
هي قصة واحدة بتتحكي، لدرجة إن كل عمال المصحة حفظوها عن ظهر قلب، قصة اتقالت للدكاترة، واتقالت للعمال، واتقالت للجنة الاستشاريين، واتقالت حتى لعم متولي الغفير، قصة رغم تكرارها بتبث الرهبة في نفس أي حد بيسمعها، خاصة إن اللي بيحكيها وشكله يقطع القلب ده كان بيتسمى بشيطان الطريق، شيطان الطريق اللي بقا بيتبول على نفسه من الحالة اللي وصل ليها.. يومها كنت محتاج قضية أكتب عنها على الموقع بتاعي الخاص بالغرائب والماورائيات، وكنت فعلًا في أشد الاحتياج لحاجة غريبة وجديدة، وفي نفس الوقت حاجة حقيقية وفيه إثبات عليها، وملقتش غير زميلي الطبيب النفسي اللي شغال في مستشفى الأمراض النفسية..
ياما روحتله وطلبت منه ومكنش بيتأخر عليا، وأعتقد إن جه الوقت أزوره ولو زيارة بسيطة، اتصلت بيه وبلغته إني هستناه على الكافيه اللي جمب المستشفى الساعة خمسة عشان نقعد ويحكيلي عن أي قضية جديدة، وافق طبعًا واتفقنا وقفلت معاه، وعلى الساعة ٤ لبست هدومي وطلعت على الكافيه، وصلت تقريبًا الساعة خمسة إلا ربع واستنيته شوية، بس الانتظار طال لحد خمسة ونصف.. اتصلت بيه عشان أشوفه لقيته بيعتذر إن عنده شغل وهيتأخر شوية، قولتله مفيش مشاكل ونتقابل يوم تاني، بس هو أتكلم بانفعال وقال:
ـ يا جدع عيب اللي بتقوله ده، تعالى المستشفى نقعد هنا عادي، كل الناس مشيوا ومفيش غيري أنا واتنين دكاترة.. ـ عشان بس مسببلكش ضرر في شغلك.. ـ ضرر أيه يابني أنا هنا الكل في الكل، هسيبلك خبر مع الأمن وهتدخل على طول.. معرفش ليه حسيت برهبة وأنا ماشي ناحية المستشفى، وبالأخص لما قرأت الاسم المكتوب على اليافطة؛ “مستشفى الأمراض النفسية والعصبية”..
طول عمري بتخيل الناس اللي جوة حالتهم عاملة ازاي، اللي مجنون واللي موهوم واللي ملبوس بالجن، اللي مقدرش يقاوم ظلم الدنيا واللي اتداس بالرجلين، الظالم والمظلوم واللي بيمثل والمُدمن، عالم تاني لو بس فكرت فيه ممكن تتجنن من اللي هتشوفه.. حتى شكل المستشفى نفسه كان غريب ومُخيف أوي، شكل الأشجار والزرع باهت رغم إنه في قمة التنظيم، كأن الزرع نفسه اتنقلتله عدوى الحزن والقهر اللي جوة النزلاء.. وصلت للبوابة وبلغتهم إن معايا مقابلة مع الدكتور حسن عبد الرازق، خدني فرد أمن ودخلني للدور الأرضي، شوية ودخلت مكتب للدكتور اللي استقبلني بتوتر وقلق، بصيت في عنيه وسألته بخوف على صاحبي:
ـ مالك؟! ـ موقف غريب من المواقف اللي مبتخلصش.. ـ طيب عرفني فيه أيه؟؟ ـ مريض متهم في قضية ق.تل وكنت في جلسة نفسية معاه عادي لقيته حرفيًا بيتحول.. ـ بيتحول يعني أيه؟! ـ مش عارف أوصفلك بس دي تقريبًا أغرب حاجة أنا ممكن أقابلها في حياتي.. ـ طيب ما تدي لأخوك فكرة حكاية جديدة عشان مقال الأسبوع.. ـ مانت لو بتدفع مبلغ كويس زي الناس كنت حكتلك.. ـ هتاخد فلوس من صاحبك يا مادي
ابتسم ابتسامة غامضة كدا وبعدها قالي: ـ أنا هعمل معاك واجب محصلش قبل كدا.. فرحني.. ـ هخليك تسمع من الحالة دي شخصيًا.. ـ بتتكلم بجد؟؟ ـ أيوة بتكلم بجد، تعالى.. مشينا في طرقة المستشفى، التكييف البارد والحوائط البيضا اللي تقبض القلب، دخلنا من بوابة حديد صغيرة ناحية عنبر الرجالة، وفي نهاية الممر وقفنا قدام باب حديد، طلع الدكتور المفتاح وفتحه، وورا الباب كانت فيه شبكة تفصل بينا وبين المريض.. أتكلم الدكتور بصوت عالي وقال: ـ أحكي لأستاذ أدهم عن الغول يا سعد..
وقتها ظهر سعد قدامنا، وشوفت وشه، الراجل عنيه شاخصة ناحية الفراغ بطريقة ترعب، وجسمه هزيل وشعره طويل أوي، وسنانه عمالة تعض على شفايفه بطريقة قاسية، كأنك بتتفرج على وحش مش إنسان بشري.. بص ناحيتي ولمحت في عنيه نقاط حمرة دموية كتير، وزي الإنسان الآلي بدأ يتكلم ويقول: ـ الغول.. الغول واقف على الطريق.. الغول واقف على الطريق.. ……………… كنت شيطان واسمي كان الشيطان، شيطان معاه عصابة بيقف على الطريق بالليل عشان يثبت المسافرين على الصحراوي ويسرق متعلقاتهم وعربياتهم، وكنت مقابل كل ده مستعد ارتكب ألف جر.يمة ق.تل، المهم إن مفيش ضحية تفلت من تحت إيدي مهما كانت..
كنا قاعدين في الجبل، بننصب الفخاخ على الطريق بالليل لعل وعسى عربية تقف فناخدها من صاحبها تحت تهديد السلاح، واحد يقف يعمل نفسه تايه ويشاور، نقف بعربية على جمب الطريق كأنها عطلانة، واحد يلبس ملابس ست ويشاور للعربيات.. كان عندنا ألف خدعة وخدعة، وكان عندنا ألف مخبأ في الجبل جوة، وياما توهنا الشرطة ومعرفوش يقبضوا على واحد فينا، و الأسوأ إن الأيام دي محتاج فلوس بأي طريقة، محتاج حوالي ١٥٠ ألف جنيه خلال أسبوع عشان أول شحنة سلاح هتدخل البلد عن طريقي، ومش مستعد أفشل في ده مهما حصل..
يعني بالميت عاوز تلت عربيات عشان نصيبي من وسط الرجالة يوصل للرقم ده، يومها بالليل وعلى الساعة ١٠ تقريبًا نزلنا من الجبل على الطريق الصحراوي اللي الوقوف عليه بالليل بيحسسك إنك واقف في عالم تاني؛ ظلام وبرد، عربيات بتجري زي الصواريخ، ورهبة ما بعدها رهبة، خاصة لما تسمع صوت العربية اللي بتجري وتشوف وميض اللهب اللي بتسيبه وراها، بس أنا كنت الشيطان..
شيطان الطريق، اللي الحكومة بقالها سنين عايزة تقبض عليه ومش عارفة، الشيطان اللي بيهابه الطريق نفسه، اتخفينا على الطريق ووقف كرم يشاور للعربيات لعل وعسى عربية تقف، بس الناس كانت شبعت أخبار عن جرايم الطُرق، وده خلى كرم يقف أربع ساعات كاملين من غير ما حد يقفله، بل والعربيات لما كانت بتلمحه كانت بتزود سرعتها، وانتهت الليلة من غير ولا صيد واحد.. والليلة التانية عدت بنفس النظام رغم إن كرم اتخفى في ملابس واحدة ست، وتالت ليلة نفس الكلام، سوء حظ رهيب كان بيطاردني، وفلوسي لازم تكون حاضرة على نهاية الأسبوع..
في اليوم الرابع كنت غضبان، مش طايق نفسي، كان عندي جرأة إني أق.تل اللي معايا وأبيعهم أع.ضاء، المهم أجيب فلوس، وبعد تلت ساعات من الانتظار المر.عب طلعت بعربيتي المتخفية في وسط الطريق وسط ذهول الرجالة اللي معايا، ومع أول عربية جاية قفلت عليها الطريق، وسمعت صوت الفرملة من مسافة نص كيلو تقريبًا.. سواقها عرف إني قاصد أقفل عليه، وبدأ يتحرك بعشوائية بعربيته عشان يعدي من جمبي، بس أنا قفلت عليه، يا أما يخبط فيا أو يقف، وقبل ما يخبط في عربيتي بلحظات انحرف بالعربية ودخل في قلب الرملة لحد ما وقف..
في لحظة خدت سلاحي وجريت عليه، وقبل ما أوصل للعربية لقيته طلع من الرملة، وجري، جري بالعربية على الطريق تاني، ومكنش قدامي غير لحظة واحدة، وأنا متردتش، وض.ربت الطلقة ناحيته، وبالأخص في دماغه، ووقفت عربيته، وقفت وأنا سامع صراخ وبكاء شديد.. وصلت العربية لقيت ست بتصرخ وبنت صغيرة بتبكي، صرخت فيهم ينزلوا، الراجل جوزها كان ميت ودماغه بتسيل بالدم، شالوه كرم ورضا بسرعة وأنا ركبت العربية وجريت بيها، وهما خدوا الجثة ورموها على الطريق ودخلوا في قلب الجبل، أما أنا فجريت بالعربية زي الصاروخ، وبعد كام كيلو هلاقي طريق صغير أعرف أدخل منه بالعربية في الجبل..
كنت فرحان وحاسس بالإثارة، عربية غالية أوي هتجيب مبلغ ممكن يغنيني بالفعل، وبعد دقايق كان المدق قدام عيني، المدق اللي هدخل منه على جانب الطريق للجبل.. هديت سرعتي و….. ولمحته واقف سادد المدق، راجل لابس أسود وجسمه ضخم، ضخم جدًا، وقفت أض.ربله كلاكس عشان يتحرك بس هو كان ثابت زي التمثال، دوست بنزين مرتين بعنف كنوع من أنواع التهديد، وقتها اتحرك ناحية العربية، وفي لحظة العربية عطلت، حاولت أدورها مرة واتنين بس كانت مبتتحركش، ومع ذلك الكشاف الأمامي كان متسلط على الراجل ده..
واحدة واحدة ظهرت ملامحه، ولأول مرة في حياتي أحس بالخوف، لا بالرعب، الراجل وشه كان أسود متفحم، وعنيه بيضا زي التلج، وعنده أنياب ضخمة لونها أحمر ملتهب، وكان بيزوم، أيوة كان بيزوم زي الوحش، وصوت أنفاسه خشن، عالي، وكان واصلني.. حسيت بالجنون، دورت العربية مرة واتنين وتلاتة بس كانت واقفة، جسمي كان منمل كأنه مشلول تمامًا، وأنفاسي كانت واقفة، مش قادر اتنفس ولو مرة، في اللحظة دي كان وصل، وصل وحط وشه قدام وشي، وبدأ يزوم ويفتح بقه عشان تظهر أنيابه قدام عينيا أكتر، وجوة عنيه شوفت ناس بتتحرق في النار، شوفت ناس عريانة بيصرخوا وكأنهم في قلب الجحيم، وشوفت..
شوفت نفسي في النار دي بتحرق، شوفت سلاسل من نار رابطة جسمي وبتدوب لحمي وجلدي، و….. ……………… في اللحظة دي سعد عض على لسانه بعنف شديد لحد ما قطع حتة من لسانه، كان بيتنفض، بيصرخ، والدم نازل من بقه بشكل بشع، التمريض لحقوه ودخلوه الرعاية وأنا قدامه واقف مذهول، مش قادر أنطق..
اللي عرفته بعد كدا إن الست وبنتها ربنا كرمهم وعربية وقفتلهم، وحكت للسواق اللي حصل، واتصلوا بالشرطة والإسعاف، الغريب بقا إنهم لقوا تاني يوم الصبح عربية القتيل على مدق الجبل وجواها سعد وجسمه كله متخربش ومتعور بطريقة بشعة، ومع ذلك كان حي، بس كان عامل زي الجثة اللي بدون روح.. معرفوش في التحقيقات ياخدوا منه حق ولا باطل، في النهاية راح المستشفى، وبقا مبيحكيش غير نفس الحكاية كل يوم، الغول بيجيلي كل ليلة بالليل..
كلها أسبوع وانتحـ ـر في الحمام بطريقة من بشاعتها مش هقدر أقولها، وللأسف مأشفقتش عليه، لأنه يستحق العقاب، وكل اللي مبيحترمش الطريق يستحق الغول، اللي بيجري باستهتار وبيعرض حياته وحياة الناس للخطر، اللي مش بيلتزم بمكان السير المخصص بتاعه يستحق يطلعله الغول، اللي بيأذي الناس على الطريق يستحق الغول.. الغول اللي ناس كتير أجزموا إنه موجود بالفعل على الطريق مستني كل شخص مابيحترمش الطريق عشان يعاقبه بعقاب مُخيف.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




