روايات

تغريد وتخر,يب للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

السفر.. السفر بيخليك تعيش حياة فوق حياتك، وكل ما بتسافر أكتر بتعيش حيوات أكتر وأكتر، السفر كفيل إنه يوريك حاجات كتير مكنتش تتخيل في حياتك إنك تشوفها، بيخليك تشوف وتفهم ألف حاجة وحاجة، وأهمهم إن الناس دايمًا بيختاروا الشر على طريق الخير، بيختاروا الق,سوة على الرحمة، وبيختاروا الش,هوة في الأغلب، أيًا كانت الش,هوة دي، فطالما الجسد بيشتهي فالإنسان بينفذ فورًا..

وده اللي شوفته من أول ليلة ليا في الشقة اللي أجرتها جديد، للأسف مجموعي خلاني أدخل الكلية انتساب، وللأسف الجامعة مكنتش بتكفل في السكن الجامعي غير طلبة الانتظام، ومجموعي موصلنيش للمرحلة دي، ووقعت في دوامة ضياع الكلية اللي بتمناها عشان السك   ن، بس الحل السحري جه على إيدين عمي اللي عايش في القاهرة، وقدر يأجر شقة ليا قريبة جدًا من السكن بتاعه، بل وقدر يخلي والدي يغير رأيه بحُكم إني هبقا جمبه وهيخلي باله مني طول فترة الدراسة..

وبعد مناوشات واعتراضات كتير انتصر عمي وقدر يقنع الكل إني أسيب القرية بتاعتي وأسكن في القاهرة، في حي قريب من الجامعة نوعًا ما، ووصلت ليلتها وأنا حاسة بإثارة غريبة، إثارة اكتشاف عالم تاني غير العالم البطيء الروتيني بتاع القرية، عالم العاصمة السريع اللي قادر يبتلع جواه خلق كتير أوي بدون ما حد ياخد باله، العاصمة اللي قادرة تدوس على الفقير بدون أي شفقة، وحتى الغريب للأسف بيضيع وقت طويل أوي في دوامة العاصمة وبيقع كذا مرة قبل ما يقدر يواكب سرعتها وحركتها المُخيفة..

دخلت الشقة وبدأت استكشفها، شقة صغيرة جدًا بس مرتبة وذوقها حلو، حطيت الشنط بتاعتي ورصتها وبدأت بسرعة في تنضيف الشقة من التراب البسيط اللي كان فيها، وبعدها خدت الدش الجميل ونمت، نمت من السفر والتعب والإرهاق الشديد، نمت كتير أوي، بل وكنت ناوية أنام يومين على أقل تقدير بما إن الدراسة لسة بعد أربع أيام، بس صحيت من نومي تقريبًا على الضهر على صوت بكاء شديد واستغ,اثات.. ـ خلاص يا ماما عشان خاطري كفاية.. ـ أنا مش أمك ومش هسيبك غير لما تقولي حقي برقبتي..

صحيت مخضوضة وحاولت أفهم أيه اللي بيحصل، وده لأن الصوت كان واضح أوي، طلعت للصالة ومن شباك الصالة شوفت صالة الشقة اللي قصادي، وبالأخص واحدة ست ماسكة طفلة صغيرة من دراعها بقس,وة وعمالة تض,وووربها بالعصا,ية بعنف وقسوة..

قلبي انفطر من المشهد بس في نفس الوقت مكنتش قادرة أنادي عليها أو أخليها تهدى، خاصة إني لسة جديدة في المكان وخايفة ترد عليا رد مش كويس، اتخفيت شوية وراقبتها وهي عمالة تض,رب في البنت لحد ما عدمتها العافية، كل ده واستغاثات البنت موقفتش لحظة واحدة، لحد ما البنت اترم,ت على الكنبة تبكي والست لازالت مستمرة في شتيمتها بأقذر الألفاظ اللي ممكن حد يش,تم بيها..

بداية كانت سيئة جدًا، خاصة إني إنسانة حساسة ومقدرش أشوف حيوان بيتألم قدامي فما بالك بطفلة بريئة زي دي، للأسف اليوم بالنسبالي اتقفل خالص، بل وكنت ع,لى وشك إني أبكي كمان على الطفلة دي، زرت عمي يومها وفضلت عندهم طول اليوم وعلى بالليل رجعت للشقة ونمت.. نسخة من اللي حصل امبارح حصل تاني، زعيق وتوبي,خ وض,رب للطفلة على أقل سبب، ودايمًا كان شباك الصالة مفتوح وبعرف أشوف كمان التفاصيل، وقتها بدأ يت,و,لد جوايا شعور بالقه,ر، أنا مش قادرة أساعد الطفلة ولا أقدملها أي دعم، ياريت كان ليا الحق إني أساعدها أو حتى أخدها تعيش عندي..

وبدأ الأمر يتكرر شبه يوميًا، ضرب للطفلة كل شوية وإه,انة وذل، بل في مرة سمعتها بتقول إنها هتحب,سها في الحمام، وفعلًا حبستها والبنت فضلت تستغيث كتير أوي، في النهاية بدأت الدراسة ونزلت الكلية لعلي اتناسى الوجع اللي بشوفه كل يوم ده، وفي ليلة وأنا راجعة لقيت الطفلة قاعدة بتلعب قدام باب الشقة، وأول ما شافتني وبكل براءة الدنيا اتكلمت بصوت حنين وقالت: ـ ازيك يا طنط..

معرفش ليه حسيت بقلبي بيتخل,ع من مكانه، وبدون أي تفكير خدتها في حضني بقوة، كأني بحميها من ق,سوة العالم ده كله، الغريب إنها حضنتني وهي بتضحك بصوت عالي، مسحت على خدها بصو,ابعي وسألتها بابتسامة كبيرة: ـ اسمك أيه يا قمراية أنتي.. ـ أنا اسمي تغريد.. ـ اسمك جميل أوي على فكرة، طيب بابا فين يا تغريد؟؟ ـ باب مسافر وأنا عايشة مع ماما التانية لأن ماما الأولى راحت عند ربنا..

قلبي اتقسم نصين من كلامها، وفهمت إنها عايشة مع مرات أبوها، الست اللي متعرفش يعني أيه رحمة، دورت في شنطتي لقيت شيكولاتة أدتهالها بابتسامة كبيرة ونزلت تاني، اشتريت علبة جاتوه وروحت على شقة تغريد وخبطت، وفتحتلي مرات أبوها، قابلتها بابتسامة وعرفتها بنفسي واعتذرت إني كل ده معرفتهاش بنفسي، كنت شايفة إن قربي ودخولي بيتهم ممكن يخليني أحمي تغريد ولو وقت بسيط، وقعدت معاهم شوية قابلتني فيهم الست بفتور بس مش بقلة ذوق، ومشيت..

تاني يوم وأنا راجعة من الجامعة لقيت تغريد قدام باب البيت بتلعب بنفس اللعبة، قطة بلاستيك شكلها جميل جدًا، حمدت ربنا إن معايا شيكولاتة وادتهالها وقعدت معاها شوية ودخلت شقتي، وبقت العادة كل يوم أرجع ألاقي تغريد بتلعب وتاخد مني الشيكولاتة وتدخل الشقة، لحد ما في ليلة رجعت متأخر أوي، كانت الساعة قريبة من ١٢ بالليل، الغريب إني شوفت تغريد قاعدة مكانها وشكلها حزين أوي.. طبطبت عليها وسألتها عن سبب حزنها فقالتلي: ـ استنيتك كتير وأنتي اتأخرتي..

بوستها بقوة وأنا بعتذر لها إني مش هتأخر تاني، ومسافة ما دخلت أغير هدومي سمعت صوت مرات أبوها ـ كفاية بقا يا صايعة، كل دي قعدة على السلم.. وصوت صفعة عنيفة فطرت قلبي، وبعدها عياط تغريد، عياطها اللي قهرني.. حاولت إني أقتل الخجل من جوايا وأروح أدافع عنها بس مقدرتش للأسف، ونمت ليلتها وأنا ببكي بشدة، تاني يوم شوفت تغريد، شوفتها وللأسف تحت عنيها وارم من الضرب، الملاك الجميل متعور بسبب ست قذرة للأسف، حضنتني وفضلت تبكي ولأول مرة تشتكي، تشتكي من كل اللي بتشوفه..

حاولت أواسيها مقدرتش، لحد ما في النهاية اتكلمت وقالت: ـ أنا عاوزة أعيش معاكي.. ـ طيب وماما يا حبيبتي؟! ـ مش هتلاحظ غيابي.. ـ ازاي بس؟! ـ أوعدك إنها مش هتلاحظ غيابي بس خليني عندك.. ومقدرتش، مقدرتش أسلمها للست دي تاني، ضميري كان دابحني إني سيباها تشوف العذاب ده كله، وأعتقد كفاية أوي كدا، دخلت معايا الشقة وحطتلها أكل، كلنا وأحنا بنتكلم وفي النهاية نامت في حضني، كنت قلقانة من رد فعل مرات أبوها، بس قولت لو سألتني هعتذرلها إن البنت نامت على السلم وأنا دخلتها عندي واتحرجت أخبط عليها متأخر، أي كلام وخلاص، ونامت البنت في حضني لحد الصبح..

وصحيت عشان أروح كليتي والبنت في غاية السعادة، قالت إنها هتستنا، ولما طلبت منها ترجع قالت: ـ أنا وعدتك إنها مش ه,تحس بغيابي.. سبتها وروحت كليتي، ولما رجعت كانت في الصالة بتلعب، حطتلها أكل وبدأت أحس بالخوف، يا ترى مرات أبوها وضعها أيه، الغريب إنها مخبطتش عليا تسألني، أو يمكن جت وأنا في الكلية، ومن تاني نامت البنت في حضني، تلت أيام مروا بالوضع ده، لحد ما في يوم وأنا راجعة قررت أخبط على الست بأي حجة وأشوف رد فعلها، فتحتلي ورحبت بيا، ولما سألتها بتلقائية عن تغريد قالتلي إنها نايمة جوة، حمدت ربنا إن البنت رجعت لوحدها ورجعت شقتي..

الشقة كانت فاضية، والصمت في كل مكان، العشاء كانت أذنت من نص ساعة والمكان كله ليل، وقبل ما اتحرك افتكرت حاجة غريبة، باب الشقة مبيتفتحش من جوة غير بالمفتاح، وأنا خدت المفتاح معايا وأنا ماشية، يعني استحالة تكون البنت عرفت تخرج، ازاي راحت شقتها، وأول ما دخلت الأوضة لمحت تغريد نايمة في السرير..

معرفش ليه حسيت بالخوف، آمال ازاي الست بتقول إنها نايمة عندها، حسيت إن الموضوع غريب وغير مفهوم، صحيت تغريد وطلبت منها بالود تروح عند مرات أبوها، بدأت ترفض وتبكي بخوف، حاولت معاها مرة تانية بس رفضت أكتر، في النهاية سبتها تنام بس عرفتها إنها بكرة لازم ترجع مهما حصل وده آخر كلام، وخدتها في حضني ونمت..

وفي نص الليل تقريبًا صحيت على صوت أنفاس سريعة، كأن حد غ,ضبان غض,ب شديد وبي,نهج من شدة الغض,ب، فتحت عيني بقلق شديد عشان أشوف حاجة واقفة قدام السرير، وقتها أنا ح,سيت إني اتشليت مكاني، ر,عب غريب مسك في جسمي كله، أيه ده، ركزت شوية وعلى الضوء اللي جاي من برة شوفتها، دي تغريد..

تغريد واقفة قدام سريري بتنهج وعنيها بتبرق من الغضب، لسة هقوم من مكاني أشوفها مالها حسيت، حسيت إني حاضنة حد، بصيت جمبي بفزع لقتني حاضنة تغريد اللي نايمة في سلام تام، وقتها شعر ج,سمي كله وقف، كهربا جريت فيا وحسيت إن الدم بيتجمد في عروقي، باصة ناحية اللي واقفة قدام السرير بفزع تام، بشه,ق زي الأموات وعنيا جاحظة جحوظ الغريق، وبدأت تقرب مني، وتقرب، لحد ما حطت إيديها على إيدي..

إيديها كانت عاملة زي حتة التلج، خلتني اتنفض من البرد مرة واتنين، كنت حاسة إني شوية وقلبي هيقف من الفزع ده، بس في اللحظة دي صح,يت تغريد اللي نايمة جمبي، وأول ما شافت شبيهتها اتكلمت بصوت نعسان وقالت: ـ أمشي من هنا يا تخريب وارجعي شقتي.. وفورًا نفذت الطفلة المُخيفة الأمر، ومشيت من المكان، وقتها بس قدرت أشهق بصوت عالي وأقع من مكاني، حاولت تغريد تقرب مني بعدتها بقسوة ورعب، حاولت تاني نهرتها، وفورًا اتحركت ودخلت أوضة تانية وقفلت الباب، وقعدت أبكي من الرعب اللي شوفته من شوية، ووسط بكائي سمعت صوت الباب بيخبط وصوت تغريد بيقول:

ـ افتحيلي أنا عاوزاكي.. صرخت فيها وقولت: ـ وأنا مش عايزاكي.. ـ لو أنا مشيت تخريب هتيجي تعيش معاكي مكاني.. جسمي اتنفض أكتر واتكلمت بصوت باكي وقولت: ـ أنا مش فاهمة حاجة.. ـ أنا اتفقت معاها أنا أعيش هنا وهي تعيش مع ماما التانية.. ـ ومين دي أصلًا؟! ـ صاحبتي اللي ظهرتلي في الحمام لما ماما حبستني وقالتلي أمشي من الشقة عشان تاخدلي حقي وأنا ملقتش مكان غير هنا.. ـ وأنا ذنبي أيه، أنا حبيتك وعاملتك حلو، سيبيني في حالي أنا خاي,فة..

ـ تلت أيام بس هقعدهم هنا لحد ما بابا ما يرجع، وفي اليوم الرابع هرجع مكاني وهسيبك، أما لو مشيت دلوقتي تخريب هتجيلك وتخوفك.. وبكيت، بكيت أكتر، بس قررت أوافق غص,ب عني، وقعدت تغريد معايا تلت أيام، تلت أيام كنت بسمع فيهم صوتها جاي من شقتها، تلت أيام بشوفها في شقتي وبشوف من شباك الصالة تخريب هناك، مع مرات أبوها، تخريب اللي كانت بتبصلي من الشباك يوميًا بصات مُر,عبة، بتهد,دني بالسكوت لمدة تلت أيام بس..

تلت أيام كنت مُجبرة أحضن تغريد وأنام بيها وأفضل اترعش من الرعب، خايفة أرفضها عشان متعاقبش، وفي اليوم الرابع سمعت صوت صراخ رهيب جاي من شقة تغريد، جريت مع الجيران عشان نشوف اللي حصل وكان الهول، البوتجاز انفجر في وش مرات أبوها واتشوهت بطريقة مُرعبة، والشقة كمان مسك,ت فيها النار من كل مكان، رعب خام وصراخ وبكاء شديد..

وزي ما قالت، أبوها رجع من السفر,، رجع على شقته بتولع، وبصعوبة قدروا الناس يطف,وا ,الن,,ار، بس مقدروش يلحقوا الست اللي ماتت من الحروق اللي مسكت في جسم,ها، والشقة اتقفلت، وبعد أيام مش,يت تغريد مع أبوها، مشيت وهي بتودعني بإيديها بحزن شديد، بس الغريب إني لمحت من شباك الشارع تخريب، تخريب اللي ركبت العربية مع تغريد وأبوها وشاورتلي، شاورتلي باي باي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى