روايات

رسالة خاصة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أبويا وصاني، قبل ما أتعين في المستشفى الجديدة اللي هشتغل فيها، وصية واحدة بس، إني مجادلش أبدًا وأسمع الكلام عشان أكل عيش حتى لو شوفت حاجة غلط بتحصل قدامي، وكان دايمًا بيقولي إننا مش عايشين في المدينة الفاضلة وإن أي مكان فيه الغلط وفيه الصح، والناصح في الزمن ده هو اللي يدخل المكان ويشتغل ويكسب وميعملش مشاكل وفي نفس الوقت يحاول يتحاشى الغلط قدر الإمكان، إنما إنه يفضل يتكلم عن أي حاجة غلط هيشوفها يبقا مش هيعمر في أي مكان..

وطبعًا أبويا كان بيقول الكلام ده لأني قدمت استقالتي من مستشفى و٣ عيادات قبل كدا بسبب الأفعال اللي شوفتها، وأبويا تعب جدًا عشان يجبلي الشغل ده، شغل في مستشفى خاص ومرتب خيالي زي ما بيقولوا وراحة ما بعدها راحة، إجازات وأكل وشرب وفلوس ومصايف، وفوق كل ده المرضى اللي بتتعامل معاهم مريحين جدًا لأن مش أي حد بيدخل المستشفى دي أبدًا..

وفعلًا روحت على المستشفى واتفاجئت إن فيه قوانين غريبة شوية ونظام قاسي بيمشي على الكبير قبل الصغير، كل دكتور أو ممرض أو إداري له أماكن محددة مينفعش يروح أي مكان غيرها، وأي حد بيتعين جديد ممنوع منعًا باتًا إنه يدخل غرفة الرعاية المركزية، رغم إن طبيعة شغلي كانت بتطلب في وقت من الأوقات إني أدخل أتابع حالات معينة، بس كان دايمًا فرد الأمن بيرفض تمامًا إنه يدخلني إلا بالكارنيه اللي تقريبًا باخده بعد ٦ شهور عمل، كارنيه يخلي حدود تحركاتي أكبر شوية..

ورغم التحكمات دي إلا إني كنت مبسوطة ومرتاحة لأني بحب النظام جدًا، واتبسطت أكتر لما لقيت إن مفيش أي مخالفات من أي نوع، وكأنها مستشفى مثالية زي ما بيقولوا، مفيش غلطة أو تجاوز أو سرقة أو نهب زي ما كنت بشوف، لحد ما عمي اتصل بيا وقالي إن (ياسر) ابنه عمل دــ,,ـــــادثة ونقلوه على المستشفى اللي أنا شغالة فيها، قلبي اتقبــ,,ـــــض من الخبر لأن ياسر ده يعتبر أنا اللي مربياه من صغره وكان بيحبني أكتر من أخواته البنات..

جريت على الاستقبال وكلها نص ساعة ووصل في عربية الإسعاف، ومن النظرة الأولى عرفت إن الحالة صعبة جدًا جدًا، جسمه متكسر ونسبة إنه يعيش ضعيفة جدًا ومحتاجة معجزة، جريت عليه وبدأت أعمله إسعافات أولية رغم إن ده مش تخصصي ولما زمايلي عرفوا إنه ابن عمي وقفوا معايا وبقا الكل بيجري عشان يتجهز للعمليات في أسرع وقت ممكن..

وفعلًا بعد نص ساعة كان في أوضة العمليات وفريق من دكاترة الأوعية الدموية شغالين معاه وبيحاولوا يوقفوا النزيف ويعالجوا الأوردة والشرايين المفصولة عن بعضها، وبعد ٨ ساعات من البكاء والخوف عرفت إن العملية نوعًا ما عدت على خير وإن الساعات الجاية دي هتكون ساعات حرجة جدًا في حياته، فرشت المصلية ودعيتله كتير ولقيت أبويا بيكلمني وفضل يوصيني على ابن أخوه كتير أوي وكان واضح إنه متأثر أكتر مني كمان بالموضوع..

كلمت مدير المستشفى وقولتله إني هطبق ٢٤ ساعة ومش عايزة أمشي وبلغته بالخبر وهو تفهم الموضوع وقالي مفيش مشكلة، ولقيت نفسي قاعدة في مكتبي الساعة ١٢ بالليل قلبي موجوع ومش قادرة أتحرك، مش قادرة أنسى شكل (ياسر) وهو جاي في الدــ,,ـــــادثة، وبدأت أدعي بكل أعمال الخير اللي عملتها في حياتي إن ربنا ينجيه.. ولقيت نفسي بعمل زي ما كنت بعمل وأنا طفلة صغيرة لما كنت بقع في مشكلة كبيرة، كنت بفرش المصلية وأفضل أقيم الليل، وكانت أغلب مشاكلي بتتحل بالطريقة دي، ولقيت نفسي بجيب المصلية وبصلي، ووسط الصلاة سمعت صوت حد بيتوجع بصوت عالي، الصوت مكنش جاي من برا..

الصوت كان جاي من جوا راسي، وكنت عارفة ومتأكدة إن ده صوت (ياسر) ابن عمي الصغير، ياسر تعبان أوي دلوقتي، إحساسي بيقولي كدا، وأنا دايمًا إحساسي صادق، اتحركت ناحية مكان الرعاية ولمحت فرد الأمن قاعد كالعادة.. فضلت أفكر لحد ما قررت أدخل المكان من خلال مكتب فرد الأمن نفسه اللي كان فيه باب تاني بيدخل على مكان الرعاية نفسه، وبما إنه قاعد بعيد عن باب الأوضة بتاعته فأنا روحتله وطلبت منه مصلية عشان الصلاة، وهو اتحرك بحُسن نية ناحية مكتبه، وأول ما اختفى من قدامي دخلت أوضة الأمن من الباب الصغير ومنها للباب التاني وبقيت جوة مكان الرعاية..

اتحركت بسرعة شديدة ناحية سراير الرعاية وبدأت أتأمل المرضى تحت الأجهزة وجسمي كله بيترعش من الموقف، المكان ده مُرعب أكتر من المشرحة، المكان ده كله ناس بتتألم ألم مُرعب ولكن في صمت تام، الناس دي في عوالم من الألم والتعب اللي ما يعلم بيه إلا ربنا، بصيت على ياسر لقيته تحت الأجهزة، بصيت على المؤشرات ولقتها نوعًا ما كويسة..

قررت أخرج بسرعة عشان متحصلش مشكلة، وقبل ما أخرج وقدام عنبر الرعاية نفسه لقيت واحد واقف ومديني ضهره، شاب صغير، اتجمدت مكاني وحسيت بخوف كبير لأني كدا هتحصل مشكلة، أكيد ده فرد أمن تاني لأني معرفش بتوع الأمن الليلي، تمالكت نفسي وقررت أتحرك من جنبه وهو ملتفتش ليا، بس لاحظت حاجة غريبة أوي.. كان ماسك ازازة مية كبيرة وعمال يرش على وشه ويشهق وكأنه عايز يتنفس ومش عارف، قربت منه وحاولت أخد الازازة منه لحد ما فعلًا قدرت أعمل كدا وسألته عن سبب اللي بيعمله، لقيته بيقول بصوت حزين أوي:

ـ أنا المفروض مكنش هنا أنا لازم أمشي.. بصتله بتعجب وسألته: ـ مش أنت بتشتغل هنا؟! لقيته اتحرك وسابني ناحية عنبر سراير الرعاية، اتحركت وراه وأنا بنادي عليه بصوت واطي ولكنه فضل مكمل زي ما هو.. دخل عند السراير ودخلت وراه وأنا مش فاهمة حاجة لحد ما وقف قدام سر,,ـــــير من السراير وشاور بإيده، لوهلة مكنتش فاهمة حاجة لحد ما اتصدمت لما لقيت الشاب اللي نايم على السر,,ـــــير، نسخة من الشاب اللي واقف قدامي وبيشاور، وقبل ما استوعب حاجة لقيته تلاشي من قدامي وكأنه كان مجرد صورة..

كنت هصرخ بأعلى صوت بس سبحان من جعلني أتمالك نفسي، قربت من الشاب اللي نايم وبصيت على مؤشرات الأجهزة، فيه نبضات والقلب شغال، بس، بس فيه حاجة غريبة، شكله متغير أوي وجسمه ساكن، ده مش شكل واحد حي حتى لو بين الحياة والمـ ـوت، حطيت إيدي على نبض إيده مفيش أي نبض حتى لو ضعيف، فتحت عينه وصُعقت، عينه بيضا وواضح جدًا إنه متوــ,,ـــــفي، وكمان متوــ,,ـــــفي من ساعات ويمكن يوم كامل..

وهنا مستحيل تحصل وفــ,,ـــــاه ومحدش ياخد باله، ثم ازاي الأجهزة شغالة، واتفاجئت بالمصيبة الأكبر، الأجهزة ثابتة على رتم واحد وصفارة جهاز القلب شغالة، يعني حد قاصد إنه يخليه كدا رغم علمه إنه مـ ـيت، ومحتجتش وقت كبير عشان أستوعب، الليلة في الرعاية هنا بـ ٢٠ ألف جنيه، فحتى لو مــ ـات مفيش مانع نخليه ليلة زيادة وناخد ٢٠ ألف بعدين نبلغ أهله بمـ ـوته..

خرجت منهارة من المكان واتصلت بأبويا لأني مكنتش عارفة أتصرف، ولما حكيتله نهرني وقالي متدخلش في حاجة متخصنيش أبدًا، وإني لو تدخلت هتطرد من المستشفى وهما عاوزني هناك عشان رعاية ياسر ابن عمي، ورغم الألم اللي كان بيعصرني سكت ومتكلمتش، رغم إني مكنش ينفع أسكت عن الكارثة دي..

فين وفين لما عرفت إنهم طلعوا الشاب مـ ـيت لأهله بعد ما خدوا تمن ليلة تانية مقدم، إكرام المـ ـيت دفــ,,ـــــنه ودول مش فارق معاهم يتأخر دفــ,,ـــــنه المهم الفلوس، واتقهرت أكتر لما عرفت إن الشاب كان جاي غرقان في البحر بس كانت لسة فيه الروح، عشان كدا شوفته عمال يغرق نفسه بالمية في الليلة دي..

روحت نمت وأنا منهارة وروحت على المستشفى تاني يوم وطلبت أكون شيفت ليلي ووافقوا، ورجعت تاني للقيام، وأثناء القيام سمعت نفس الصوت، بس المرة دي كان صوت ياسر وهو بيتوجع جامد أوي، خلصت صلاة وحاولت أروحله بس الأمن منعني المرادي ومعرفتش، وفي الليلة التالتة وأنا بصلي سمعت نفس الصوت، وقررت أروح أطمنه وأدخله مهما حصل.. عملت خدعة على الأمن وقدرت أدخل لأن اللي منعني مكنش موجود، وهناك شوفت المصيبة، ياسر مـ ـات، وواضح إن مر على وفاته ٢٤ ساعة كاملين، ونفس الأجهزة شغالة كأنه عايش، محدش راعى إنه قريب طبيبة زميلة وطلعوه يتدفــ,,ـــــن، لا طالما فيه فلوس مش فارقة..

صورته وهو مـ ـيت وصورت الأجهزة وأثبت إنها شغالة بطريقة غلط وخرجت اتصلت بأبويا وعمي وحكتلهم وأنا منهارة، اتصدموا الاتنين صدمة العمر وجمعوا العائلة كلها وحضروا للمستشفى وعملوا مشكلة كبيرة خلت الأمن يتصل بالشرطة اللي جت بسرعة لأن الموضوع كان هيخرج عن السيطرة.. اتصلنا بأكتر من محامي وروحنا القسم وبلغنا بكل حاجة وطلبنا إن الطب الشرعي يكشف على ياسر ويعرف أمتا حصلت الوفــ,,ـــــاه وبلغنا عن مدير المستشفى، المحامي قالي إن القضية مضمونة إن شاء الله أكيد بس محتاجة وقت..

يوم الدفــ,,ـــــنة شوفت عمي ماسك قلبه وبيمــ,,ـــــوت من القهر على ابنه، وشوفت أبويا منهار وبيبكي زي العيال لأنه كان بيحب ياسر حب غير طبيعي، ولقيت نفسي بطلب الرحمة من الله..

ليه بنسكت عن كلمة الحق وبنخاف، حتى لو كان الظاهر لينا إن الكلمة دي هتأذينا، مين قال إن الحق بيأذي، ليه مبنفتكرش ربنا وقتها وإنه يقينًا هيحمينا طالما عملنا ده ابتغاء مرضاته، ليه سكتنا عن حق الولد اللي اتظلــ,,ـــــم ولما أحنا اتظلــ,,ـــــمنا زيه اتكلمنا، لو كنا اتكلمنا يومها مكنش الظلــ,,ـــــم وصلنا، لما بنقول نفسي نفسي المجتمع كله بيخرب والظلــ,,ـــــم بيوصل لينا ويطولنا، إنما لو وقفنا وقولنا كلمة حق لوجه الله عشان ننصر حق غيرنا ربنا هينجينا من ألف حاجة وحاجة..

لسة فاكرة بعد دفــ,,ـــــن ياسر أبويا قبل ما تجيله الجلطة قالي جملة واحدة: ـ أنا كنت غلط وأنتي صح يا بنتي، ربنا يعفو عنا لأن الساكت عن الحق شيطان وأنا علمتك تسكتي عن الحق.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى