
بقالي ٢٠ سنة بشتغل مغسلة أمـ,ـوات عمري ما شوفت حاجة شبيهة باللي شوفته ده، ويمكن ده كان أكبر لغز واجهني في حياتي، معرفش أيه اللي ممكن يوصل جـ,ـثة إنها تخاف تروح قبرها للدرجة دي.. جتلي مكالمة من واحدة بتستغيث، أبوس إيدك يا ستنا تعالي بسرعة، سألتها عن العنوان واللي كان في بلد بعيدة عني شوية، نصف ساعة تقريبًا.. لبست بسرعة ووقفت توكتوك عشان يوصلني لحد بيت المتوفية، وبعد نصف ساعة ويمكن أكتر وصلت، الغريب إني دايمًا بدخل أي مكان فيه مـ,ـيت بيبقا الجو العام هو الحزن، البكاء، ويمكن الصراخ..
إنما المكان هنا كان مختلف، الجو العام كان بيدعو للاستعجال وبس، وكأن البيت كله عايز الميت يتغسل ويتكـ,ـفن في ثواني معدودة، وكأنهم فرحانين في مـ,ـوته، أو وجوده هيسبب فضـ,ـيحة كبيرة.. وده بقدر ألمسه بسهولة لأني قديمة جدًا في المجال ده، دخلت بهدوء ووقار وطلبت واحدة من أهل الست اللي مـ,ـاتت تدخل معايا، كان فيه تلت ستات، كلهم بصوا لبعض بخوف، في النهاية أنا ماليش دعوة، أنا جاية أغسل وأمشي.. فتحولي باب الأوضة ودخلت، قفلت عليا الباب وقربت من الجـ,ـثة، بس بدأت أشم ريحة بشعة، ريحة شبيهة بروث الحيوانات..
تجاهلت الريحة بالعافية وكشفت وجه الجـ,ـثة، وكان أصعب مشهد شوفته في حياتي، فيه شعر كتير أوي طالع من فم الجـ,ـثة، وشها شكله مُخيف أوي، كأنها ماتت وهي بتتعذب بالنار، عنيها جاحظة ومفتحة وفيها ألف نظرة ألم، الشعر كان خارج من فمها في منظر بشع، رهيب.. جسمي كله اتلبش، لساني اتشل عن النطق، جريت على باب الأوضة ومقررة إني مش هغسل خلاص، جيت أفتح الباب لقيته مقفول بالمفتاح، خبطت بهيستريا وسمعت صوت راجل من بره بيتكلم بتهـ,ـديد وقالي:
ـ مش هتمشي من هنا غير لما تغسليها.. رديت عليه من جوه بخوف: ـ مش هعرف أغسلها.. ـ ماليش دعوة اتصرفي، كفنيها أي حاجة عشان ندفـ,ـنها وخلاص.. وعرفت إني اتحبست مع أسوأ جـ,ـثة شوفتها في حياتي، لبست جوانتي وقربت من فمها، وبكل تقزز فضلت أشيل الشعر من بقها، سمعت وقتها آهات، وجع، كأن حد عايز يطلع حاجة من فمه ومش قادر.. جسمي فضل يترعش وعلى أد ما أقدر كنت بحاول أشيل الشعر، في النهاية شيلته كله وبدأت أكشف جسمها، جسمها اللي كان مكرمش على بعضه كأنها عجوزة عندها مليون سنة، رحماك يارب..
وقبل ما أصب عليها المية سمعت الصوت تاني، كأنها عايزة ترجع حاجة من بطنها، ببص لقيت الشعر ظهر تاني في الفم كله.. جسمي حرفيًا بدأ ينهار، مش عارفة اتصرف ازاي، حطيت الكـ,ـفن في ثواني ولفيتها بيه أي كلام وربطه عشرين عقدة عشان حاسة إنها ممكن تهرب من الكفن.. وخرجت، خرجت عشان ألاقي اللي بيشدني بحزم بره البيت، قبل ما أسأل أو أنطق، ولقيت توكتوك مستني، ركبني فيه وقاله بغضب: ـ أطلع.. وطلع التوكتوك وأنا في قمة خوفي واندهاشي، مين دي وليه بيحصل معاها كدا، ماتت زانـ ـية ولا على معصية كبيرة..
حاولت أسأل سواق التوكتوك بيت مين ده بس مردش عليا، في النهاية رجعت بيتي، رجعت وأنا منهارة، اتطلب مني أجي أغسل حد تاني بس مقدرتش أطلع من بيتي.. حالة اكتئاب وحزن مسكتني بكل عنف، فضلت شهر كامل مش قادرة أبعد شكل الجـ,ـثة عني، وشها المُخيف وعنيها الجاحظة، وفمها اللي كله شعر خشن، شكله مقزز، جلدها المتيبس بطريقة رهيبة.. شهر وأنا مش قادرة حتى أخرج من بيتي، بسمع صوت الجـ,ـثة اللي سمعته يومها، لحد ما قررت أحارب وأواجه، وأول مواجهة لازم تكون في بيت الست دي..
ركبت توكتوك يومها وروحت لحد بيتها، راقبته من بعيد لقيت ستات كتير بتدخل وتخرج، كأنه فرح، مع إن العزاء خلص من شهر كامل، حاولت أقرب وأبعد لحد ما لقيت طفل ماشي، قولتله وأنا مبتسمة: ـ هو بيت مين ده يا حبيبي؟؟ رد بلهجة طفولية: ـ ده بيت الشيخة باتعة.. ـ شيخة ازاي يعني؟! بصلي ومعرفش يرد، لسة مش فاهمة حاجة، استنيت واحدة خرجت َقربت منها وأنا بوزن كل كلمة بقولها: ـ صباح الخير ياختي.. ـ صباح النور يا حبيبتي..
ـ ألا قوليلي عشان محتاجة حد يساعدني.. ـ اؤمريني.. ـ الواد ابني مشلول ومش عارفة أوديه لمين ولا مين.. ـ امممممم، طيب ما تروحي للمرسي.. ـ مين المرسي ده؟! ـ ده شيخ سره باتع، الشفا هيكون علي إيده إن شاء الله.. ـ والشيخة باتعة فين؟! ـ الشيخة باتعة مـ,ـاتت ياختي واللي مكملة الشغل أختها بديعة، بس دي بتقرأ بس.. ـ مش فاهمة.. لقيتها طلعت فنجان وضحكت ضحكة رقيعة، وفهمت ويارتني ما فهمت، وبكل حزم دخلت وسط الستات جوه، لقيت صالة البيت اللي عرفاها مليانة ستات، والبخور في كل حتة..
لقيت واحدة بتقولي سجلي اسمك، وكتبت اسمي، واستنيت يجي ساعتين لحد ما دخلت على بديعة، ست عجوزة لسة فكراها من يوم الغسل، قاعدة علي كنبة خشب قديمة وقدامها مبخرة، ابتسمت وقالتلي: ـ اؤمريني يا حبيبتي.. ـ مش عارفة أقول أيه.. ـ معاكي الفنجان ولا هتقري الكف.. ـ أعوذ بالله من شرور ابن آدم، أنتي مخدتيش العظة من مـ,ـوت أختك؟! لقيتها اتكلمت بغضب وقالت: ـ مالها أختي بقا؟! ـ مهو أنا اللي غسلتها وشوفت.. اتحولت نظرتها لخوف وهي بتقول:
ـ أختي معملتش حاجة غلط وكلنا مبنعصيش ربنا.. ـ يعني مش ناوية تتوبي؟! لقيتها ثارت مرة واحدة وقالت: ـ أنتي جاية تعمليلي شيخة هنا، أكشي من هنا بدل ما أمـ,ـوتك.. ـ ربنا هو اللي بيمـ,ـوت، وإن شاء الله لما تمـ,ـوتي أنا اللي هاجيلك برضه، وموعدنا عند الله يا دجالة، يا حليفة الشيطان.. وسبت المكان كله، سبته وأنا ببكي، ببكي من ظلم ابن آدم لنفسه، رغم اللي شافوه لسة مكملين، الفلوس عمتهم عن رؤية الحقيقة المطلقة، المـ,ـوت، القـ,ـبر، الحساب، رحماك يارب..
وفهمت، فهمت ليه كان فمها مليان شعر، كل كلمة فاسدة قالتها وهي بتقرأ الكف والفنجان، كل كلمة تعدت بيها علي حدود الله، ربنا رزقها لسان وهي استخدمته في أسوأ ما تتخيل.. مقتبس من أحداث حقيقية.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




