روايات

قط وحقيبة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ـ وعليكم السلام.. ـ حضرتك لقيت الشنطة دي؟! ـ أيوة يافندم.. ـ طيب أنت فين وهجيلك.. ـ مش هتفرق أنا كدا كدا نازل لو تحب تقابلني وتاخدها.. وعرفت عنوان بيته اللي استغربت إنه مش بعيد، ولقيت نفسي بعمل خير وقولتله أنا هجيلك متقلقش، كان ساكن في شارع راقي كله أبراج، كلمته لما وصلت تحت العمارة بتاعته فنزلي في الأسانسير، كنت حاطط اللفافة في جيبي ومش عارف هكلمه ازاي، بس هو أقسم إنه يضايفني وكمان يستفهم مني عن الحكاية لأن فيه حد عايز يسمعها بأي طريقة..

طلعت شقته اللي كانت ما شاء الله فخمة جدًا، لدرجة إني تمنيت في يوم إني أسكن في شقة زي دي، بس هتفضل مجرد مستحيلات وبس، وجت مراته اللي أنا كلمتها، وعرفت إن الشنطة بتاعت واحدة اسمها روميثة وإن دي أختها نعمة وجوزها، حكيتلهم إني لقيت الشنطة في محطة المترو وفيها مبلغ مالي وموبايل، الغريب إني وأنا بحكي بدأت اللي اسمها نعمة دي تبكي بغرابة لدرجة إن جوزها فضل يهدي فيها وطلب منها تعملي شاي، قامت من مكانها، وأنا وقتها قررت استغل الفرصة وأكلم الراجل لعله يقدر يقنع أخت مراته إن اللي بتعمله ده حرام، أو يكون عارف البنت اللي في الصورة..

همست بصوت خافت وقولتله إن كانت فيه حاجة تانية في الشنطة، ووريته العمل، الغريب إن الراجل اتصدم وفضل ساكت فوق الدقيقة وهو باصص للصورة، في اللحظة دي دخلت مراته وشافت اللي هو ماسكه رغم إني حاولت أداري الصورة، ولقتها بتلطم على وشها، جوزها طلب منها تستهدى بالله وتسكت، وهي فضلت تردد: ـ ليه كدا يا أختي، دحنا كنا بنقطع من لحمنا عشانك، حسبي الله ونعم الوكيل.. وقتها كنت هتجنن لو مفهمتش، طلبت منه يفهمني بحدة، الراجل استعان بالله وقال:

ـ اللي في الصورة دي بنتي أنا يابني، وخالتها صاحبة الشنطة هي اللي عملتلها العمل ده، أنا بنتي بقالها أسبوع مريضة مرض بشع وبتتألم ومش لاقيين لها علاج، وسبحان من خلاك ترجع الشنطة عن طريقنا عشان نشوف الكارثة دي ونعالجها.. كنت مذهول، مش متخيل كم الشر اللي بشوفه ده، ولا المعجزة اللي حصلت عشان أروح بالعمل لحد المريض، سألته بحذر وقولت: ـ وفين روميثة صاحبة الشنطة؟! وقتها مراته اتكلمت وقالت: ـ مـ,ـاتت تحت عجلات المترو من أسبوع يابني..

وقتها الصدمة مسكتني وقت طويل أوي، وفهمت، فهمت إن الست عملت العمل عند ساحر، وحطته في شنطتها، بس سبحان الله نسيت شنطتها في المحطة ووقعت تحت عجلات المترو واتهرست وماتت، وتقريبًا هي نفس الست اللي مـ,ـاتت يوم مانا لقيت الشنطة واتقالي عنها يومها..

كمية أمور لو اتحكت في قصة مكنتش هصدقها بس كل ده حصلي، وقتها استأذنت وأنا بدمع عشان أمشي وطلبت من الراجل يشوف شيخ يفسد العمل ده ومشيت، الغريب إني ليلتها نمت، نمت بدون ما أشوف القط ده تاني، واللي فهمته إن ده كان خادم العمل بما إن الشنطة كانت في أوضتي، وأنا كنت مصدر التسلية بتاعته، غير إن العمل للأسف كان تاعب البنت جدًا..

تاني يوم لقيت رقم بيرن عليا، كان نفس الراجل، وطلب مني إني أقابله بأي طريقة، حاولت استفهم عن السبب بس رفض يقولي، قابلته وكانت مقابلة ودية جدًا، سألني عن شغلي وزواجي وحياتي، قولتله إن لسة الأمور مش مظبوطة أوي، خدني لشقة فوق شقته ولقيته بطريقة غريبة بيفرجني عليها وبيقولي إن الشقة للإيجار لو أعرف حد يأجرها، مكنتش فاهم أيه علاقتي بالموضوع ده.. لما قولتله إني أكيد معرفش حد يقدر على إيجار شقة فخمة زي دي قالي:

ـ طيب ما تأجرها أنت.. ابتسمت بسذاجة وقلتله: ـ ياريت بس منين؟! ـ بص يابني، الهايبر ماركت اللي تحت العمارة ده بتاعي، والعمارة دي كلها ملكي، وأنا محتاج حد في أمانتك يمسكلي مدير الهايبر وهوفرلك سكن إيجار في الشقة دي، عايز تتجوز فيها اتجوز، مش عايز فهيا بتاعتك، وهخصم الإيجار من قبضك.. ضحكت ضحكة عالية وقولتله: ـ وهو القبض كام عشان يتحمل إيجار شقة زي دي؟! ـ القبض ١٠ آلاف والايجار ألف جنيه بس..

فهمت إنه بيعمل كدا عشان يساعدني، بس أنا رفضت، وهو مكنش هيقبل رفضي بأي طريقة، وقالي إنه كان فقد الأمل في علاج بنته وطلب من ربنا علاجها وهو في المقابل هيعمل خير كبير أوي، وإن واحد في أمانتي يستحق ده، ومع إصراره الشديد وافقت.. وفي يوم وليلة اتحقق المستحيل وسكنت في شقة فخمة جدًا، والشغل بقا تحت البيت، ومسافة ما أمي عرفت بدأت تدور على العروسة في نفس اليوم، كنت محرج حتى أرفع راسي للسماء، محرج من كرم ربنا العظيم ده..

بس قبل كل ده أنا عرفت حاجات كتير أوي؛ عرفت إن اللي بيأذي الناس لازم هيقع تحت مقصلة العدالة، زي روميثة اللي اتهرست تحت عجلات المترو عشان قررت تأذي بنت أختها عشان بس أغنى منها.. وعرفت إن اللي بيتقي الله زي الراجل ده ومراته ربنا هيبعت لهم علاج الضرر لحد باب بيته عشان يفسده، زي العمل اللي جبتهولهم لحد البيت.. وعرفت إن زهدي في آلاف بسيطة لوجه الله كان السبب في خير أعظم ألف مرة، لو أنا كنت خدت الفلوس ورميت الشنطة كانت حياتي مش هتتحسن أبدًا، ويمكن كان العمل فضل عندي أنا يأذيني..

وقتها افتكرت كل شاب وبنت مبيصبروش لما الحلال يجي ويجروا ورا الحرام، رغم إن للصبر مكافأته كبيرة.. افتكرت كل موظف بياخد رشوة مع إنه لو صبر لوجه الله على حالته الصعبة ربنا هيجازيه خير.. اتأكدت إن اللي بيصبر حتى على الأذى من الناس لوجه الله ربنا بيكافأه، وبيرد الظُلم على الظالم، وبقيت على يقين إن الصبر على الحرام والأذى هو الحل الوحيد، الحل اللي هتاخد بسببه مكافأة، وحتى لو مكانتش في الدنيا فهتكون أعظم ألف مرة في الأخرة..

واتأكدت ألف مرة من الآية اللي بتقول: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا] سورة الطلاق بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى