روايات

جُ.ثة تدخن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

جالي خبر من شوية إن فيه تفتيش من أمن المستشفى على كل العمال وبالأخص عمالة المشر.حة، وده بسبب وجود بلاغ إن الأمن والعمال بيسهروا يحشـ ـشوا بالليل وده كان ممنوع منعًا باتًا، واللي بيتمسك بحاجة زي دي في الشغل بيترحل على القسم وبتتعمل له قضية محترمة، ومن سوء حظي كنت جايب معايا الحشـ ـيش الشهري بتاع كل اللي بيشربوا في وردية الليل، لأني ببساطة كنت بعرف أجيبه بسهولة وأوزعه يوم واحد في الشهر وبكسب من الموضوع ده..

كان معايا حش.يش بـ ١٠ آلاف جنيه والديلر هيق.تلني فيها لو مجبتش الفلوس، يعني استحالة أرميه، وفي نفس الوقت لو سبت شغلي ومشيت وقت التفتيش هتطرد من الشغل لأني هبقا معيوب وفيا حاجة، عشان كدا فضلت أفكر وأنا ماسكني الرعب، ولما عرفت إن الأمن داخل على المشر.حة دخلت استخبيت جوة، وملقتش غير مكان واحد أخبي فيه الحش.يش..

فتحت أول درج قدامي وحطيت الحـشـ ـيش تحت الج.ثة وقفلت بسرعة، ومسافة ما عملت كدا الأمن دخل ومعاهم مدير أمن المستشفى، تمالكت أعصابي وفتشوني بكل احترام ووصاني مديرهم على الشغل وسألني إن كانت فيه مشاكل معايا، وحكتله عن مشكلة الباب الخلفي المكسور، وروحنا شوفنا المشكلة وفضلت معاهم ساعة كاملة، ولما رجعت عرفت إن الوردية كلها هتبقا مشدودة والأمن بيلف زي النحل، عشان كدا سبت الحشـ ـيش مكانه، المكان الوحيد اللي استحالة يتفتش هي تلاجات الجثث..

وانتهت الليلة وروحت بعد ما المشر.حة اتملت بالناس وقولت أبقا أخد الحاجة من التلاجة بالليل، بس في اليوم ده ولسبب ما ابني الصغير تعب، وفضلت معاه في المستشفى لحد بالليل من غير ما أنام ساعة واحدة، وعلى آخر اليوم كنت ميت ومش قادر أتحرك، كلمت مشرف العمال وحكتله والراجل تفهم موقفي وقالي إنه هيبعت (محروس) مكاني وانهاردة أنا أجازة.. ونمت زي القتيل، وفضل تليفوني يرن من ١٢ بالليل لحد الساعة ٢، لحد ما قلقت وصحيت، كان محروس بيتصل بيا لأن الناس بيسألوا عن الحشـ ـيش، قولتله يفتح الدرج رقم تلاتة هيلاقي الحشـ ـيش جمب الج.ثة، لقيته اتصد.م وقال:

ـ يا مزاجك يا درش، ده هيبقا حشـ ـيش معفرت.. وبعد خمس دقايق لقيته بيرن وبيقول إنه مش لاقي أي حاجة، وصفتله تاني وقالي إنه فاتح الدرج ومفيش أي حاجة غير الج.ثة، زعقت فيه أحسن يكون سرقه وبيضحك عليا، أقسملي بالله إنه ما خد أي حاجة، قولتله خلاص أنا هاجي بكرة أجيبه بنفسي، ومعرفتش أنام تاني، القلق والتوتر والشك فضلوا ينهشوا فيا طول الليل..

وتاني يوم بالليل على الوردية جريت على هناك وأنا على أمل إني هلاقي الحشـ ـيش، استنيت لما الدنيا هديت وفتحت التلاجة، مفيش أي حاجة، مجرد ج.ثة متغطية، بدأت أسحب الج.ثة لبرة وأفتش في جسمها، واكتشفت إني بفتش في جسم أنثى رغم إنه كان بارد زي التلج، ومن كتر خوفي وتوتري من ضياع الحشـ ـيش كشفت جسم الج.ثة كله قدام عنيا، ولا أي حاجة، بلعت ريقي بالعافية وأنا بتخيل الديلر بيطالبني بالفلوس، وأنا موصلتش حشـ ـيش للناس ومحدش هيديني جنيه..

خرجت برة التلاجة وكلمت محروس وبدأ يقسم إنه مخدش أي حاجة، ومحروس مش من النوع اللي يسرق إطلاقًا، أنا عارفه من سنين، وقفت برا دماغي بتغلي من التفكير لحد ما سمعت صوت حركة جوة تلاجة المشر.حة، وافتكرت إني فاتح الدرج والج.ثة برة، رجعت بسرعة عشان أقفل باب الدرج واتصدمت لما ملقتش الج.ثة قدام عنيا، يعني الأول كان حشـ ـيش دلوقتي الج.ثة كمان اخت.فت..

شوية وسمعت صوت خطوات تقيلة من قلب المشر.حة جوة، وشوفت سحابة دخان غريبة جاية من ورا التلاجات، اتمنيت المو.ت وقتها ولا إني أعيش الموقف المُرعب ده، قربت أكتر وقدام عنيا شوفت الج.ثة بتشرب الحش.يش، ج.ثة واحدة ست لونها أزرق وفيها عروق سودة وبتنفخ الدخان باستمتاع شديد، أول ما شوفتها شهقت برعب الدنيا عشان تبص ناحيتي وتتكلم، سمعت صوت همساتها جوة وداني بتقول: ـ الحش.يش ده أصلي.. ووقعت من طولي في قلب المشر.حة، فضلت على الحال ده تلت ساعات لحد ما صحيت على صوت محروس وهو بيهز فيا وبيقول:

ـ يخربيتك جاي تنام جوة المشر.حة!! صحيت مفزوع، خايف، جسمي كله متكهرب، بصيت لقيت الج.ثة مكانها ومفيش أي حاجة غريبة، وخرجت برة وأنا حاسس إن شوية وقلبي هيقف، وبدأ تليفوني يرن من سمير الديلر، عايز فلوس الحاجة ومستغرب التأخير ده، ومبقتش عارف أنا ممكن أعمل أيه.. خاصةً إن طول الليل بقيت شايف دخان خارج من المشر.حة وسامع صوت خطوات، وقضيت ليلة مرعبة مشوفتهاش في حياتي، ورفضت أروح تاني يوم واستخبيت زي العيل الصغير في البيت، بس الج.ثة مرحمتنيش، تخيل تصحى من نومك على ريحة حش.يش وتتفاجئ إن الج.ثة بتحشش جوة الأوضة بتاعتك..

رعب ما بعده ر.عب، لدرجة إن أعراض الجنان بدأت تظهر عليا، وبقيت بسمع همسات الج.ثة في كل مكان حوليا، همسات غريبة وغير مفهومة، لحد ما اتكلمت مرة في نومي، سمعتها بتقولي هسامحك على كشفك لجسمي بس لازم تكشف الحقيقة، الحل عند صاحب الحشـ ـيش.. صحيت يومها عامل زي المجنون، حل أيه اللي عند بتاع الحشـ ـيش، لحد ما طلبني وهددني بالمو.ت لو مروحتش، وفعلًا روحتله في المكان الصغير بتاعه، وبدأ يطلب فلوسه ويهددني، الغريب إني لمحت الحشـ ـيش اللي اتسرق عنده، أيوة أنا عارف ربطة السولوفان بتاعتي كويس، وشوفت الج.ثة واقفة جمبهم..

أنا اتجننت، ولا هو اللي سرق الحشـ ـيش، ولا فيه علاقة بينه وبين القتيلة، وبدأت أدور في ورق المستشفى وعرفت إن البنت اتثبتت واتسرقت واتق.تلت، وسمعت كلام إن سمير موقف نشاطه شوية لِأنه ق.تل بنت من فترة قريبة.. ده لو كان هو اللي ق.تلها هتكون أعجب صدفة حصلت في التاريخ، هيكون الجنان نفسه، روحت للنقطة التابعة للمستشفى وبلغت إني شاكك في فلان إن هو اللي ق.تل البنت، لِأنه سألني عن جثتها أكتر من مرة، استدعوه وقارنوا عينة الحمض النووي اللي على البنت وجسمها بيه وقدر يثبتوا إنه ق.تلها وكمان اعتدى على جثتها..

وقتها بس الج.ثة اخت.فت من حياتي، بس بعد ما عقلي هو كمان ضاع من التجربة دي، بقيت عايش قدام المشر.حة زي التايه، أوقات افتكر، أوقات أنسى أنا مين، أوقات أقول الج.ثة بتهاجمني، الكل قال إنه أتجنن، وقليل اللي قال ده مر بتجربة مُرعبة..

وفيه حد فسرلي وقالي إن ربنا هيئ كل ده لكشف الجر.يمة، وإن الج.ثة اللي خبت الحشـ ـيش عشان أقرب منها وتتمكن مني وتكشفلي الجر.يمة، بس اللي اكتشفته حاجة أهم من كل ده، إنك لما بتعمل حاجة حرام ربنا بيزرع في قلبك الخوف، لما تمشي في سكة الشيطان بتخاف، بتخاف من الناس، ومن الرزق، ومن الشارع، ومن أقرب الناس ليك..

حتى تفتيش الشغل بتخاف منه وبدون تفكير بترمي الحشـ ـيش في ثلاجة الجثث لأن تفكيرك بيتشل، إنما لما تمشي في سكة ربنا مبتخافش من الدنيا واللي فيها، بتمشي زي الأسد لا تهاب إلا الله، ومبتعملش الحرام مخافة الله مش مخافة الناس، وقتها ربنا بيجعلك مُهاب وعزيز بين الناس.. [وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه] سورة التوبة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى