روايات

كائن من الجـــ,,ــــحيم للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

دخلت الحمام انهاردة الصبح لقيت تليفون ابني مسنود على الحوض بتاع الحمام وهدومه مرمية بعشوائية على أرضية الحمام، وهو مكانش موجود من الأساس، استغربت جدًا من المنظر ودخلت على أوضته أدور عليه بس مكانش موجود، دورت في البيت كله بس ابني مالوش أي أثر إطلاقًا، معرفش ليه بدأت أحس بتوتر شديد، لو كان خارج أكيد كان هيقولي، ولو هيخرج استحالة ثم استحالة يسيب الموبايل بتاعه كدا ويخرج من غيره..

دخلت الحمام مرة تانية وبدأت أفتش في هدومه مفيش أي حاجة، بصيت على الموبايل وأول ما فتحته اتصدمت، فيلم إبـ ـاحي شغال قدام عنيا، جسمي كله اتنفض ورميت الموبايل على الأرض وقعدت أتنفض مكاني، المشهد كان بشع، مُخيف، واني أتخيل إن ابني هو اللي كان بيتفرج على حاجة زي دي فده شيء مُرعب، ابني اللي دايمًا بوصيه بالصلاة والقُرب من ربنا يروح للمستنقع ده، ازاي وليه..

تمالكت نفسي لأني دلوقتي راجل البيت بعد سفر أبوه ولازم أتعامل بالعقل مش بالعاطفة، جوزي حملني أمانة وأنا لازم أكون قدها، فتحت موبايله اللي مكنش محطوط له رمز وبدأت أتصل بأصحابه واحد واحد، وكلهم بلا استثناء ميعرفوش ابني فين من الأساس، استنيت أكتر من تلت ساعات يمكن بيشتري حاجة من تحت بس برضه مجاش، غير إنه بينام يوميًا لحد بعد الضهر، ولو هينزل في مشوار كنت أكيد هبقا عارفة..

وعلى العصر بدأ القلق ينهش في قلبي أكتر وأكتر، فكرت أبعت لأبوه بس كنت مترددة جدًا، الراجل في بلد تانية واستحالة ينزل في يوم وليلة، وحتى لو ده حصل، هبقا دمرت له شغله كله، صليت ركعتين لله عشان يرد الغايب ويرفع عننا الكرب ده، دخلت الحمام من تاني وبدأت أفتش عن أي حاجة تدلني على مكانه..

وفعلًا لفت نظري شيء عجيب أوي، أثر كف ضبابي على المراية، معرفش ازاي مشفتوش الصبح، تأملت الأثر كان قريب من حجم إيد ابني، قربت بعنيا من أثر الكف وفجأة ظهر أثر تاني على المراية اللي اتهزت بعنــ,,ـــــف، كأن فيه حد وراها وبيزقها عليا، كتمت صرختي بالعافية وخرجت أجري من الحمام..

فضلت أتنفض يجي نص ساعة بره، ولما دخلت من تاني كانت كل حاجة اختفت، مفيش أثر لأي كف، خرجت واتصلت بأخويا الكبير وعرفته إن ابني مختفي من الصبح، جه يجري وطبعًا خبيت عليه موضوع الهدوم والفيلم الإباحي والمراية، قالي أخبي الخبر عن جوزي عشان منقلقوش في سفره لحد بكرة بس، وهو هيروح القسم يبلغ ويسأل في المستشفيات القريبة، وبدأ يطمني إنه مش صغير ده شاب عنده ١٦ سنة وأكيد هيعرف يرجع لوحده..

كان وقتها الليل داخل علينا، قرأت قرآن شوية واستنيت أي خبر يجيلي من أخويا، ساعة واتنين وتلاتة ومفيش أي خبر، ولما كلمته قالي إنه لسة بيلف على المستشفيات وإن قسم الشرطة قال لازم يمر على الاختفاء ٢٤ ساعة على الأقل عشان نعمل بلاغ، فضلت أدعي كتير وغصب عني بدأت دموعي تنزل مني، ووسط كل ده بدأت أسمع صوت غريب أوي جاي من الحمام، كأن حد بيتخانق جوه بصوت مكتوم، أو كأن حد متكمم ومش عارف يتكلم فعمال يصيح بأي كلام..

شعر جسمي كله وقف حرفيًا، مشيت ناحية الحمام وأنا بستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فتحت نور الحمام وبصيت يمين وشمال بس مفيش أي حاجة إطلاقًا، موضوع غريب جدًا، شوية وبدأت أسمع صوت شهيق وزفير عالي، كأن فيه حد نايم في مكان ما في الحمام، حاولت أعرف مصدر الصوت جاي منين، بس الموضوع كان صعب، وكأن الصوت جاي من حيطان الحمام، أو جاي من المراية، قربت منها بشويش وأنا قلبي هيخرج من مكانه، وفعلًا الصوت كان جاي منها..

صوت شهيق وبعده زفير.. شهيق وزفير.. شوية وبدأ الصوت يبقا أخشن، وكأن فيه حد بينازع أو روحه بتخرج من جسمه، صوت الغرغرة المُخيف، حطيت إيدي على المراية ولمستها، وشهقت بأعلى صوت لما صوابعي اخترقت المراية وكأنها بتخترق حاجة إسفنج وبتدخل لجوه، سحبت إيدي بسرعة.. وفي اللحظة دي شوفت مشهد عجيب، شوفت ابني على أرض صخرية ومربوط بسلسلة من رقبته زي الحيوان ونايم، وعلى صدره كان فيه كائن صغير عامل زي الطفل بس شكله بشع، وشه عامل زي الكلب وودانه طويلة، وكان بيخنق ابني وهو نايم، وابني كان عمال يشهق وياخد نفسه بالعافية..

وبكل رعب الدنيا بدأت أنادي على ابني، أنادي مرة واتنين عشان يصحى ويبص ناحيتي، بس المُخيف إن اللي بص ناحيتي كان الكائن الصغير ده، بص ناحيتي وابتسم أبشع ابتسامة ممكن أشوفها في حياتي، وفي لحظة لقيت ظل بيخرج من المراية، ظل أسود شكله صغير وعلى نفس شكل الكائن ده.. خرجت من الحمام من الفزع اللي مسكني وغصب عني وقعت في الأرض، وقدام عنيا بدأ الظل ده يقرب مني، وكل ما كنت بستعيذ بالله يبعد، ويقرب تاني، استعيذ بالله يبعد، وسبحان من قواني وقرأت آية الكُرسي لقيته سابني ودخل الحمام من تاني..

كان عندي يقين إنه عاوز يلمس جسمي، عاوز يتمكن مني، والاستعاذة بعدته عني، بس ابني محبوس في مراية الحمام، ابني بيت. وأنا مش عارفة أعمل حاجة، اتصلت بأخويا مرة تانية وجالي، وبانهيار تام حكتله كل حاجة بالتفصيل، ولولا إنه عارف إني ست متدينة وعقلي كبير كان اتهمني بالجنون..

اتصل بناس كتير عشان يشوف حل في المصيبة دي لحد ما حد وصله بشيخ من محافظة تانية، وأخويا فورًا اتحرك عشان يروح يجيب الشيخ ده وقالي إنه هيوصل على الصبح، وقعدت أنا لوحدي وبطولي، قفلت على نفسي باب الأوضة وفضلت أتنفض، وعلى الساعة ثلاثة بالليل بدأت أسمع صوت ابني، صوته كان واضح أوي.. ـ يا ماما.. ـ يا ماما..

اتنفض مكاني مرة واتنين، ابني رجع ولا ده إيه، فتحت باب الأوضة وأنا قلبي خلاص مش متحمل كمية الفزع ده كله، وقدام باب الحمام لقيت ابني واقف عريان، ومطلع لسانه من بقه، لسانه اللي كان أسود متفحم، وفي لحظة الكائن الصغير عض ابني في رجله وسحبه ناحية الحمام، دخلت أجري وراهم وأنا بصرخ لقيت الاتنين جوه المراية عبارة عن وجوه ثابتة، مبتسمة، وشكلها بشع، وبيبصوا عليا في ثبات رهيب..

رجعت أوضتي وفضلت أقرأ قرآن لحد الفجر، وعلى الساعة ٧ الصبح عملت اللي أمي وصتني بيه لما كانت بتقع في مصيبة بتعمله، فتحت التلاجة وعملت شنطة أكل كبيرة، وروحت على واحدة مسكــ,,ـــــينة أعرفها وادتها الأكل من باب (وأطعِموا الطعامَ) عشان ربنا يأجرنا ويرفع عننا المُصيبة دي، وعلى الساعة ١٠ وصل أخويا ومعاه الشيخ.. قعدت مع الشيخ وأخويا وحكيت كل حاجة بالتفصيل، مكنش ينفع أخبي حاجة، وبلغني إن الموضوع مش سهل أبدًا، لأنه اتخطف في الحمام وهو مكان سكن شِرار الجِن وصعب جدًا نقرأ جوه، بس قال إنه هيقرأ وربنا هيرد الغايب بأمره..

ست ساعات فضل فيهم يقرأ في الشقة ويرش مية ، ست ساعات كرر فيهم آيات أكتر من مئات المرات، ووسط القراءة سمعت استغاثة من الحمام، جرينا بسرعة لقيت ابني مرمي على أرضية الحمام عريان وبيتنفض، خاله غطاه بسرعة وشاله وخرجه على أوضة النوم، والشيخ فضل ساعة كمان يقرأ عليه عشان يرقيه، وعلى بالليل كان ابني بيبكي وسطنا بحُرقة وعمال يترعش..

قالنا إنه كان في الحمام وبعدها اتوتر أوي واتحرج يقول كان بيعمل إيه، وقال إنه حس بضعف شديد وفقد الوعي، بس وهو بيقع شاف حاجة طالعة من المراية، وفضل كتير شايف قدام منه شياطين عمالة تضــ,,ـــــرب في جسمه وهو مشلول مش قادر يتحرك لحد ما صحي ولقى نفسه مرمي عريان في الحمام.. وقتها الشيخ طلب مني أنا وخاله نخرج، بس صوت الشيخ كان وضح رغم كل ده، بدأ يتكلم ويقول:

ـ لما بندخل الحمام نقضي حاجتنا وبس رسولنا الكريم طلب مننا نقول دعاء الخلاء ونستعيذ بالله من الخُبث والخبائث، لأن المكان ده معقل شِرار الجِن، وإنك مُطالب تدخل الحمام تقضي حاجتك وتخرج، إنما تفتح فيلم إباحي، وتتفرج، وعقلك يغيب مع نــ,,ـــــار الشـ ــهوة، وتضعف هالة الإيمان من حوليك لأبعد مدى، أنت كدا بتقولهم تعالوا اتمكنوا مني، تعالوا اعملوا فيا اللي أنتوا عاوزينه، وهما بيكرهوك يابني ويتمنوا ده جدًا..

ربنا طلب مننا نغض البصر ونحفظ الفرج عشان نتقي شرور كتير في حياتنا، ولما تشوف فيلم إباحـ ـي وتعمل العـ ـادة السـ ـرية أنت كدا ولا حفظت البصر ولا حفظت الفرج، وكمان بتعمل ده في الحمام، أحمد ربنا إنه نجاك وأداك فرصة تانية، لأنك المفترض مكنتش ترجع من هناك إلا لما تمــ,,ـــــوت، وقتها كانوا هيرموا جثتك في أي خرابة بعد كام سنة.. [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] سورة النور

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى