روايات

صوت الماعز للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

نزلت أنا وأختي من شوية عشان نشتري أي حاجة للأكل بعد ما كنا خلاص هنمو.ت من الجوع، وأول ما خرجنا من البيت سمعنا صوت غريب جاي من البيت اللي جنبنا، كان صوت عامل زي صوت الماعز، لكن الصوت غصب عني قشعرني، لأن الصوت كأنه مفهوم ولو ركزت هتسمع حد بيتكلم بس بصوت ماعز، همست لأختي إن كانت سمعت، لقتها مش مركزة معايا وراكبها الهم والغم..

أختي مكنتش عايزة ترجع البلد أبدًا ونفضل عايشين في القاهرة، لكن الظروف أجبرتنا نيجي نعيش في القرية دي، وانهاردة بس أخيرًا نقلنا كل حاجتنا ونازلين نشوف أي محل فاتح نجيب منه أكل، حاولت أتكلم مع أختي وأهون عليها لقتها اتعصبت وسابتني ورجعت البيت، مش متحملة اليومين دول كلمة من أي حد ويمكن معذروة، كملت طريقي لحد ما لقيت محل فاتح، اشتريت منه علبتين جبنة وكيس عيش ورجعت من تاني، البلد في حالة صمت غريبة، الجو ليل والمكان فعلًا مُخيف..

وأول ما رجعت وقبل ما أوصل لبيتنا عديت من تاني على البيت القديم اللي سمعت منه الصوت، وكان الصوت لسة موجود، تأملت البيت، بيت قديم أوي طالع قدامه شجرة ليمون شكلها مُخيف جدًا، وأوراقها ناشفة بطريقة غريبة، والصوت عمال يتكرر من جوه، لكن لما ركزت حسيت إنه مش مجرد صوت ماعز، ده كلام بيتقال، أو كأن حد بيكلم المعزة دي وهي بترد عليه، بترد بنبرة صوت المعزة لكن فيه حروف بتتقال.. أيوة فيه حروف وكأنها بتقول:

ـ ولاااااااااااء.. ـ ولاااااااااااء.. معرفش ليه حسيت بشعر جسمي كله بيقف ودخلت على البيت ومحكتش أي حاجة، كفاية المشاكل اللي بين أبويا وأختي بسبب موضوع النقل، مش عايزة أكبر المشكلة وأخوف أختي من المكان، وفي النهاية كل واحدة فينا دخلت أوضتها عشان تنام، لكن في الليلة دي مقدرتش أنام إطلاقًا، الموضوع كان صعب جدًا، لأنها أول ليلة ليا في مكان غريب ومش متعودة أنام فيه أبدًا..

ولقيت نفسي بعد تفكير طويل بطلع على سطح البيت، من زمان بحلم باليوم اللي أقعد فيه على سطح بيت في منطقة ريفية وأفضل أتأمل السما والهدوء، وفعلًا كل ده كان موجود في المكان، القمر، والنجوم، والصمت، والهوا اللي يسحرك فعلًا.. وأثناء اندماجي في الحالة دي جالي إحساس إن فيه حد بيراقبني، إحساس غريب خلاني أبص ورايا، وقدام عنيا شوفت مشهد جمد الدم في عروقي، على سور البيت اللي جنبي كان واقف (تيس) ضخم له قرون كبيرة وبيبص ناحيتي بعيون عاملة زي عيون الشيطان..

كأنه واقف يراقبني أو بيتأملني، الغريب إنها كانت عيون إنسان مش عيون حيوان أبدًا، كانت أبشع عيون ممكن تبص فيها في حياتك كلها، بالإضافة للأجواء، ليل وصمت وعلى سطح البيت وفي مكان أول مرة أقف فيه، فكل دي أجواء كفيلة تخلي قلبي يقف..

تمالكت نفسي بالعافية وحاولت أتحرك من غير ما أضايقه أو أخليه يتحرك، لأن المسافة بين سطح البيت بتاعنا وبتاعهم صغيرة، وجالي إيحاء إنه فعلًا ممكن ينط من السطح ده لده، وبعد عناء وأذكار كتير قرأتها قدرت أنزل من فوق وأدخل أوضتي وأقفل على نفسي الباب، ومن الرعب مقدرتش أنام لحظة واحدة، الرعب اللي زاد لما بدأت أسمع صوت خطوات على سلم البيت، خطوات عاملة زي خطوات الحيوان، وكأنها حوافر بتض.رب في الأرض..

وعدت الليلة معرفش ازاي وقررت مطلعش السطح أبدًا مهما حصل لأن كفاية أوي اللي حصل معايا، لكن واضح إن دي كانت مجرد بداية مش أكتر، لأني مبقتش بعرف أنام تقريبًا بسبب الكوابيس اللي بقت بتهاجمني، وكلها كان بطلها التيس الغريب ده بامتياز، مرة أشوفه بوش شيطان، ومرة أشوفه من غير عيون خالص، ومرة يتكلم معايا وينادي عليا عشان أروح البيت الغريب ده وكأنه عاوزني..

وفضلت أسبوع تقريبًا خايفة أخرج من البيت أو أروح لقرايبنا معاهم، حتى إني مع الوقت بقيت بسمع صوت الماعز ده، كان بيجي من ورا الحيطة بتاعة أوضتي، صوت خشن ومُخيف أوي، يمكن أكتر صوت مرعب ممكن تسمعه في حياتك كلها، لحد ما كنت قربت أتجنن، وملقتش حل غير إني أشغل قرآن ليل نهار في الأوضة بتاعتي لأني فعلًا بقيت خايفة..

لحد ما جت الليلة اللي صحيت فيها على صوت همس غريب كأن فيه حد بيستغيث بيا، والصوت ده كان صوت (نعمة) أختي، قمت من نومي مخضوضة وجريت على أوضتها ملقتهاش، دورت عليها في البيت كله مش لاقية ليها أي أثر، معرفش ليه حاجة قالتلي أطلع على السطح.. وفعلًا طلعت وبصيت على البيت اللي جنبنا، واتفاجئت بأبشع مشهد ممكن أشوفه في حياتي، أختي نايمة على سطح البيت اللي جنبنا والتيس ده عمال يلعق فيها وبيبص بعنيه المُرعبة اللي عاملة زي عنين الشيطان..

حاولت أصرخ صوتي مخرجش، حاولت أنادي عليها تصحى مقدرتش، وقفت على سور بيتنا وبدون وعي مني نطيت على السور التاني، ونزلت على سطح البيت، ولقيت التيس وقف يبص ناحيتي بتركيز شديد، ولمحت على وشه ابتسامة كأنه بيضحك.. تخيل تلاقي حيوان قدامك مبتسم وعنيه زي البشر بالظبط ومبرق ناحيتك، كنت همو.ت لولا إني بدون وعي بدأت أنادي على نعمة بأعلى صوت، أنادي عليها والتيس ثابت مكانه مبيتحركش، لحد ما فعلًا بدأت تفوق وأول ما شافته فضلت تصرخ زي المجنونة، صوت صراخها خلى الجيران يصحوا بس وقتها كنت سحبتها ورجعنا على سطح البيت بتاعنا ونزلنا نجري..

أبويا صحي من نومه مخضوض والجيران خبطوا على بيتنا وكانت ليلة صعبة أوي، لحد ما ظهر وسطهم راجل اسمه (عم شديد) خلى كل الناس يرجعوا بيوتهم وطلب من أختي ومني نحكي كل حاجة، أختي قالت إنها نامت عادي وصحيت لقت نفسها على سطح البيت اللي جنبنا، وأنا حكيت كل اللي شوفته وكان بيحصل معايا بالتفصيل..

عم شديد قالنا إن ده بيحصل من وقت للتاني، لأن البيت ده مسكون من زمان، بيت كان بتاع ست عجوزة اسمها (خضرة) كانت بترعى الماعز كل يوم زي الجماعة العرب، والست كانت حقودة وخبيثة بدرجة لا يتصورها حد، لدرجة إنها من حقدها على واحدة تانية في البلد بتربي ماعز سرقت منها أكبر تيس عندها وحطته وسط الماعز بتاعها..

وقتها وكأن التيس كان غضبان وكان بينطحها ويكسر في المكان اللي هو فيه كتير لحد ما في مرة طلع على السطح ونطح حفيدة (خضرة) البنت الصغيرة الوحيدة اللي كانت عايشة مع جدتها، ووقعت البنت من على السطح وماتت، خضرة من يومها ربطت التيس وحرقته وهو حي بعد ما سلخت جلده وهو صاحي..

ومن بعدها حالها اتبدل، الماعز كله هرب من بيتها ومع ذلك بقينا نسمع صوت ماعز غريب جاي من بيتها كل شوية، الست نفسها كانت بتخرج متعورة ومجروحة وبتقول إن التيس بينطحها كل يوم بالليل، لحد ما اختفت أسبوع ولما الناس دخلوا البيت لقوا جثتها متحللة في مشهد بشع، وبعد دفنها فضل صوت التيس يخرج من البيت والناس يشوفوا حاجات غريبة أوي، ونصح أبويا إننا نمشي من هنا خالص..

أختي ما صدقت طبعًا وأبويا وافق وأجرنا شقة برة البلد خالص، ورغم كدا أختي مكنتش فرحانة، كانت بتقول إنها كانت عايزة تخرج من البلد لكن مش عشان تخرج تتخ.طف من شيطان على شكل التيس، وفضلنا من يومها بنترعب من أي صوت ماعز لحد ما تخطينا الموضوع، واللي اتعلمته من الحكاية دي همشي بيه طول عمري، متحقدش على حد، لأن الحقد كفيل يخليك تعمل جريمة كبيرة، زي السرقة أو الأذى أو حتى القـ ـتل، وفيه جرايم لو عملتها غالبًا هي اللي هتدمرك..

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى