
ومن قلب الضلمة سمعت صوت زحف، حاجة بتزحف، حاجة ثقيلة، ولما بدأت تقرب من الإضاءة الضعيفة شوفتها.. بنت ضهرها مكسور نصين، رجليها وإيديها واخدين وضع معكوس رهيب، وهدومها كلها دم، وكانت بتزحف ناحيتي، وشها كان كله دم، وكانت مبتسمة وبتضحك، بتضحك بصوت مروع، وبقيت ورايا السور وهي قدامي، وجسمي كله بيتنفض، شعر راسي شاب وقلبي اتفتت من الفزع.. بكيت لأول مرة، بكيت من الخوف وأنا برجع ناحية السور، لقيتها بتتكلم بسنان متفتتة: ـ أطلع على السور وأعمل زي ما كنت بتشوفني..
تقريبًا أنا كان جسمي كله منهار، رجليا مش شايلاني، عاوز أقع من طولي بس مرعوب أقع قدامها.. وطلعت على السور، طلعت والدنيا كلها بتسود من حوليا، سمعت صرختها اللي رجت كياني كله، قولتلك يالا أمشي.. وبدأت أمشي، فتحت دراعاتي عشان اتوازن، بس في العادي كنت أقدر، إنما مع رعبي ده لحظات بس واختل توازني، اختل عشان أقع من فوق، من فوق عمارة تمن أدوار، عشان أحس بالهوا بيضـ .ـرب جسمي، عشان أصرخ بأعلى صوتي، وغمضت، غمضت عنيا عشان فجأة أحس بحاجة بتمسكني بعنـ .ـف من جسمي، بالأخص من هدومي..
بصيت بفزع لقيتني متعلق في منشر بلكونة من البلكونات، وصرخت بأعلى صوت، صرخت وصرخت وصرخت، وفجأة لقيت حد خرج للبلكونة، مسكني بقوة وشدني قبل ما أقع، طلعني ووقعت جوه البلكونة وفضلت اتنفض، اتنفض وبس.. الراجل كان بيحاول يساعدني بس أنا مكنتش بنطق، سمعته بيقولي: ـ أنت مين وكنت بتعمل أيه فوق؟! وأنا مش قادر أنطق، ضهري كله كان بينزف دم بغزارة، منشر البلكونة الحديد قطع لحم ضهري كله.. الراجل حاول يوقف الدم وخدني وجري بيا علي أقرب مستشفى، دخلت الطوارئ واتخيط الجرح ١٥ غرزة، بس الحمد لله مكنش خطير أوي..
وخرجت مع الراجل لسة بترعش، مصدوم، مش قادر اتكلم، خدني بيته وقعدت أنا وهو في الصالة عنده، وفين وفين لما قدرت اتكلم.. حكتله كل حاجة وأنا ببكي، ندمان، الراجل منطقش، بس لما ركزت معاه اكتشفت إن هو الراجل اللي كان بيقف بالفانلة الداخلية وكنت بشوفه.. لقيته قالي تعالى معايا، نزلنا على السلم دور ولقيته بيخبط على شقة من الشقق، فتحت واحدة ست عجوزة، فسألها الراجل اللي كان اسمه أسعد ـ أم رؤى موجودة؟؟ أومأت براسها وقالتلنا:
ـ اتفضل يا أسعد.. دخلنا صالة البيت ومسكت نفسي بسرعة، كانت نفس الست اللي بتفرج عليها على الكرسي بتتفرج على التلفزيون، كانت تايهة في مكان تاني، وكأن عندها زهايمر أو مرض في عقلها.. والأفظع كان اللي شغال علي التلفزيون، كانت البنت ماشية علي السور، فيديو متسجل علي كارت تقريبًا شغال على الشاشة، وفضلت البنت ماشية لحد ما وقعت.. جسمي كله اتنفض، نفس المنظر اللي شوفته وأنا براقبها بالمنظار.. لقيت أسعد اتكلم وقال: ـ رؤى كويسة يا أم رؤى؟؟
ـ أيوة وبتلعب أهي ع السور، بس وقعت واتعورت، بس هي جاية دلوقتي، هتيجي دلوقتي.. وقام أسعد باس علي راسها وقالي يالا بينا، فضلت باصصله مش فاهم حاجة، قالي إن رؤى مـ . ـاتت من سنتين، كانت بتطلع على السطح يوميًا تمشي على السور، كان عندها مرض نفسي، وكانت بتحط الكاميرا وتصور نفسها وهي ماشية على السور، وللأسف وقعت في يوم من الأيام، وقعت والكاميرا صورت، ولما شالوها ودفـ .ـنوها لقوا الكاميرا على السطح..
لما الأم شافت الفيديو عقلها أدمر، وبقت يوميًا بتقعد قدام التلفزيون تشوف الفيديو طول اليوم، ولو حد فصله تصرخ وتصرخ لحد ما يشغلوه تاني، وأختها بتخدمها من يومها.. وقتها بكيت، بكيت وخدني في حـ .ـضنه زي العيل الصغير، كنت خجلان، خجلان من اللي كنت بعمله، ليه دخلت البيوت وشوفت أهلها.. كل واحد عنده همه اللي شاغله، ليه توكل نفسي رقيب عليهم، ليه، ليه كل واحد مننا ميبقاش في حاله، ميدخلش في حياة غيره أبدًا ويسيب كل واحد للي خلقه..
سامحني يارب، سامحني يارب.. [وَلَا تَجَسَّسُوا ] سورة الحجرات بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




