أنا بشتغل سواق وممرض على سيارة (تكريم الإنسان) العربية الكئيبة اللي بتاخد المريض من المستشفى بعد ما بيكون (جُ.ثة هامدة) عشان أنقله لأهله أو في أغلب الأحيان بنقله لمثواه الأخير، للمقا.بر، والحقيقة إن الشغلانة دي مختلفة عن أي شغلانة ممكن تسمع عنها في حياتك، لأن فيها كمية حكايات غير طبيعية..
غصب عني كل ما كنت بنقل ميت كنت بسرح بخيالي وبحس من جوايا إني بتكلم معاه، بقوله إن دي آخر عربية هيركبها في حياته، ودي آخر توصيلة، وآخر مرة هتعدي من الشارع ده، أنا مش واخدك للبيت أنا واخدك لقبرك اللي هتفضل فيه لحد يوم الحساب، لدرجة إني كنت بحس إني مُجبر على الشغلانة دي، وإن الأموات اللي بنقلهم كتير منهم بيتمنوا يعملوا فيا حاجة لأني باخدهم للحقيقة اللي فضلوا عمرهم كله يهربوا منها..
وعشان أهرب من كم الأفكار دي كنت أحيانًا أو يمكن كتير بلجأ للمُخـ ـدرات، السجاير المحشية بتصفي الذهن وبتخليك تاخد الأفكار دي بطريقة هادية، لأني كنت شايف إني ممكن أتجنن بسبب الشغلانة دي في أقرب وقت ممكن.. غير إن كان عندي ظرف أسوأ وأسوأ، أمي اللي بقالها خمس سنين مريضة ونايمة في السرير، اللي صرفت على علاجها فوق النص مليون وفضلت زي ما هي متتحركش، ورغم كدا كنت مرعوب من إن ييجي يوم وتمو.ت وتسبني لوحدي، لأني فعلًا ماليش في الدنيا دي غير أمي..
الزوجة غدرت بيا وخلعتني، عيالي كرهوني مع أمهم، وأبويا ما.ت وسابني، وحتى أصحابي قالوا عليا مل.بو.س بسبب الشغلانة اللي بشتغلها دي، أمي الوحيدة اللي كانت دايمًا تطمن عليا وتح.ضني لما أبكي زي العيل الصغير، وافتكر اللي أنا مش عايز أفتكره، عشان كدا فعلًا لو ما.تت أنا ممكن يجرالي حاجة.. ورجعت انهاردة على البيت وكانت عندي عادة أمي معوداني عليها، كنت بسلم عليها أول ما أدخل وأبو.س على إيديها وأحكيلها أنا عملت إيه انهاردة، وحكتلها إني نقلت جُثمان طفل ميت في حادثة لأهله في قرية في محافظة الشرقية، وأد إيه كانت فيه حالة حزن وانهيار كبير عند أهله..
أمي كعادتها فكرتني بصلاتي، وإني لازم أتعظ بالشغلانة دي، أهو عيل صغير وما.ت، وإن مفيش حد كبير على المو.ت، ورغم إني مكنتش بصلي أصلًا بس دايمًا كنت بسمع منها، هي الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي ومينفعش أتجاهلها.. ونمت وأنا مبسوط لأن بكرة أخيرًا يوم أجازتي، نمت تقريبًا لحد الضهر وكنت عايز أكمل اليوم كله نوم، لحد ما جاتلي مكالمة سيئة، حافظها عارفها كويس أوي، ده مدير المستشفى، وطالما مدير المستشفى بيرن أعرف إن أجازتك اتلغت، فكرت أتجاهله بس افتكرت الجزاء اللي خدته لما عملت كدا المرة اللي فاتت، فكنت مجبر إني أرد عليه..
رديت عليه وقالي إن فيه عجز في العربيات انهاردة ولازم آجي وهيعوضني بيوم تاني، وأنا واثق وعارف إنه ولا هيعوضني ولا أي حاجة، شتمته ألف مرة جوايا وقفلت معاه ولبست هدومي عشان أروح المستشفى مرة تانية وأشوف مين الميت اللي قلقني وجاي يمو.ت يوم أجازتي ده.. روحت لأمي وبوست على إيديها، جهزتلها العلاج والأكل وقولتلها إني هروح الشغل، الغريب إنها بصت ناحيتي بصة غريبة وقالتلي جملة مفهمتهاش: ـ خلي بالك منها وسوق بالراحة لأنها بتخاف من السرعة، ومتظلمهاش زي اللي ظلموها..
مفهمتش الجملة ولا وقفت عشان أستوعبها لأني كنت اتأخرت، ركبت بسرعة وروحت على المستشفى، وكان عندي فضول كبير أعرف مين اللي أزعجني في أجازتي، وعرفت إنها واحدة ست عجوزة، جتلها أزمة قلبية وما.تت في المستشفى، وعرفت كمان إني هبقا سواق وناقل كمان، مفيش حد معايا انهاردة بسبب ضغط الأموات، تخيل لما يبقا الضغط في الشغل عشان ناس بتمو.ت كتير، حاجة تضحك صح، ولا يمكن تبكي بس إحنا في غفلة..
نقلت الجثمان للعربية وخدت عنوان بيتها، وفضلت مستني، فين أهلها، فين ذويها، مين اللي هيركب معانا، مفيش حد، ازاي متفهمش، سألت تاني وعرفت إنها كانت عايشة في دار مسنين، وإنها تعبت في الدار وجابوها المستشفى وتواصلوا مع ولادها ولما عرفوا إنها ما.تت طلبوا من المستشفى تجبها لبيتهم بدون ما حد يكلف نفسه ويستلمها بنفسه.. يمكن ده اللي ضايقني أوي، ضايقني بزيادة، أنا فيا كل العِبر لكن الأم لا، لازم تتمالك نفسك قدامها، ولو أنت شيطان، قدام أمك لازم تبقا ملاك، واللي صدمني إني افتكرت أمي وجملتها الغريبة:
ـ خلي بالك منها وسوق بالراحة لأنها بتخاف من السرعة، ومتظلمهاش زي اللي ظلموها.. عشان كدا قررت أتحرك للعنوان اللي كان بعيد أوي ومحتاج ٣ ساعات تقريبًا، واتحركت، لكن المرة دي رغم إني طلعت بأموات كتير لوحدي إلا إنها كانت مختلفة، حالة صمت غريبة رغم إني على طريق مليان عربيات، وكأني سايق في صحرا فاضية وأنا لوحدي في المكان.. حاولت أتجاهل الشعور مقدرتش، طلعت سيجارة أشربها بس افتكرت كلام أمي، وكأنها بتوصيني عليها، ويمكن الدخان بيضايقها، فقررت مولعش حاجة رغم إن ده كان صعب جدًا جدًا، وبدون مقدمات العربية عطلت على الطريق..
وقفت وبصيت على البنزين، الزيت، المحرك، كل حاجة عشرة على عشرة، وبعدين العربيات دي حديثة ومتطورة ومبتعطلش أبدًا، حاولت معاها مرة واتنين لحد ما اشتغلت مرة تانية، اتحركت من جديد وكلها عشر دقايق وعطلت تاني، وقفت مستغرب وفضلت أدور في العربية من جديد لحد ما اشتغلت، وغصب عني بدأت أخاف، فيه حاجة مش منطقية وغريبة بتحصل وأنا مش فاهمها.. بصيت للجثمان المتكفن ورايا وحسيت لوهلة إن ممكن هي تكون سبب اللي بيحصل ده، أو يمكن الــ …
لا لا بلاش أفكر في الموضوع من الأساس، وشوية والعربية عطلت مرة تالتة، والمرة دي حلفت إنها مش هتشتغل أبدًا، حاولت أتصل بالمستشفى لكن مفيش أي شبكة في المكان كأني على طريق مهجور، وقفت أشرب سيجارة على الطريق وفضلت أفكر هعمل إيه، الشمس بتغيب والعربيات قليلة ومحدش بيقف لحد هنا أبدًا.. واتفاجئت إني واقف قدام مقا.بر قديمة على الطريق، مقا.بر واقفة بتبص عليا، لدرجة إني تخيلت إن الست ممكن تكون عايزة تد.فن هنا، وفضلت أفكر لحد ما حسيت بحركة غريبة أوي جوه المقا.بر، كأن حد بيجري أو بيراقبني..
تخيل معاك ميت في العربية وواقف قدام مقا.بر بتحصل فيها أحداث غريبة والشمس بتغيب من حوليك، لوحة كاملة من الرعب، وقبل ما أتحرك وأدخل العربية سمعتها، كان صوت أمي وكانت بتنادي عليا من جوه المقا.بر، هو صوتها أنا عارفه كويس أوي، لدرجة إني كنت هتجنن من اللي بسمعه، حاولت اتأكد من الصوت وبالفِعل هو صوت أمي..
صوتها كان كفيل أجري وأدخل للمقا.بر، مقا.بر قديمة وفيها قبور متهالكة وشكلها غريب أوي، دخلت أكتر لجوه على الصوت، كانت أمي بتستغيث بيا وكأن فيه حاجة بتهجم عليها، وفعلًا وصلت لحارة ضيقة أوي ولقيت أمي قدام مقبرة واقعة وفيه كلب بيهجم عليها، كلب أسود ضخم، حاولت ألحقها مقدرتش لأن شكل الكلب خلاني أتشل مكاني، كلب ضخم وعنده أنياب غريبة..
وقدام عنيا غرز أنيابه في بطن أمي وطلع كليتها في أنيابه، كل ده وأمي بتصرخ وتستغيث بأعلى صوتها، جريت من المكان كله وأنا حاسس بأعراض أزمة قلبية، جريت لحد ما دخلت العربية وقعدت فيها أنهج وأصرخ زي المجنون، أمي جوه بتعمل إيه، وإيه الكلب ده، و.. وبصيت ورايا، بصيت للجثمان، كان مكانه متحركش، لكن لقيت نفسي بفهم كل حاجة، بس ازاي دي ست كبيرة، هتفيدهم بإيه، وبدون وعي مني كشفت الكفن عند جنبها اليمين، واللي توقعته لقيته، خياطة رقيقة أوي وتجميلية عشان محدش يلاحظها..
طول عمري عارف إن مدير المستشفى بيسرق أعضاء من المرضى بتوعه، وتحديدًا اللي ملهمش حد، بس كنت بخاف أتكلم، وأنا من القلة اللي كنت عارف ده، بس إنه ياخد كلية من ست كبيرة، هيبيعها ازاي ويستفيد بيها فين، وكمان ست مُسنة كانت عايشة مقهورة وعيالها راميينها في دار مسنيين، يا جبروتك يا أخي..
دورت العربية لقتها اشتغلت، وبدون تفكير رجعت على القسم القريب من المستشفى ووقفت بالعربية قدامه، العربية بالجثمان، وطلعت قولتلهم أنا معايا جثمان تحت مسروق منه كلية، معايا دليل حي، واتصلوا بالمأمور وحضر وشافوا بعنيهم، كان لازم حق الست يرجع لو هتسجن، لو هخسر كل حاجة، وصية أمي مظلمهاش، وأنا مش هظلمها.. ورجعت بيتي، رجعت في النهاية لقيت أمي مبسوطة وفرحانة، حاولت معاها كتير أعرف هي شافت إيه عشان تعرف إني هوصل ست مظلومة يومها لكنها رفضت، حاولت أوصل لتفسير للي شوفته في المقا.بر والوهم الغريب ده مقدرتش، لكن اللي حاولت أعمله وقدرت هو إني أبطل مُخـ ـدرات وأرجع أصلي تاني..
مانا مش هستنى لما أنام مكان الأموات دول في يوم، أو أمي تنام مكانهم وأبقا مش عارف أدعيلها ازاي لأني جاهل بديني، واللي عرفته إن ربنا بيرد الحقوق، يقينًا بيردها، لو مش في الدنيا بتترد في الآخرة، وإن المظلوم المسكين ربنا بيتكفل بيه، بيحميه، وبيجبله حقه، زي الست اللي حقها رجعلها وهي رايحة تد.فن، ولسة حساب أولادها اللي رموها كمان.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




