
بقالي فترة بلاحظ حاجة غريبة على بنت عندي في المدرسة اسمها (هيام) كانت تقريبًا وبصورة شبه يومية بتنام في الحصة الأولى والتانية بدون أي أسباب، ومهما كنت أحاول أفوقها كانت تفوق وترجع تنام مرة تانية، وطبعًا ده خلى كل البنات يخلوها مجال كامل للسخرية والضحك، وغصب عني قلبي اتقهر عليها..
بنت عندها ١٦سنة وداخلة على ثانوية عامة ليه تبقا بتنام وشكلها مُرهق بالطريقة دي، وقعدت يومها في أوضة المعلمـ . ـات بفكر، بفكر في هيام ومش قادرة أخرجها من دماغي، وبالأخص لأنها شبهي أوي، فيها كتير من ملامحي، وأنا مش عايزة أي بنت في الدنيا تعيش حياة زي اللي أنا عشتها، ويمكن سبب رئيسي عشان أدخل كلية تربية وابقا مُدرسة إني أهون الدنيا على البنات اللي شبهي عشان ميتعرضوش لنفس الحياة القاسية اللي أنا عشتها..
وغصب عني بدأت أفتكر، أبويا اللي مـ . ـات قدام عنيا وأنا لسة طفلة عندي ٨ سنين، جوز أمي اللي كان مُباح له يعمل أي حاجة وقدام عيون أمي وممنوع حتى إنها تعترض، الفقر والحرمان والبكاء من الجوع كل ليلة، وحتى لما اتخرجت وحاولت أحقق طموحي في مدارس خاصة وانترناشيونال مقدرتش ولقيت نفسي هنا، في مدرسة حكومي وبدرس للبنات اللي من الطبقة بتاعتي، بس أنا راضية وبدعي ربنا أكون معلمة مثالية وأزرع في البنات الدين والأخلاق وسط بيئة بتحاربهم عشان يطلعوا مُنحلين وغير أسوياء..
حاولت مع (هيام) مرة واتنين بس مقدرتش أوصل منها لأي إجابة، حتى لما نصحتني زميلة ليا صيدلانية إني أجبلها فيتامينات لعل وعسى يكون إرهاق محصلش أي تغيير، لحد ما لمحتها في مرة في الفُسحة طالعة الدور الأخير من المدرسة، استغربت جدًا ومشيت وراها في صمت لحد ما وصلت لمكتب الأستاذ (توفيق) بصيت عليهم بهدوء من الشباك الصغير وشوفت اللي خلى جسمي كله يتنفض..
الأستاذ بيقرب منها بطريقة سيئة جدًا والبنت واقفة مستسلمة بطريقة غريبة، وفضلوا على الحال ده يمكن ربع ساعة وأنا جسمي بيتنفض، مش قادرة أصرخ، مش قادرة أدخل عليهم، ومش عارفة حتى أفكر، لحد ما جرس الفُسحة ضـ .ـرب واستخبيت عشان البنت متشوفنيش، وفضلت أفكر وأفكر وقت طويل لحد ما كلمت واحدة صاحبتي ونصحتني استهدى بالله وأحاول أوصل لأهلها يمكن البنت مريضة أو فيها حاجة..
وفعلًا خرجت يوم من المدرسة بدري وروحت على بيتها بعد ما جبت عنوانها من شئون الطلبة، وخبطت على الباب وفتحتلي أمها، عرفتها بنفسي وقولتلها إن (هيام) دايمًا مُرهقة وتعبانة ومبتركزش، بس الغريب إنها ردت رد قاسي وبصوت خشن وقالت: ـ البنت كويسة.. حاولت معاها تاني بس ردودها كانت قاسية وقليلة الذوق جدًا، لحد ما اتعصبت وقولتلها: ـ بنتك فيه أستاذ بيتحــ ـرش بيها في المدرسة.. لقتها اتعصبت وقالتلي: ـ أنتي كدابة وبتتبلي على البت ولو قولتي كدا تاني هعمل فيكي محضر في القسم..
ومشيت من عندها وأنا هتجنن، هو فيه أم بالقسوة دي، طيب أقابل أبوها ولا أعمل أيه، لحد ما قررت أستعين بالله ومسكتش، ولو فيها مـ .ـوتي، أنا عندي فرصة أصلح حياة بنت، يمكن أقدر أنسى الماضي بتاعي لما أعمل كدا، وتحديدًا لأني عارفة كويس الإحساس البشع ده.. راقبتها لحد ما طلعت للأستاذ توفيق تاني وقدرت أصورهم وأنا بترعش، وقابلتها آخر اليوم وحاولت أمثل القسوة وهددتها بالصور إني هوديها للقسم وأبلغ عنها لو محكتش هي بتعمل كدا ليه وازاي أبوها سايبها كدا..
وبدأت تبكي، وعرفت إنها هتقول كل حاجة، قالتلي ده مش بابا ده جوز أمي، الكلمة خلت جسمي يتنفض للأسف، قالتلي إن جوز أمها بيسهر مع أصحابه ويحششوا كل ليلة في الشقة، وهي مجبرة تخدم عليهم من زمان أوي، وكانت بتاخد من البرشام اللي بياخدوه..
ولما كبرت بقا شرط تقعد معاهم ويتحـ .ـرشـ ــوا بيها مقابل إنها تاخد من البرشام ده، عشان كدا كانت بتيجي المدرسة تعبانة ومش شايفة قدامها، والوحيد اللي كان حنين عليها هو الأستاذ توفيق، ولما حكتله إنها بتحتاج البرشام ده لأنها مبتقدرش تعيش من غيره وعدها إنه يجبلها منه ومتسهرش مع جوز أمها شرط إنها تطلعله كل يومين في الفُسحة لمكتبه..
ولقيت نفسي ببكي، الحياة قاسية أوي، بتفرم الضعيف، ومبترحمش الصغير قبل الكبير، رحمتك يارب، ولقيت نفسي بفتكر الراجل الوحيد في حياتي، عمي مُنتصر، اتصلت بيه وأنا ببكي وحكتله على كل حاجة، واستغربت لما قالي أنا في ضهرك يا بنتي ومش هسيبك والعُمر واحد والرب واحد، تعالي نطلع على المديرية نبلغ بالصور وتحكي كل حاجة هناك، واللي هيقربلك همسحه من على وش الدنيا..
وفعلًا روحنا بلغنا وقابلنا ظابط كبير وتفهم طبيعة البلاغ وقدر يستدرج البنت لحد ما عملوا كمين لجوز أمها والأستاذ توفيق وقبـ .ـضوا عليهم، والبنت اتسلمت لجدتها لأن أمها غير أمينة عليها، لحظات بكاء هيام وهي ماشية يومها وبتبصلي كانت أبلغ من كل كلام الدنيا، وكأني خرجتها من النـ .ـار للجنة، بس الحقيقة إن أنا اللي ارتحت، أنا اللي قدرت أعمل حاجة إيجابية افتخر بيها وأحمد ربنا عليها ليل نهار..
مش شرط تكون إنسان سوي أو متظلـ .ـمتش عشان تساعد الناس، بالعكس، فاقد الشيء يُعطيه وبشدة، لو كنت ضعيف زمان وبتعاني ساعد اللي شبهك لما تكون قوي، لو كنت مريض وتعبان وربنا شفاك ساعد المرضى اللي شبهك، كنت فقير ودلوقتي اغتنيت ساعد الفقراء.. حاول تخلي حياتك لوجه الله، عشان تساعد الناس، تمد ليهم يد العون، عشان لما تحتاج إيد تتمد لك يوم القيامة تلاقي يد أرحم الراحمين.. يقول ﷺ […اللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه] أخرجه مسلم
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




