روايات

تحضير الميطرون للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ممكن تعتبر قصتي عِبرة تعتبر منها، عِبرة بتحذرك من إنك تقرب من أرض الجِن والشياطين، عِبرة بتقولك أهرب، أهرب من أي مكان مُظلم، من أي سطر بيتكلم عنهم، بل ومن أي إحساس أو تفكير فيهم.. كل اللي أقدر أقوله إني كنت شغوف بكل أمور الماورائيات، شغوف شغف مرضي، مُخيف، مش مجرد واحد بيحب يشوف أفلام الر.عب أو يقرأ القصص المُخيفة ولا حتى كُتب السِحر، انا كُنت مو.لع بجمع المعلومات عن أمراء الجِن الأحمر، مرض تغلغل جوايا حتى النخاع..

لدرجة إني كنت بدفع ثروات كبيرة من فلوسي عشان اشتري كُتب السِحر اللي بتتكلم عن أمراء وزعماء الجِن الأحمر، وكنت عامل مذكرة كاملة عن كل أمير من الأمراء دول ودارس كل صفاته وقدراته وسيرة نشأته كلها، كنت عامل زي المجنون اللي بيرتوي بجمع المعلومات دي، حتى إني بعد شهور بدأت أقتنع إن فيا جزء نا.ري غير آدمي، خاصة لما قرأت عن البشر المنزوغين من الشي.طان، واللي فيهم صفات شي.طانية غير بشرية..

واستمر الحال مرة بعد مرة لحد ما وقعت على مقال غريب بيتكلم عن شيطان اسمه “الميطرون” وكان البعض بيلقبه بالجالس، مفهمتش ليه هو اتلقب باللقب ده بس الاسم كان مُثير، غامض، غريب، الاسم حرك جوايا شغف رهيب إني أعرف معلومات عن الشي.طان ده، وبالفعل بدأت أدور على أسماء الكتب اللي بتتكلم عن الميطرون..

وبعد رحلة بحث طويلة شويتين لقيت كتاب اسمه؛ “الزهور المُظلمة في معرفة الأمور الخارقة”، وكان الكتاب بيوضح العلا.قة الغير معروفة بين خصائص النا.ر والجن الأحمر، وكان فيه باب كامل بيتكلم عن الجالس اللي هو “الميطرون” كنت حاسس إني وقعت على كنز رهيب، مُخيف، تواصلت مع أصدقاء ليا والبعض منهم حذرني وبشدة، وبالأخص كاتب الر.عب أحمد محمود شرقاوي.. بلغني إن العبث في أمور وحيوات الشيا.طين أمر خطر، والأخطر لما تدور في حيوات الجن الأحمر واللي منهم الميطرون، بس أنا مكنش عندي أي استعداد إني أق.تل الشغف ده جوايا، وفتحت الكتاب عشان اقرأ عن الميطرون..

ـ شيطان لاصق، شرير، يتتبع البشر أينما ذهبوا، يجلس فوق أكتافهم، ويستنزف حيواتهم حتَّى يتركهم كومة من العِظام والجلد المهترئ، ابن سمسمائيل وحفيد الشيطان الأكبر، يحضر حينما تردد تلك الكلمات ثلاث مرات، يراقبك لثلاثة أيام، وإما يتركك أو تروق له فيلازمك حتى المما.ت.. الكلمات هي: معكوس شي.طان أحمر باللغة المسمارية؛ “مسوسابرانوايل”.. فضلت أبص للكلمات وأنا مش فاهم، لحد ما قدرت أفهم، أنا ممكن أعكس الكلمة دي يعني؛ “مسوسابرانويل” هتكون “ليونار باسوسم”.. أول ما نطقت الكلمة حسيت إن الموضوع كوميدي أكتر منه مُخيف، وده خلاني اتشجع أكتر وأقولها تاني وتالت..

ـ “ليونار باسوسم” “لوينار باسوسم” مش عارف ليه حسيت وقتها بحرارة غريبة بتمسك في راسي من ورا، حرارة غريبة، بس الأمر انتهى عند كدا، استنيت حاجة تحصل زي أفلام الر.عب بس مفيش أي حاجة حصلت إطلاقًا، وهو أنا كنت متوقع يحصل أيه يعني، النور يق.طع، ولا أشوف كيان مُخيف يظهرلي..

ضحكت على سذاجتي اللي زادت عن حدها ودخلت أنام، وكانت ليلة من الليالي السيئة، ليلة فكرتني بمو.ت أبويا وأمي وجواز أختي في محافظة بعيدة، ليلة بتعرفك إنك لوحدك، محدش مهتم بوجودك، بل وجودك من عدمه مش فارق مع حد، أنت مجرد لا شيء في الدنيا ونهايتك قربت أوي، وما أسوأ هجوم العقل في الليالي الشتوية المُخيفة، وعلى الفجر كُنت يادوب نايم، نوم أسود مُخيف، حاسس إني واقع في بير مُظلمة، وكأني متكتف بألف سلسلة وسلسلة..

ليلة غريبة، صعبة، إحساس بقبضة الصد.ر وتسارع الأنفاس، إحساس وكأنك بتمو.ت بالبطئ، وكأنك محبوس في أرض الضلمة والخوف، بس في النهاية أنا صحيت، صحيت وأنا حاسس إن جسمي كله م.ت.ك.سر، كأني قايم من خنا.قة اتض.ربت فيها بألف عصاية ضخمة، وكأن عضمي كله اتك.سر.. جسمي منمل، تقيل أوي، وصداع ماسك راسي كلها، وعنيا مزغللة بغباء، قمت بالعافية من مكاني وأنا بتماسك عشان مقعش مكاني، ببص في الساعة لقيتها ١٢ بالليل، فتحت عنيا زي المجنون من الصد.مة، أنا نمت كل ده ازاي، حوالي ٢٠ ساعة نوم، قمت بالعافية والصداع بياكل في راسي، دخلت الحمام ومستنتش المية تسخن في البرد ده..

كنت عايز أفوق شوية من التعب والإرهاق ده، فتحت الدش ونزلت تحت المية الباردة، المية نزلت على جسمي وكأن كهربا مسكت فيه، جسمي ارتجف، وحسيت ببرودة رهيبة بتمسك فيه، وصفير شديد اختر.ق ودني كأني فقدت حاسة السمع، بعد ثواني كنت اتعودت نوعًا ما على المية الباردة، بس جسمي كله اتخشب لما سمعت صوت قريب مني أوي.. صوت حد بيترعش، كأن فيه صوت اصطكاك أسنان لحد معايا في الحمام، قفلت الدش وسمعت لقيت الصوت اخت.فى، قلت يمكن بتخيل من التعب اللي فيا، فتحت الدش وسمعت نفس الصوت..

هووووووه هووووووه هووووووووووووه قفلت الدش وقررت أخرج من الحمام قبل ما اتجنن من اللي بسمعه ده، لبست هدومي وعديت قدام مراية الحمام بالصدفة، بس لفت نظري مشهد أسوأ من أسوأ كوابيسي، أنا شوفت قِزم، مسخ، راكب على كِتفي وماسك في راسي من فوق، وقفت زي لوح التلج قدام المراية باصص زي المجنون اللي بينازع سكرات المو.ت، مش مستوعب حقيقة اللي أنا شايفه ده..

مسخ، عامل زي القرد بس من غير شعر، صوابعه طويلة أوي ووجهه وجه راجل عجوز، شعره أبيض، وعنيه سودة جاحظة زي الأسماك، وكان لافف صوابعه بقوة على راسي محاوطها كلها، في اللحظة دي وأنا تقريبًا حاسس إن روحي بتطلع بص ناحيتي، وعنيه جت في عنيا، كمية طاقة رهيبة دخلت جسمي، حسيت بكل المشاعر المم.يتة، القا.تلة، كأني بتعذ.ب في قلب الجحيم، كأني مسجون في زنزانة نص متر، أو متعلق على قمة جبل شاهق، أو غرقان في قاع المحيط، ويمكن بتحر.ق في قلب الج.حيم..

هو ده الإحساس اللي حسيته وقتها، إني في وضع رهيب، في مكان كله عذاب، وألم، وآهات، ووجع كبير أوي، رجعت لورا وأنا مش قادر اتنفس، خرجت زي السكران برة الحمام ويادوب خدت أنفاسي ووقعت على الأرض عرقان، حاسس إني طالع من الجحيم ولسة بتنفس أول نفس ليا برا النا.ر، زحفت ناحية أوضتي وقعدت على السر.ير، عقلي واقف، مش قادر أفكر، ولا استوعب، ولا حتى أهمس.. في اللحظة دي كانت المراية قدامي، مراية الأوضة، فوجئت إن مفيش حاجة على كتفي، أيه ده؟!

يعني أنا كنت بتخيل، اللي شوفته مكنش حقيقي، وقتها بس قدرت أتنفس، ووقعت في غيبوبة طويلة أوي، غيبوبة صحيت منها بنفس التعب، ونفس الصداع، ونفس الثِقل الغريب على كتفي واللي بقا محسوس أوي، وبرضه صحيت بالليل، وكأني بقيت بفقد الوعي لأوقات طويلة جدًا، أول ما افتكرت بصيت بر.عب لمراية الأوضة، بس مفيش حاجة، أنا بس اللي عنيا باهتة وشكلي نحيف وغريب، دخلت أغسل وشي في الحمام.. بس بس شوفته، أيوة شوفته، وكأنه مبقاش يظهر غير في مراية الحمام..

نفس المسخ، قاعد على كتفي، بس المرة دي كان مش نحيف، كان أتخن شوية، وشه كمان تخن أكتر وبقا شكله مُر.عب أكتر، وقعت من طولي، على أرض الحمام، مش قادر اتحرك، ولا قادر أعمل أي حاجة، خرجت أجري في الشقة زي المجنون، أبص في المرايات، مش شايفه، مبيظهرش غير في مراية الحمام، ووسط تحركاتي المجنونة فيه صوت اختر.ق ودني من جوة، صوت بيقول: ـ متتحركش كتير عشان هتوقعني..

أنا اتجننت، ضحكت، وصرخت، وبدأت أدور زي المجنون، وقتها حسيت بصوابع بتنغرز في جبهتي، صوابع نحيلة، صلبة، كأنه بيعاقبني على أفعالي، صرخت أكتر، واتألمت أكتر وأكتر، وقعدت على الأرض أبكي، أنوح زي الستات، أعوي زي الذئاب.. الضعف عمال يزيد، والثِقل عمال يزيد، كل ساعة بتعدي بضعف أكتر، وبحس بثقل الحِمل على كتفي أكتر، كأني شايل بغل على كتفي، دخلت على سر.يري زي العجوز اللي عنده ٩٠ سنة، ونمت، نمت نوم ثقيل، نوم مش قادر اتنفس فيه من حجم الثِقل اللي على جسمي..

ولما صحيت حسيت إن جسمي هيت.ك.سر من الثِقل اللي عليه، مكنتش قادر أقوم، حاسس بالإيد بقت ضخمة، قوية، وماسكة في كتفي كله، حاولت أقف مقدرتش، مرة واتنين لحد ما قدرت أقف، وبصيت في المراية، أيوة هو مكنش موجود لأنها مش مراية الحمام، بس وشي كان مضغوط بأثا.ر أصابع غليظة، كأن فيه حد ضاغط على خدي بكل قسوة..

عنيا كانت مي.تة ووجهي نحيف، جسمي في أيام بس بقا شوية عظم على جلد، حسيت إن اللي عليا بقا ثقيل أوي وماسك بكل قوته في جسمي عشان ميقعش، ميقعش غير لما أنا أمو.ت، مش قادر أقول أنا بعد يومين هكون فين، بس جه الوقت اللي لازم أكشف فيه عن شوية أسرار.. جن الميطرون بعد بحث طويل عنه وأنا بنازع الموت اكتشفت إنه جن خبيث، حضوره سهل وبسيط جدًا، ممكن بس لما تقرأ عنه بيحضر، أو تقرأ الكلمات اللي كتبتهالك فوق ولو في سِرك بس، ولما بينتهي من ضحيته وخلاص مبتبقاش قادرة تشيله ويتغذى عليها بيدور على ضحية جديدة..

بس قبل ما يختارك بيزورك زيارة بسيطة، زيارة عابرة، بيشوفك مناسب لرغباته ولا لا، هتحس بحرارة وقتها في ضهرك، خاصة وأنت بتقرأ الكلمة؛ “ليونار باسوسم”.. هتحس بتنميل في كتفك بسيط، وهتصحا تاني يوم مُرهق أوي ومصدع، وقتها أعرف إنه زارك، وإن استقراره على كِتفك محتاج وقت بسيط بس، أو ممكن تكون محظوظ ويشوف شخص غيرك، بالأخص لما يبقا عدد كبير منكم يقرأ القصة، وقتها بتبقا حفلة من الجحيم، لأنه هيزوركم واحد واحد، عشان يقرر مين الض.حية بتاعته..

زياراته بتبقا في خلال تلت ليالي بس، بيعشق الفتيات بالأخص، ولا مانع من أهلاك الشباب، حضوره يعني هلا.كك، ورحيله يعني نجاتك، مفيش غير طريقة واحدة بس للنجاة من براثن الميطرون، وهي إنك تقرأ أذكارك قبل ما تنام، غير كدا فكلنا معرضين للخ.طر.. من مذكرات صديق.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى