
مين قال إن أطفال الشوارع اللي ماليين الشارع دول ليهم أي قيمة أو وزن في الحياة، أنا شخصيًا بشوفهم مجرد حثالة، نِتاج علاقة آثمة بين شاب وبنت في لحظة شهـ ـوة، أو يمكن اتولد لأم معندهاش باتنين جنيه رحمة ورمته في الشارع لأنه لا يسوى أي قيمة في الدنيا.. وأنا أكتر واحد كان بيتعرض ليهم ليل نهار بصفتي صاحب أشهر عربية كبدة وسمين في القاهرة، بتعرض ليهم بطريقة مستفزة ولا تُطاق حرفيًا، اللي يسرق ساندويتش، واللي ياكل وميدفعش، واللي يعملي مشاكل في المكان واللي واللي واللي..
كرهتهم، وكرهت حتى وجودهم في الحياة وتمنيت لو يختفوا بأي طريقة مهما كانت، أيوة أنا كان ليا بعض النشاطات المستخبية ورا عربية الكبدة بس نشاطات مستخبية وبسيطة.. فاتح دولاب صغير ببيع فيه حشـ ـيش لبعض الناس كنوع من أنواع تحسين الدخل، بس برضه العيال دول كانوا زي العلقم في الزور، خاصةً لما انتشر كلام بسببهم إني ببيع مخـ ـدرات في المنطقة.. وفي شغلانتي دي، كلام كتير يعني حكومة كتير يعني هتتمسك، مفيش حل تاني إطلاقًا، وفي قعدة من قعدات الحشـ ـيش قعدت مع صديق ليا اسمه أينشتاين، سميناه بالاسم ده من كتر ما كانت دماغه متكلفة فعلًا، متكلفة بطريقة رهيبة..
وبعد ما سحب نفس طويل من الحشيش قالي بهدوء شديد: ـ طيب ما تستخدم العيال دي بدل ما أنت مخنوق منهم.. بصتله بصة تعجب ورديت: ـ استخدمهم ازاي يا أذكى أخواتك.. ـ العيال دول مستعدين يضحوا بروحهم مقابل أي حد يعطف عليهم ولو بلقمة حاف، خليهم يوزعولك وخلي التوصيل للبيوت، استخدمهم يا جمل هو أنا اللي هقولك.. الحقيقة إن كلامه عجبني أوي، عجبني وعملي حالة غريبة من النشوة، وتاني يوم وعلى غير العادة بدأت أعمل ساندويتشات مخصوص ليهم، وكل اللي يقرب أديله ساندويتش وأعامله باحترام ومودة..
الناس نفسهم كانوا مستغربين حالتي أنا اللي كنت بسب وألعن فيهم ليل نهار، بس محدش كان عارف أنا بخطط لأيه ولا دماغي جواها أيه، وفضلت أسبوع كامل بعاملهم بكل محبة ووِد لحد ما الأمان بدأ يسكن قلوبهم.. بل بعضهم كان بيتسابق عشان يساعدني، اللي يوصل طلب أكل للزبون، واللي يجبلي العيش من الفرن، واللي ينضف حولين العربية كل شوية، وبعد أيام ولما الدنيا استقرت بدأت نوعًا ما اختار اتنين منهم ثقة وابعتهم بالحشـ ـيش لزباين معينين مقابل طلب كبدة كامل..
العيال وقتها كانوا وكأنهم دخلوا الجنة، وبقيت بستخدمهم أحسن استخدام يذكر، بل وشغلت معايا خمسة أجرتلهم أوضة في القاهرة القديمة وبقوا شغالين معايا طول النهار.. بدأت نوعًا ما أحس جوايا بشعور المعلم اللي مشغل صبيانه وهو ملك قاعد على العرش، واستمر الحال للأحسن، والدنيا وسعت معايا ودايرة التوزيع كبرت، وده خلاني أتوحش وأدخل في مناطق مش بتاعتي.. وده ممنوع في قانون تجار المخـ ـدرات، لما وصل الخبر استدرجوا عيل من معايا بالفلوس وحاولوا يوقعوني بكمين ضخم، الواد يومها رجعلي بالبضاعة والحكومة كانت موجودة، بس لحسن الحظ كشفت المخطط ومتمسكتش متلبس..
وفضلت طول اليوم بعيد عن العربية، بس مسكت الواد، مسكته ووقع في قبضتي، وخدته في خرابة قديمة وربـ ـطته وضـ ـربته علقة مو.ت، ورجعت لقعدة الحشيش لحد ما أشوف أنا هعمل أيه في المصيبة دي، أنا كدا الحكومة بقت عينيها عليا، وتجار مخـ ـدرات بيترصدوا بيا، يعني المصلحة لازم تقف لأيام طويلة.. بس السر كان عند أينشتاين، سر غريب ومُخيف فوق الوصف، سألني: ـ هل الواد ده له أهل يسألوا عليه؟؟ قولتله: ـ لا.. وبكل هدوء نفسي وثبات قالي بيقولوا الدكتور بتاع عيادة الأمل اللي بيتاجر في الأعضاء، خد الواد عنده وهتكسب مبلغ خرافي..
كلامه كان عامل زي الدش الساقع في ليلة كلها برد، هو ازاي بيتكلم بالهدوء ده، طبعًا رفضت رفض قاطع، بس هو بكل لامبالاة قالي: ـ خليك كدا معفن جمب كبدتك المعفنة، ده الكلية بس ممكن تاخد فيها ٨٠ ألف جنيه.. كلامه لتاني مرة يصدمني لما لقيت نفسي عندي القدرة أعمل كدا، واستنيت الدكتور لحد الساعة واحدة بالليل، وقابلته، وبدأت بأسلوب الثعبان أرمي له الطُعم، وهو تقبل كلامي، وبدأنا نتساوم على جثمان الواد، واكتشفت إني هطلع من القصة دي بـ ٣٠٠ ألف جنيه..
مبلغ ولا في الأحلام، بس كان شرطه إنه هيبعت حد من طرفه في مكان تبعي يخدر الواد وياخد أعضائه ويسيب باقي الجثمان أنا اللي أتصرف فيه.. وخدت الواد على مخزن اللحمة بتاعي، واتفقنا على ميعاد محدد، وفعلًا جه الدكتور وخدر الواد اللي كان مرعوب، وقدام عنيا شوفت جراح بيشفي جسم الطفل وياخد كل جزء في علبة ثلجية، ساعة زمن وكان معاه أربع علب، خدهم واتفق معايا إن المبلغ هخده من الدكتور بعد يومين.. وانتهى الموضوع، أو ممكن نقول للأسف ابتدى، خاصة لما لقيت علاج شيطاني لباقي جثمان الطفل، مانا مش هخاطر وأخرج بالجـ ـثة وممكن حد يكتشفها..
مفرمة اللحمة، أيوة المفرمة وخلي الناس تاكل بالهنا والشفا، وخدت فلوسي، مبلغ جبار، وقفلت موضوع الحشـ ـيش ده للأبد.. بس البحر يحب الزيادة، والعيال كتير أوي، ولو كل شهر خططت كويس وخدت عيل واحد فأنا هعمل ثروة، ونخلي العربية للفقرا ياكلوا ببلاش عشان أكفر عن أعمالي، وكمان غطاء لأعمالي الجهنمية.. واصطدت الطفل الثاني، وعدى الموضوع بسلام، خاصة إني بقيت كريم كرم لا يوصف عليهم، بل وكانوا بيجوا من كل مكان ياكلوا ببلاش، وأنا كنت وكأني شايف ليهم حق في أكل زمايلهم أكتر من أي حد..
واستمر الحال، استمر بطريقة متوحشة، وصلت لاصطياد ١٥ طفل، وعملت ثروة كبير وصلت لخمسة مليون جنيه، كل ده في حوالي سنة واحدة بس، بعيدًا عن أي شبهات أو مشاكل.. والعيال دول محدش بيسأل فيهم من الأساس، لحد ما ظهرت وسط العيال بت اسمها جميلة، كانت زيها زيهم بس ملامحها كانت تشد بطريقة غريبة، البنت فيها جمال طاغي ومسحة من حزن كبير..
مسافة ما جبتلها أكل لقتها طايرة من الفرحة بل وبكت قدام عنيا من كتر الجوع اللي كانت فيه، وبالليل كنا قاعدين أنا وهي بتحكيلي عن حياتها، وازاي إن جوز أمها طردها عشان مش طايقها في البيت، الغريب إن البنت صعبت عليا، صعبت عليا وأحيت جوايا حاجات غريبة أوي.. لدرجة إني كنت حاسس إني هبطل بسببها، بنت عندها ١٢ سنة تقريبًا بس تحس إنها بنتك اللي تعرفها من سنين طويلة، ونوعًا ما بدأت أهدى شوية، بس جالي الاختبار أسرع ما كنت أتوقع..
الدكتور عاوز قرنية عيل عنيه ملونة، ومفيش في العيال كلهم عين ملونة غير عين جميلة، ولما رفضت وقلتله طلبك مش عندي بدأ يعلي في السعر بطريقة مبالغ فيها.. مكنتش أعرف إنه اختبار من ربنا يمكن أتوب، ولما حاولت أهرب من الدكتور عرف إن معايا بنت عنيها ملونة، وكلامه بدأ يبقا قاسي بطريقة غريبة، اللي هو لو موافقتش هتشوف الويل مني.. ومع الخوف والتوتر وجشع الفلوس بدأت أخطط، وخدت جميلة على المخزن والمفرمة وأنا قلبي مفطور، ألف حاجة بتقولي بلاش، بس مقدرتش، مقدرتش..
ونامت جميلة على الترابيزة، ومسك الدكتور إبرة التخدير وهي متكممة وبتتنفض.. و و ـ كبسة يا معلم.. وفي لحظة كانت الحكومة مالية المكان، وفي لحظة اتحط الحديد في إيدي، ولقيت نفسي بين يوم وليلة مستني تحقيقات النياية اللي آخرتها هتكون إعد.ام بدون أي شفقة.. بس الغريب واللي عرفته إن أينشتاين حب البنت، بيقول إنها فكرته بالتوبة وطهر القلب، وبما إنه عارف حكايتي كلها وإنها اللي عليها الدور، وبما إنه قعد واتكلم معاها كتير وحبها قرر يضحي بيا عشان هي تعيش..
وقالي يومها في الزيارة كلمة واحدة ـ لو كان حد لازم ينجى من النار فينا فأنا مش هسيب الفرصة دي.. واتحكم عليا بالإعد.ام، وهروح هناك هلاقي حساب أشد ألف مرة من الإعد.ام، ودي آخرة الجشع واستحلال خطوات الشيطان والمال الحرام، من أول اللحم الفاسد والمخـ ـدرات، لأعضاء الأطفال والق.تل.. دي آخرة اللي يسمع كلام شيطان سواء كان من الجن أو الإنس، وزي ما إبليس هيتبرأ من أفعال البشر في جهنم، أينشتاين اتبرأ من أفعالي، ودي آخرة صديق السوء اللي يقولك أرمي نفسك في النار فترميها..
[إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم] سورة إبراهيم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




