روايات

مُراقب الشيطـ . ـان للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا فيا عادة قذرة جدًا جدًا، ويمكن عاملة زي الإدمان مش عارف اتخلص منها، أنا واحد بيتجسس على كل الناس، ومش تجسس بسيط، أنا براقبهم يوميًا من البلكونة بتاعتي بالمنظار اللي كنت جايبه يومًا ما لحلم كبير.. وبما إني ساكن لوحدي عشان مغترب للدراسة، ومبذاكرش من الأساس والشقة مفيهاش نت والتلفزيون قديم فقعدتي المفضلة في البلكونة، في الجهة المقابلة عمارة كاملة كبيرة جدًا، وعلى مسافة كبيرة جدًا، يعني كلهم فاتحين الشبابيك ومديين الأمان لأقصى درجة..

وأنا بقا أدمنت موضوع إني أمسك المنظار وأفضل أراقب الناس، عمارة كاملة ضخمة ببلكوناتها وشبابيكها، كلهم تحت عنيا، المنظار كان بيجيب تفاصيل الملامح من قوته، وبما إن أنوار الشوارع والعماير ساطعة زي الشموس فأنا كنت بقدر أشوف كل التفاصيل بسهولة.. امبارح شوفت بنت واقفة في البلكونة بتتكلم في التليفون وبتلعب في شعرها، تقريبًا بتكلم واحد بتحبه، البلكونة التانية كان فيه راجل واقف بفانلة داخلية وعلى وشه هم السنين، الراجل ده قرفان من مراته وحياته وشغله تقريبًا..

وكان فيه بنت مشغلة موسيقى وبترقص في أوضتها، كان الشباك مفتوح بسيط، بس كنت شايف كل تفاصيلها، وكان فيه شاب بيدخن سيجارة في بلكونة تالتة ومستمتع جدًا، ومن شباك تاني شايف واحدة ست بتتفرج على التلفزيون وشكلها مستنية المـ .ـوت من كتر ما كبرت.. كنت ببقا منتشي جدًا، جدًا، حاسس إني ملك بيراقب الرعية، الكل بيعمل اللي هو عاوزه وميعرفش إني براقبه، شايفه، وقريب جدًا هحاسبه، وغرقت في أفكاري، تخيلت إني ملك على عرشه وبيراقب أفعال الشعب، واللي يغلط يتحاسب..

شهوة تخطت شهوة الجنـ ـس، شهوة المعرفة والتسلط على الغير، أنا عارف إن ده غلط كبير، بس اللي بيدخن عارف إنه غلط، واللي بياكل أكل ممنوع وعارف إنه مضر بصحته عارف إن ده غلط.. انهاردة شربت الشاي بتاعي وطلعت المنظار ثبته على السور مع غروب الشمس، وبدأت جولتي المعتادة، بدأت بشباك البنت اللي بترقص بس كانت نايمة كالعادة، مانا خلاص عرفت مواعيد صحيانها، روحت علي شباك الست العجوزة لقيتها على كرسيها ولسة بتابع التلفزيون، وطلعت بالمنظار لفوق، لفوق لحد السطح..

اتفاجئت بحاجة غريبة جدًا، كان فيه بنت ماشية على حافة السور وفاتحة دراعاتها زي الطير، قلبي دق بسرعة من المشهد وركزت علي ملامحها، كانت بنت شابة، ملامحها بريئة جدًا، فضلت أراقبها وهي رايحة جاية على السور، كانت مبتسمة، فرحانة.. كنت بردد بصوتي: ـ يا مجـ .ـنونة.. مفيش لحظات لقيتها اختلت ووقعت، وقعت من فوق عمارة تمن أدوار، شهقت من الرعب ونزلت بالمنظار بسرعة تحت بس ملقتش حاجة، بصيت على السور ملقتش حاجة، أيه الهلاوس العجيبة دي، بس بصراحة ابتسمت، ابتسمت من فرط الإثارة اللي كنت حاسس بيها..

دخلت عملت كوباية قهوة ورجعت تاني، و و ولقيتها تاني، عمالة تمشي على السور وتترنح مع الهواء، فاتحة دراعاتها ومبتسمة، بعدها نزلت على السور، وبصتلي.. والله العظيم بصتلي وشاورتلي، أيه الجنان ده، دي المسافة بينا استحالة تخلي حد يشوف حد، والأغرب إني لقيتها ماسكة منظار وبتبص ناحيتي.. يابنت المجانين، ابتسمت أوووي، أخيرًا لقيت واحدة مجـ .ـنونة بتشاركني هواياتي، فضلت تشاور جامد، كانت عايزاني أروحلها.. بصراحة اتوترت أوي، مكنتش عارف أنا ممكن أعمل أيه، بس مستحيل أضيع فرصة زي دي، جريت لبست هدومي وظبطت شعري، خدت مفاتيجي ونزلت من عمارتي، وعديت الطريق وأنا بجري، كانت مسافة مية متر تقريبًا، وطلعت العمارة..

طلعت لحد ما وصلت للدور الأخير، وطلعت السلم العمودي بتاع السطح، وفجأة لقيت نفسي ع السطح اللي كان كبير، قربت من المكان اللي كانت واقفة فيه بس مكنتش موجودة، كنت واقف متوتر، مش عارف أنا ممكن أعمل أيه.. كانت عند السور فيه لمضة منورة إضاءة ضعيفة، أما باقي السطح كان غرقان في الظلام، وفي عز توتري سمعت صوت من آخر السطح بيتكلم، كان صوت بنت: ـ كنت فاكرة إنك مش هتيجي.. الصوت خضني جدًا في البداية بس تمالكت نفسي سريعًا وجاوبت:

ـ مينفعش تطلبيني ومجيش.. ـ عجبتني جرأتك.. ـ ولو عرفتيني هتعجبك كل حاجة فيا.. ـ ويا ترى أنت لو عرفتني هتحبني؟؟ ـ أنا شوفتك وحبيت جرأتك، شوفتك وأنتي ماشية على السور.. ـ بس ده مش سبب يخليك تحبني.. ـ بس سبب يخليني أعجب بيكي، أنا عاوز بنت مختلفة، مجـ .ـنونة، جريئة.. ـ أحلام مراهقين.. ـ بس أنا مش مراهق، أنا عندي ٢٢ سنة.. ـ ميهمنيش عمرك، بس مش عيب إنك تتجسس علي الناس، مش خايف تحصلك مشكلة كبيرة بسبب ده..

ـ أنا عارف إنه غلط، بس أنتي بتعملي ده أنتي كمان.. ـ أنا معملتش ده، أنا بس عملته عشان أوهمك إني شوفتك من خلال المنظار مش من خلال عنيا.. بصيت للضلمة بخوف وتوتر وقلت: ـ قصدك أيه؟! ـ قصدي إنك غبي، عشان شوفتني بقع من على السور ومع ذلك جيت، جيت لواحدة ميتة.. رجعت بخوف تجاه السور وجسمي بدأ يترعش واتكلمت بتوتر: ـ أنا مش فاهم حاجة..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى