روايات

ليلة زفاف للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

تاني يوم كان واضح علينا أوي الإرهاق والحزن الشديد، كأننا مشوفناش النوم، وعلى العصر بدأ الزوار يتوافدوا علينا للمباركة، ورغم محاولاتي المميتة إني اتصنع السعادة بس مقدرتش، شكلي وملامحي اللي بهتت، تعبي وإرهاقي ورعشة جسمي، كل ده كان واضح للناس.. كل العيون لاحظت ده، حتى إن أمي خدتني في الأوضة بطريقة ملفتة وحاولت تستفسر عن سبب اللي أنا فيه ده بس أنا التزمت الصمت الكامل، سارة بنت خالتي حاولت تهدي الموضوع ومتلفتش الأنظار وانتهت الزيارات كلها..

وبالليل جالي يوسف من تاني وحاول يهديني ويتكلم بهدوء، كان بيحاول يستفهم عن سبب توتري ونفوري امبارح، في النهاية طمنته وحاولت أهدي نفسي يمكن كل اللي شوفته ده كان مجرد وهم، ونفس اللي حصل اتكرر تاني بس باختلاف واضح، هو اللي كان كل ما يقرب مني يبعدني بتقـ,ـزز، مع إني مشوفتوش بجسم الست ده، بس هو اللي مكنش متقبلني، وبعدني عنه مرة واتنين لحد ما انهرت من البكاء ورجعت لنفس الأوضة، رجعت مكسورة الكرامة والجسد والنفس، مكسورة ومحطمة، لدرجة إني نمت على الأرض بشكل مزري، مؤلم..

نمت نوم كله هلاوس وتعب وإرهاق، نوم صحيت منه مفزوعة على إحساس إن فيه صوابع بتلمس رجليا، صوابع باردة مُخـ,ـيفة، صحيت عشان ألاقي الأوضة كلها ضلمة، كأني مدفـ,ـونة جوة قـ,ـبر مقفول، والمُرعـ,ـب أكتر إن اللمسات بدأت تلمس جسمي كله، صوابع ناشفة، باردة، مكنتش قادرة أقوم من مكاني، مرعـ,ـوبة، مشـ,ـلولة العقل والجسم، صوت التنفس في وداني، واللمسات والحرارة على جسمي..

بكيت من إحساس الرعب والقهر ده، وقمت من مكاني بالعافية وفتحت النور، ومسافة ما عملت كدا لمحته، جسم معضم، عامل زي الهيكل العظمي وبيزحف على أربعة زي الحيوانات، وفي لحظة اختفى تحت السـ,ـرير، صرخت وجريت على برة، دورت على يوسف كتير بس كان في الأوضة بتاعته وقافلها، حاولت أخبط عليه بس مقدرتش، واحد مش طايق يلمسني هتكلم معاه ازاي، وقعدت في الصالة أبكي لحد الصبح وعنيا بفزع ناحية باب الأوضة اللي فيها الكائن ده..

وتاني يوم جت زيارات جديدة، وكان الوضع أسوأ، شكلي بقا أصعب، الكل لاحظ التغير، أمي بقت بتنفخ من الغيظ وسارة بتحاول تفهم مني، بس أنا مكنتش قادرة أنطق ولا أتكلم، دموع صامتة وقهر ما بعده قهر، وفي الليلة التالتة محدش فينا قرب من التاني خالص، بس أنا مقدرتش أرجع الأوضة اللي شوفت فيها الكائن ده، فتحت الموبايل شوية عشان أتناسى اللي أنا فيه ده لقيت اتصال من أمي..

رديت عليها عشان أسمع سيل من اللوم والعتاب، عشان تقولي إن الناس بيقـ,ـطعوا في لحمي أنا وجوزي، البعض طـ,ـعن في شـ,ـرفي وقال إني مش بنت وإن جوزي اكتشف ده ليلة فرحنا، والبعض طـ,ـعن في ذكـ,ـورة زوجي وقال إنه معرفش يدخل على زوجته، وبكيت من تاني، بكيت أكتر وأكتر، قهر، قهر، قهر.. ـ ياااااااااارب، ياااااااااارب.. وزاد البكاء لما افتكرت إننا المفروض نركب بكرة بالليل الطيارة عشان العمرة، بس عمرة أيه اللي هنروحها بالوضع ده، يارب، يارب أنا بتمناها من قلبي متحرمنيش منها..

وقتها بس كان لازم أتماسك، كان لازم أجري عليه، كان لازم ليلة من ليالي اللقاء، اتوضيت وقعدت على سجادة الصلاة أبكي كتير أوي وأدعي، اشتكيت لله إني اتطـ,ـعنت في شـ,ـرفي، إني مش فاهمة، وإني تعبانة ومبتلية ابتـ,ـلاء شديد، شكيتله ضعفي وقلة حيلتي، وفي النهاية أقسمت عليه، أقسمت عليه بالعمل اللي عملته لما أطعمت الناس ليلة فرحي ومعملتش فرح ومعصية، أقسمت عليه ينجيني بسبب العمل ده، ومن كتر البكاء الشديد نمت مكاني، نمت وشوفت أغرب حلم ممكن أشوفه..

شوفت الفوطة اللي معلقاها في الحمام بتنزل دـ,ـم كتير أوي، وأنا واقفة في الحلم أبصلها بتعجب، والدـ,ـم كان أسود، قبـ,ـيح، بينزل على الأرض يحـ,ـرقها زي الحمم، وريحته كانت أبشع ريحة أنا ممكن أشمها في حياتي، صحيت وكانت الساعة تقريبا ١١ بالليل، كنت مستغربة أوي ومش فاهمة، لحد ما لقيت رسالة من صديقة ليا على الموبايل بتقول الآتي: ـ ربنا يكون في عونك يا حبيبتي، خلي بالك عشان سارة بنت خالتك ماشية تطعن في شـ,ـرفك وتحكي عن اللي شافته في شقتك وإن عندك مشاكل مع زوجك، أبعدي عنها لأني قولتلك ألف مرة دي مبتحبكيش..

تماسكت بقدر الإمكان، تماسكت لما عقلي نور في لحظة بحاجة غريبة أوي، جريت على الحمام ومسكت الفوطة اللي شوفتها بتنزل دم في الحلم، الفوطة دي اللي جبتهالي هدية كانت سارة، فوطة من طبقتين وسميكة، سارة اللي بتطعن في شرفي دلوقتي، وبدون وعي مسكت سـ,ـكينة وقطعت الفوطة، وشوفت أسوأ حاجة أنا ممكن أشوفها في حياتي، الفوطة من جوة كانت مليانة طلاسم وكلام مُرعب، كأنه سحر خبيث، غير إن كانت فيها رماد محـ,ـروق..

خدت الفوطة وجريت على أوضة جوزي وفتحتها، لقيته قاعد على سجادة الصلاة بيبكي، قربت منه ووريته اللي شوفته، الغريب إنه ابتسم ووشه نور، وفي لحظة اتصل بصديق له، وعلى الساعة ١٢ بالليل وصل صديق زوجي وقعدنا معاه، وبكل هدوء جاب وعاء فيه مية، حط عليها ملح وقرأ عليها قرآن وحط فيها الفوطة وبدأ يقلبها بالراحة خالص، وبعدها خرج هو وجوزي دلقوا المية في الشارع وحرقوا الفوطة، ورجع بخر الشقة وقرأ الرقية علينا وعلى مية رشينا منها في البيت، وبعدها طلب مننا نحكي..

حكيتله على كل حاجة، حكيت وأنا ببكي من الحزن والغم، بس هو ابتسم، وقال: ـ ربنا لما بيحب عبد بيبتليه، بيبتليه لحكمة ميعرفهاش غيره، والابتلاء هنا جه عشان يطهرك ويبعدك عن الست اللي دبرتلك الشر، عشان تعرفيها على حقيقتها، لأنها لو كملت كانت هتخرب حياتك كلها، ربنا اللي بيبتلي غيرك بالسحر وبيعيشوا سنين يعانوا شفاكم منه في تلت ليالي بس بدعواتكم، وبفضل عمل صالح عملتوه..

أنتي فكرتيني بقصة التلاتة اللي اتقفل عليهم باب الكهف بصخرة ومعرفوش يخرجوا، وقتها كل واحد أقسم على الله بعمل صالح إنه ينجيهم، لحد ما اتحركت الصخرة وخرجوا، اللي أنتوا عملتوه ده نجاكم من شر عظيم، وكل عمل صالح بنعمله في حياتنا بينجينا من ألف حاجة بس مش شرط نحس بيها، وكل ابتلاء بتكون وراه حكمة عظيمة وأجر عظيم، والحكمة هنا بتقول إنكم صالحين بجد، وإنكم تمسكتوا بحبل الله ومتفارقتوش..

لجأتوا لربنا ونجاكم، أفرحوا بكرم ربنا، وأفرحوا إنه جمعكم، وأفرحوا إنه نجاكم، ويالا أفرحوا يا عرسان ومتقلقوش كل حاجة انتهت، ومتزعليش من كلام الناس، ده أطهر ست في الدنيا وهي زوجة الرسول عائشة اتطـ,ـعنت زيك كدا، ويابختك لما ربنا يبتليكي بابتلاء زوجة الرسول، أسيبكم أنا بقا..

وخرج، خرج بعد ما عرفت إن جوزي لما بعدني عنه كان بيشوفني بجسم راجل ليلتها، بس في الليلة دي كل حاجة كانت طبيعية، وقضيت أجمل ليلة في عمري كله مع أحسن راجل في الدنيا، وفضلنا لحد الفجر نتكلم ومش عايزين نفارق بعض ولو بالنوم، وتاني يوم بالليل كنت في المطار بركب الطيارة ناحية بيت ربنا، بيت ربنا اللي وقفت قدامه أبكي من الشوق والتأثر بعد ما كنت ببكي قهر وحزن..

ببكي من رحمته وعظمته، ببكي لأن حلم الطفولة أتحقق وأنا مع جوزي دلوقتي قدام الكعبة بفضل ربنا اللي مبيتخلاش عن عبد عمل الحلال وبعد عن الحرام، وحسبي الله في كل ظالم ساحر مفتري، ربك المستعان.. أحب أبشركم إني حاليًا متجوزة من خمس سنين، وحقيقي أنا عايشة في سعادة حقيقية من يومها.. [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا] سورة الطلاق بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى