجئت بإن موبايلي فصل، وأمي هتقلق عليا قلق السنين ومش حافظة رقمها أكلمها، سألت زميلتي على شاحن للأيفون بس مكانش عندها، ولقيت نفسي مضطرة أرجع المستشفى أجيب الشاحن بتاعي من العيادة..

كنت خايفة وقلقانة بس الموضوع كان سهل، هطلع مع حارس الأمن نجيبه وهخرج على طول، كانت الساعة داخلة على ١٠ بالليل، استأذنت من صاحبتي ونزلت على طول، ١٠ دقايق بالظبط وكنت في المستشفى، قابلت فرد الأمن ورحب بيا وعرفته إني هروح أجيب الشاحن بتاعي من المكتب وطلبت منه يجي معايا، بس لقيته متردد وقال إن المشرف ممكن يمر في أي لحظة ولو جه وملقانيش في مكاني هيطردني من الشغل..

ملقتش قدامي غير إني أدخل لوحدي المستشفى اللي كانت خلصت الشغل تمامًا، المستشفى اللي كان شكلها بالليل مُقـ,ـبض ومُرعـ,ـب فوق الوصف، طلعت بسرعة على مكتبي جبت الشاحن وبدأت أتجه ناحية طريق الخروج، وقدام باب الخروج لقيت ظل لجسم واقف في ثبات تام، قربت منه وأنا برحب بيه بقلق بس فضل ثابت مكانه زي التمثال..

وفي لحظة بدأت أشوف لمعة في عنيه اللي اتحولت فجأة للأبيض، ومع الضوء الخفيف شوفت الدقن الطويلة والشعر الطويل، كان واحد من المشردين اللي بخاف منهم في العادي، فما بالك بالشكل ده، جريت عشان أطلع على السلم وأنا مرعوبة لقيت واحد تاني واقف، وبدون تفكير نزلت على تحت، ناحية الدور الأرض واللي كان برضه الباب بتاعه مفتوح..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى