
صحيت من شوية مفزوع من نومي، بتمنى إن اللي حصل ميكنش حقيقي، يكون مجرد وهم، أو حلم مُخيف ينتهي مع صحياني، بس اللي شوفته تحت مخدتي كان بيقول غير كدا، فلوس كتير أوي، أكتر من خمس آلاف جنيه، أيًا كان اللي ممكن يكون حصل، المهم إن كل حاجة انتهت وأتمنى إنها تعدي على خير..
نزلت أقعد على القهوة قعدتي المعتادة من بعد الضهر لحد آخر الليل، وأهي الفلوس جت، وهتكفيني لوقت طويل لحد ما أفكر أجيب فلوس تانية بأي طريقة، ووسط القعدة الحلوة وحجر الشيشة المظبوط لقيت مكالمة جيالي من عمي عويس، وعمي ده كان يعتبر السجان بتاعي، عمي اللي مش عارف أتحرر من قبضته لحد انهاردة، واللي ممكن لما أعمل مشكلة كبيرة ينزل يضربني قدام الناس، راجل كبير في السن بس شخصيته وهيبته قادرة إنها تمحي أي حد من قدامه..
هو شايفني عيل فاقد وبتاع مخدرات ومبهدل أمي معايا من بعد موت أبويا، وحلف ليفضل يعدل فيا لحد ما يموت، ودخلت من بعد موت أبويا معاه في صراع طويل استمر لـ ١٢سنة، هو عايزني أشتغل وأسيب طريق القهاوي والمخدرات وأنا مش عارف أبقا كويس، ومش هنفع في أي مكان بعد كل الأماكن اللي خرجت منها بمشاكل عملتلي سمعة سيئة هتمسك فيا وفي أولادي وأحفادي كمان من قوتها..
رديت على عمي وأنا بنفخ من جوايا، مانا لو مردتش ممكن ينزلي مخصوص ويهزقني قدام الناس، لقيته بيعرض عليا شغلانة جديدة من الشغل اللي مبيخلصش، بس المرة دي نبرة صوته كانت مُخيفة، مُخيفة جدًا، نبرة صوته كانت بتقول إني لو فكرت أرفض احتمال ينزل يقتلني، وكالعادة قولت أريحه وأروح الشغلانة يومين وأسيبها بمشكلة أو خناقة أو حتى أقول مش عجباني..
بعتلي رقم مقاول عُمَّال وقالي أكلمه وهيرد عليا ويقولي على مكان الشغل، وأكد عليا أكلمه حالًا، قفلت معاه وأنا بلعنه ألف مرة، بتمنى في يوم وليلة يطلع مش أخو أبويا أو يموت وأخلص منه، كلمت المقاول واللي كان اسمه “ممدوح”، وقالي إني هشتغل في موقع قريب من المنطقة، منطقة إنشاءات جديدة وإن الشغل هيبدأ من بكرة الساعة ٦ الصبح ولازم أكون على الطريق السريع وقتها.. قفلت معاه وأنا مخنوق ومش طايق نفسي، واليوم بالنسبالي اتقفل خالص، وعلى بالليل شربت سيجارة الحشيش وطلعت نمت عشان شغل تاني يوم، وفي نومي شفت حلم غريب أوي ومش مفهوم..
شفت نفسي واقف تحت جبل والجبل كله بيقع عليا بيقتلني، صحيت من النوم مخضوض وقلبي بيدق، كان كابوس واقعي بطريقة مُخيفة، ببص في الساعة لقتها خمسة ونص الصبح، صحيت وأنا حاسس بجسمي متكسر وبلعن عمي ألف ألف مرة، لبست هدومي بسرعة وطلعت على الطريق السريع، الجو برد قارص وشبورة غريبة نازلة على المكان كله، كأنك واقف في أرض الضباب، جسمي بيترعش من البرد ووجع مفاصلي مش مخليني قادر أتحرك حتى..
في الوقت ده رن عليا المقاول وقالي إن عربية العمالة داخلة عليا، ومفيش دقايق ولقيت عربية ربع نقل عليها ناس ملفوفين في الجلاليب ومتوشحين بأوشحة تقيلة بسبب البرد، ركبت معاهم وطلعت العربية، طلعت عشان يهاجمني تيار هوا بارد كان هيجمدني مكاني، حسيت كأن عضمي بيتكسر، كأني جوة جهنم وبتعذب في زمهريرها..
خمس دقايق عدوا عليا كأنهم ساعة، ساعة من البرد وتكسير العظام، وفي النهاية وصلنا الموقع ولقينا عربيات نقل الرملة والحديد مستنية عشان تدخل، المقاول قسمنا مجموعات كل مجموعة هتستقبل عربيات النقل في مكان مخصص، وبدأ شغل الموقع، دوشة المُعدات وحركة الناس وتوجيه العربيات ناحية أماكن التشوين، ولقيت نفسي قدام عربية نقل مُطالب أوجه سواقها ناحية الركن عشان ينزل نقلة الرملة الضخمة..
بدأت أوجهه واحدة واحدة وأنا السيجارة في بقي ومش طايق نفسي من العفار والبرد، وفي النهاية وصلنا للمكان المحدد وطلبت منه يقلب قلاب العربية عشان ينزل نقلة الرملة، وقفت أتابع حركة القلاب وهو بيترفع وبتنزل منه الرملة واحدة واحدة، وفي لحظة لمحت أجسام لينة بتقع مع الرملة، كأنها قطع إسفنج متغطية بالقماش، منظر غريب مستوعبتوش في الأول، ومسافة ما الرملة كلها نزلت والعفار بدأ يقل تدريجي واحدة واحدة قربت من الأجسام المطاطية الغريبة دي..
كان المشهد غير مفهوم، كأنك بتبص للوحة كلها شخابيط وملهاش ملامح، بس لما قربت شوفت التفاصيل، شوفت اللي خلى شعر راسي يقف، جثتين، جثتين لراجل وست، الست رقبتها منحورة والراجل مطعون في كل مكان في جسمه وباصص ناحيتي بصة فزع.. وقتها عربية النقل رجعت لورا فخبطتني من ضهري ووقعت على الجثتين، وقعت عليهم وحسيت بيهم وكأنهم بيكتفوني عشان ياخدوني معاهم، كنت حاسس إن إيديهم رجعت فيها الحياة وإنهم بيشدوني بعنف، بل وسمعت صوت صرخة، صرخة مألوفة طالعة من الجثة، وقتها نزل سواق النقل وشاف المشهد وبدأ يصرخ وينادي على الناس..
كنت لسة واقع عليهم، متلخبط وجسمي سايب مش عارف أقوم من على الجثث، في النهاية الناس شدوني ووقفت، وقفت وعنيا مليانة بمشهد الست المدبـ ـوحة وهي بتبص جوة روحي من جوة.. رجعت البيت وأنا مش قادر اتنفس، قعدت على القهوة وكسرت كوباية الشاي وأنا بشربها من كتر رعشة إيدي، كارثة وحلت فوق دماغي، في اللحظة دي اتصل بيا عمي ومسافة ما فتحت: ـ دأنت لعنة يابني كل ما أوديك مكان تحصل مصيبة.. رديت عليه وأنا بتنفض وقولت:
ـ وأنا أعمل أيه طيب يا عمي!! ـ متهببش حاجة وتعدي عليا بالليل عشان عايزينك في القسم عشان التحقيق.. جسمي اتنفض تلت مرات على الأقل لحد ما قدرت أتمالك أعصابي، وعلى بالليل روحت قدام الظابط وحكيت كل اللي شوفته بالتفصيل وأنا دمي ناشف وكلامي كله مش مرتب، وفي النهاية سابوني أرجع من تاني وأروح، بس عمي نصحني أكمل شغل لأن الكل هيكون مشكوك فيه وعليه العين الفترة دي لحد ما التحقيقات تنتهي ولازم أكمل عشان ملفتش الإنتباه، منك لله يا عمي، منك لله..
تاني يوم مكنتش قادر أنسى تفاصيل مشهد الجثث وهي على الرملة، كانت أعصابي كلها سايبة وصوتي مبحوح، ووسط الشغل وعربيات الرملة بتفضي شوفت حاجة بتنبش في الرملة من جوة، كأن فيه حشرة ضخمة عاوزة تخرج، قربت بخوف شديد عشان أشوف ده أيه، وفي لحظة قبضت إيد غرقانة دم على رجلي بقوة، وقعت على ضهري وصوتي واقف في حلقي مش قادر أنطق..
بصيت بفزع ناحية المكان ملقتش أي حاجة، في اللحظة دي مثانتي كانت هتنفجر، مشيت لآخر الموقع في مكان متداري وبدأت أتبول بعيد عن عيون الناس، بس مسافة ما بدأت بدأت أسمع صوت ورايا جاي من ورا أسياخ الحديد، بصيت بتوتر وقلق عشان ألمحها من تاني.. نفس الجثة، جثة الست المدبوحة، كانت بتشاور ناحية كوم الرملة، بتشاور وعنيها كلها غضب ووعيد، جريت زي المجنون في الموقع وأنا حاسس إن قلبي هيقف من الجنان اللي بشوفه ده، ورجعت بيتي وأنا وشي أصفر وفي حالة إعياء شديدة..
قعدت مكاني وقتها أبكي، أبكي بحرقة شديدة، أبكي على الكارثة اللي عملتها في حق نفسي، اتصلت على سبب الكارثة وفضلت استغيث بيه، حكيتله وطلبت منه المساعدة، طلبت منه يعمل أي حاجة، أنا حاسس إني هموت قريب أوي، خاصة إن حلم الجبل اللي بيقع عليا فضل يتكرر كتير أوي، والجثتين بقوا بيظهروا في كل مكان..
جثتين أعرفهم كويس أوي، ماهو المبلغ اللي كان تحت مخدتي كان تمن بيع عربيتهم، مأنا نسيت أقولكم إني اشتغلت قاطع طريق فترة على الطريق الجبلي، واصطدنا أنا وصاحبي العربية دي كان فيها راجل ومراته، نزلناهم منها وهما سلموا تمامًا، والمفروض كنا ناخد العربية ونهرب، بس الشيطان لعب في دماغي لما شوفت مرات الراجل..
ست تطير عقل أي حد، معقوله أسيبها تمشي بالسهولة دي، سحبناها هي وجوزها ناحية محجر الرملة، وبدأت اعتـ ـدي عليها، بس جوزها وقتها ثار، ثار وطلب الموت على إنه يشوف مراته بتنتهك قدام عنيه، وقتلناه، قتلناه بأكتر من عشر طعنات، وهي لما ثارت وقاومت وبتأثير المخدر اللي كنت واخده دبحتها جمب جوزها، ودفناهم في رملة المحجر وخدنا العربية بعناها وقبضت تمنها.. بس مكنتش أعرف إن الجثتين هيتنقلوا على عربية الرملة ويجوا للموقع اللي أنا أول مرة اشتغل فيه، مكنتش اتخيل إني هسمع من الجثة اللي اغتصـ ـبتها صرخة أخت الصرخة اللي سمعتها يومها، مكنتش أتخيل إن…
……………… تاني يوم في الموقع وبعد تشوين نقلة رملة ونقلها مرة تانية للمبنى اكتشفوا جثة مدفونة تحت الرملة، جثة العامل الجديد اللي جه يوم ما لقوا الجثتين، وكأن الموقع اتلعن بلعنة الموت، العامل لقوه مدفون تحت الرملة ومخنوق تمامًا، كأن فيه عربية نزلت نقلة الرملة عليه من غير ما ياخد باله..
بس شاهد عيان قال وأقسم إنه شاف العامل بيكلم الفراغ وهز راسه بعلامة أيوة ونزل بإرادته تحت القلاب وهو بينزل عشان يتدفن ويموت، وإنه خاف يتكلم لأنه افتكر إن كل ده وهم، وبعد تحقيق أكبر في الواقعتين قبضوا على صاحب معرض عربيات لقوا عنده عربية القتيل والقتيلة، وهو دلهم على عثمان اللي اعترف بكل حاجة عملها، واعترف إن صاحبه مات واتدفن خلاص..
كان ندمان، ندمان وبيبكي، بس من أمتا الندم بيغسل أفعالنا الكارثية، من أمتا الندم بيمنع جرايم وشرور البشر، يمكن لو كان استخدم عقله لحظة مكنش ندم، ويمكن لو أحنا بنفكر قبل أي فعل حرام مكناش وصلنا للنتيجة الكارثية، بس للأسف الشيطان بيلعب على وتر إنه يعمي ابن آدم ويخليه يظن إنه مش هيتكشف، بينسى إن ربنا اسمه العدل، وإن ربنا كلمته نافذة على الشيطان وعلى البشر، وإن كل غلطة مننا ليها عقاب على قدرها، وإن ربك هيرد الحقوق عاجلًا أو آجلًا، وإن كل ذرة هنعملها هنتحاسب عليها..
[وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا] سورة الكهف [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] سورة الزلزلة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




