روايات

الشيخ عبد المولى للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كل الناس في بلدنا عارفين إن الشيخ عبدالمولى كشاف عن الآثار الفرعونية اللي في باطن الأرض، وكل الناس عارفين مين من أهل البلد الشيخ عبدالمولى راحله وطلع من عنده آثار ومين لا، بل وعارفين إن كل شخص طلع وبنى بيت فخم أشبه بالفيلا على النيل برة فهو من الآثار ولا شيء تاني، بس محدش كان بيجهر بالكلام ده، الكل كان ساكت وإن كان من جواه بيتمنى اليوم اللي الشيخ عبدالمولى هيخبط فيه على بابه عشان يقوله إننا هنحفر في بيتك ونطلع آثار..

سمعنا كتير عن حاجة معرفش إذا كانت حقيقية ولا لا، بس يقال إن فيه كنوز لأسرة كاملة تحت القرية بتاعتنا، حوالي ١٠٠٠ تمثال فرعوني وتابوت الملك، ويقال إن الكنز كامل لو اتجمع مش هتكفيه كل أموال الأرض، وإن الشيخ عبدالمولى شغال مع ناس من ٢٠ سنة وكل هدفهم يبحثوا عن الكنز كامل، بل ويقال إن باقي حوالي ١٠ تماثيل بس والتابوت الذهبي في آخر مقبرة واللي بيبحث عنها الشيخ بكل الطُرق الممكنة..

الكلام كان منتشر وفيه شيء كبير من الحقيقة كمان، وأنا وصلت لمرحلة من الفقر موصلهاش أي شخص في البلد تقريبًا، ببساطة لأن ابني وكل ما ليا في الدنيا مصاب بسرطان الدم، وبعمله جلسات في المركز بفلوس كتير، كتير أوي، لدرجة إني كنت بقعد أيام مفيش أي أكل في البيت، بشتغل عامل باليومية وبقا بعض الناس بيجبوني لشغل تافه ويدوني يومية تلت أيام رفقة بحالي وحال ابني، بل إن بعض مشايخ المسجد كانوا بيجبولي فلوس عشان جلسات حسن ابني بعد صلاة الجمعة كل أسبوع..

وده خلى الأمل يتجدد في نفسي كل فترة بعد ما بيصبني اليأس، كنت بسرح كتير مع نفسي؛ ليه ربنا خلق اللي مش محتاج ولا عنده ابن مريض غني؟؟ وليه خلقني أنا فقير لا وكمان ابتلاني بابن مريض ومش عارف هيعيش معايا ولا هيمو.ت كمان؟؟

كنت غصب عني بيأس كتير من رحمة ربنا، وشايف بتفكيري القاصر إن ده مش عدل والعياذ بالله، أيوة أوقات ممكن أكفر بتفكيري، بس غصب عني الفقر كان مخليني مقرب من ربنا، خمس صلوات في المسجد، بتقي الله في أي حاجة، لأني طالما مش طايل الدنيا فلازم أحارب عشان الآخرة، بس من جوايا ياما اتمنيت لو ربنا يغنيني، وقتها هفضل إنسان تقي زي مانا وكويس، بس هعيش أحسن من الحياة اللي عايش فيها دي، بل وهساعد الفقراء والمساكين ومش هخلي حد محتاج، بس ربنا يغنيني..

طق طق طق سمعت صوت طرقات على باب بيتي، فتحت الباب والبؤس كله ظاهر على عنيا، بدعي ربنا يكون خير وشخص جايبلي خير كبير، وإذ به الشيخ عبدالمولى واقف قدام باب بيتي.. قلبي اتنفض من مكانه، ورحبت بيه ترحيب رهيب، وكأني برحب برضوان خازن الجنة وأنا داخلها، دخل البيت مبتسم ابتسامته الغامضة وقال بصوت وقور: ـ الرزق بيدق بابك يا منتصر.. رديت بلهفة شديدة وقولت: ـ وأحنا بنسعى على الرزق يا شيخ وخدامين لقمة العيش..

بص في عنيا بعمق وقال: ـ يعني جاهز؟؟ ـ جاهز يا شيخ.. ـ هسأل البشوات ولو حبوا يعطفوا عليك يبقا هندخل للمقبرة من بيتك وهينولك نصيب منها كبير.. ومشي وأنا قلبي هيقف من شدة ض.رباته، فرحان فرحة مبالغ فيها، بل وصليت ركعتين وعاهدت فيهم ربنا إني لو اتفتحلي باب رزق منها هتبرع للغلابة بنص المبلغ اللي هيجيلي.. استنيت يوم، واتنين، وتلاتة، ومش عارف أوقف دُعاء إن ربنا يجعل ليا نصيب من الرزق ده، وفي الليلة التالتة شوفت قدامي تفاحة شكلها حلو أوي، بس كل ما كنت بقرب عشان أكلها كان حد بيهمس في ودني وبيقولي لا، لا..

اتكرر الموضوع ست مرات وأنا من جمالها كل مرة بعافر عشان أقطفها من مكانها، وأول ما قطفتها اتحولت لثعبان عضني من إيدي بشراسة، صرخت وصحيت من نومي عرقان وقلبي بيدق.. ورجع الشيخ عبدالمولى من تاني، رجع ونسيت كل حاجة وعنيا برقت ناحية الحلم، حلم الدهب والفلوس، حلم علاج ابني المريض، واتفقنا إننا هنبدأ حفر بعد يومين بالظبط وهو هيتكفل بكل المصاريف للنهاية، وقالي نصًا أنت نصيبك هيكون ١٠ مليون جنيه..

وقتها اتوهمت، جسمي اتنفض، وضحكت، ضحكت زي المجذوب، حاولت اتأكد منه إن هل فعلًا فيه دهب تحت بيتي، ولقيته أكد على كلامي وإن خلال أسبوع هيكون الدهب طالع ونصيبي من الفلوس حاضر كمان، وسرحت بخيالي طول اليومين، سرحت أوي، لو طلعت ٥ مليون للفقراء هيتبقا ليا ٥ بس، ولو عملت بيت كبير ب ٢ مليون هيبقا معايا تلاتة بس، طيب مانا أطلع مليون واحد للغلابة، وهيبقا كتير برضه، أو لما أشوف مصاريفي كلها أبقا اتبرع باللي هيتبقا..

وفضلت صاحي، مكنتش بعرف أنام من التفكير، بتراودني أحلام كتير، أولها الجواز بعد مو.ت مراتي، وعلاج ابني، وبيت، وعربية، وأشارك بفلوسي في مشروع كبير، أو اشتري أرض، يااااااه، أنا مبسوووووط، مبسوووووط أوووي.. وبعد يومين حضر الشيخ ومعاه ستة حفارين، دخلوا بالليل وسط سكوت القرية واتفقوا على الحفر في الأوضة اللي جوة البيت خالص، وبدأ الشيخ يولع شموع على شكل نجمة، ويردد طلاسم غريبة، ويكتب بالفحم حروف مش مفهومة.. اتصدمت، واتشل لساني، الراجل بيتعامل بسحر صريح، بل وجاب قدام عنيا ديك ودبحه جوة الأوضة على نجمة مرسومة، وكتب بالدم بتاعه طلسم..

كنت ببص ناحيته بذهول، ألف حاجة جوايا بتصرخ، ارفض، حرام، بلاش، بس حلم الدهب رجع يطفو من تاني، الحلم الجميل اللي مش عاوزه ينتهي قبل ما يبدأ، وهو لما لاحظ نظراتي بص ناحيتي بصة تهديد ووعيد، وقال بصوت قاسي: ـ معترض على حاجة ولا أيه؟! ـ لا لا أبدًا يا شيخ مش معترض.. ـ لو معترض أو مش راضي من جواك مفيش حاجة هتكشف عن نفسها واتكلم فجأة بنبرة صوت عالية وقال: ـ راضي ولا مش راضي؟؟

ـ راااضي يا شيخنا راااضي.. وابتسم، ابتسم ابتسامة شيطان، وشاور للحفارين عشان يبدأوا، وض.رب الفاس الأرض مرة واتنين وعشرة ومية وألف، وبدأت الحفرة تتسع مع الوقت، ويدعموها بالخشب من وقت للتاني، والتراب اللي كان بيطلع كان بيتعبى في شكاير ويترص في أوضة تانية.. وعدى اليوم الأول، وعدى اليوم التاني، وحتى اليوم التالت كمان، لحد ما بدأت الحفرة تنزل لعمق أربعة متر، وبدأ الشيخ يبشرنا بقرب الوصول للحلم، وبعد يوم كامل كمان سمعت زعيق من آخر الحفرة، كان واحد منهم بينادي الشيخ ويقول:

ـ لقينا الباب، لقينا الباب.. وجريت زي المجنون اتنطط من الفرحة، ونزل الشيخ تحت وبدأ بصوت صريح وواضح يقسم على الجن بالعون والمدد، شرك وكُفر صريح بالله، ورجع النداء من تاني، تحذير رهيب جوايا بيقولي أصرخ، أنادي الناس، وأي عقاب بعد كدا هيكون أسهل من أي عقاب تاني في الآخرة.. بس الدهب خلاني أسكت، واتجاهل كل نداء جوايا، وبدأ الشيخ يزيد في قسمه، ويكتب طلاسم على الباب الحجري، بس الباب كان صخر، صخر قاسي رافض يستجيب لأي حاجة مهما كانت..

وخرج الشيخ، خرج وعنيا فيها نظرات قلق شديد من إن الموضوع ميكملش، بس هو طمني وقال إنه هيسيب البوابة يوم تدوب بالطلسم، وطلب مني وقتها أروح للعطار اللي في أول البلد واشتري مسك أسود، وجريت عشان أنفذ المطلوب، وبعد نصف ساعة رجعت، رجعت لقتهم في الأوضة، ولقيت البهجة والفرحة في عيونهم.. وبشروني بإن الباب اتفتح، بس هيسيبوه ساعتين عشان الهوا يتجدد وينزلوا وخرجنا كلنا برة الأوضة، وفضلت مترقب، عنيا بتلمع من السعادة، بس وقتها لاحظت على الحيطة حاجة غريبة، نمل أصفر أوي وبيلمع زي الدهب، صف نمل طويل أوي ماشي علي الحيطة لحد باب البيت..

شكله كان عجيب أوي، عجيب لدرجة إني اتسحرت بيه، وفضلت أراقبه زي المجنون بعيون زايغة لوقت طويل، كأني مسحور بجماله وشكله البراق، وفي النهاية عقلي رجعلي، رجعلي لما اختفى النمل، وبصيت حوليا، فين الناس.. دخلت أوضة الحفر، مفيش حد خالص، والحفرة في نهايتها فيها أحجار كتير أوي كأنها اتردمت شوية، دورت على الناس في كل مكان ملقتش حد، حسيت بذعر كبير، ببص ورايت لقيت ابني المريض، جريت عليه بلهفة وسألته: ـ الناس فين؟! لقيته ردد بصوت آلي غريب:

ـ خدوا الدهب كله وخرجوا.. جريت زي المجنون في الشوارع، مش لاقي أي حد إطلاقًا، رجعت البيت، رجعت وأنا مذهول، حاسس بطعنة رهيبة، ولقيت ابني واقف على الحفرة وبيبص فيها بثبات غريب، قربت منه وأنا بنهج، عرقان، سألته وأنا في قمة ذهولي: ـ أنت متأكد إنهم مشيوا يابني؟! لقيته بص ناحيتي بثبات رهيب، وجالي صوته، صوت خشن، قاسي، مُفزع، وقال: أنا مش ابنك، ابنك مقتول في المقبرة تحت..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى