روايات

جواهر العَر.جة (1) للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

الست دي اتخ.طفت من الجن يا أستاذ فريد، جملة نطق بيها عم مصطفى بتاع الأمن اللي ماسك العمارة اللي فيها الجريدة بتاعتنا، بصتله بغضب وبرود وبدأت أفكر في رحلة العودة من البلد بتاعته في الوقت المتأخر دا، مهو ببساطة المشوار كله جه على الفاضي، أو كنت فاكر كدا لحد ما شوفت جواهر العر.جة، جواهر اللي خلت شعر راسي كله يقف من اللي سمعته منها..

يومها كنت نازل مخنوق أوي، ندمان على اليوم اللي روحت اشتغلت فيه صحفي وضيعت في الشغلانة دي تلت سنين من عمري، اتمرمطت مرمطة السنين لحد ما اشتغلت في جريدة “القبر” اسم كئيب وغريب ياما نصحت رئيس الجريدة يغيره، بس هو دايمًا كان شايف قلة المبيعات واقبال الناس على موقعنا بسبب تهاونا أحنا في الشغل، محدش عارف يجيب أفكار جديدة، كل الحوادث شبه بعض والجرايد والقنوات التانية سابقينا بمراحل في إذاعة الخبر.. مع إني كنت على يقين إن الجريدة مش ناجحة بسبب اسمها، ومع استمرار تراجع المبيعات بدأ يمشينا من الشغل واحد ورا التاني، وعرفت إن خلاص الدور قرب أوي عليا..

جالي مكتبي وبدأ يمهد إن دا هيكون آخر شهر ليا في الشغل، وإني لو اجتهدت وربنا كرمنا يمكن أكمل، سبته وقتها وأنا في قمة إحباطي وحزني، بيتشرط عليا وهو بيديني ١٥٠ ج في كل مقالة بكتبها، وطبعًا المقالة بتاخد مني يوم كامل شغل وبحث عشان بس تعجبه، ياما رفض مقالات وضيع عليا فلوس.. ودلوقتي بس جاي يرميني من الجريدة خالص، نزلت وخرجت من العمارة وأنا تايه في كم أفكار سوداوية ملهاش أول من أخر، وقبل ما أخرج من مدخل العمارة سمعت صوت بيناديني..

كان عم مصطفى بتاع الأمن، سلمت عليه وكان مستغرب إني معدي ومسلمتش عليه على غير العادة، اعتذرتله بابتسامة باهتة، كان راجل طيب وملامحه هادية أوي، لقيته ناولني كوباية الشاي اللي في إيده وطلب مني أشرب معاه الشاي.. وقتها فعلًا كنت محتاج أجمع أفكاري، أعرف هروح فين أصلًا، خايف أروح بدري يقابلني صاحب العمارة ويطالبني بالإيجار المتأخر، خليني هنا أحسن، عمل كوباية شاي تانية وبدأ يتكلم بأسلوب رقيق جدًا عشان يعرف أنا مخنوق من أيه..

كنت بقعد معاه كتير وكانت فيه بينا علاقة طيب خلتني أحكيله كل حاجة بصراحة، وعرفته إني احتمال كبير أسيب الشغل آخر الشهر، بسبب قلة المقالات، لقيته فكر شوية وقالي: ـ طيب ما تألف حكايات مش لازم كله حقيقي.. ـ ياعم مصطفى أنا كتبت عن كل حاجة، الجن، السحر، المقابر، المشرحة، الأعمال، الجثث، الأضرحة، كل حاجة كتبت فيها ميت مرة لحد ما بقيت بكرر نفسي.. ـ طيب ما تحاول شوية..

ـ للأسف الناس دلوقتي مش عايزة غير عناوين إباحـ ـية عشان تتابع، حتى لو هضللهم، لو عملت مقال بعنوان جن ينكـ ـح فتاة هتلاقي الإقبال بقا غير طبيعي، ومعايا زمايلي انتهجوا المنهج ده، جنـ ـس في جنـ ـس في جنـ ـس، حتى الجثث في حكايات بعضهم بقت بتطلع تغتـ ـصب البنات.. لقيته ضحك ضحكة عالية وقال: ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. ـ تفتكر أنا هبيع ضميري وهعمل كدا؟! ـ طيب بص يابني، أنا عايزك تيجي معايا تسمع من حد معرفة يمكن يجيلك إلهام وتكتب حاجات جديدة..

انتبهت في الكلام أوي وقولت: ـ مين دا ياعم مصطفى؟! ـ بص يا أستاذ فريد أنا هخلص ورديتي بعد ساعة وبكرة أجازتي، تعالى معايا نتغدى وأوديك للشخصية دي ونبات في بيتي.. ـ الله يعزك ياعم مصطفى، أنا مش محتاج أروح خالص أحكيلي أنت وخلاص.. ـ مينفعش يابني للأسف، شرطي الوحيد إننا منحكيش في كلمة عن الموضوع دا لحد ما تقابلها.. حسيت إن الموضوع فعلًا يستاهل، ويمكن يتحقق المثل القائل “يوضع سره في أضعف خلقه” وفعلًا بعد ساعة خرجنا من العمارة وركبنا عربية من الموقف القريب، حاولت معاه كتير يحكي بس كان صارم جدًا، مفيش كلام غير لما أشوف بعنيا..

فضلنا في العربية كتير أوي، تقرييًا ساعة ونص، استغربت من قوة الراجل اللي بيقضي ١٢ ساعة شغل في الأمن ويضيع تلت ساعات كمان من يومه مواصلات، أشفقت عليه جوايا جدًا.. وفي النهاية وصلنا، وصلنا لقرية من القرى اللي أهلها بيناموا من المغرب، القرى اللي بتتحول لمساكن للجن بالليل بسبب قلة البشر فيها، الكل قافل عليه بيته ونايم، وكأنه مستخبي من العفاريت.. مشينا شوية وسط الأراضي الزراعية لحد ما وصلنا للبيوت، البيوت اللي كلها كانت من دور واحد وبعضها من الطوب اللبن، بس مهما كان بتشم ريحة البساطة وبتستكين، بتحس بالهدوء والسكينة بتتغلل جواك..

ولقيت عم مصطفى بدون مقدمات بيشاور على بيت من البيوت وبيقول: ـ الست دي اتخ.طفت من الجن يا أستاذ فريد.. بصتله وأنا مصدوم، مصدوم من سذ.اجة الخبر والحكاية اللي جبني كل دا عشانها، تفتكر فيه حد في ٢٠٢١ هيصدق إن الجن بيخ.طف الناس تحت الأرض، وأنا اللي افتكرته هيجبلي حكاية محصلتش.. لقيته لاحظ إحباطي وقال: ـ متحكمش على الموضوع بالسرعة دي.. ـ ياعم مصطفى موضوع الخ.طف ده اتهرس ألف مرة، الطفل اللي اتخ.طف في الحمام والبنت اللي اتخ.طفت وهي بتغير هدومها وحتى الداية اللي راحت ولدت واحدة من الجن..

ـ يابني مش هتخسر حاجة، هي مستنياك.. بصتله برهبة وقولت: ـ أنت اتصلت بيهم أمتا وأنا معاك طول الوقت؟! ـ مش لازم اتصل يابني، هي عارفة إنك جاي ومستنية.. كلامه كان له مفعول السحر، لقيته قرب من باب خشبي قديم وخبط عليه خبطات قوية، لحظات من الانتظار والترقب ولقينا الباب بيتفتح وبتظهر واحدة ست تقريبًا عدت المية سنة، ست حفر الزمن على وشها وبقت عبارة عن فرع شجر ناشف متيبس، أي شوية رياح هيكسروه ويوقعوه..

لقيت عم مصطفى اتكلم وقال: ـ ازيك يا خالة عزيزة، أنا جيت ومعايا الضيف.. ـ أهلًا بيكم، اتفضلوا.. كنت متعجب وقلقان جدًا، بس دا ممنعش إني اتحمس للموضوع، الفضول اللي دايمًا بيبقا أكبر سبب لهلاك الإنسان، مش مصدقني صح، طيب أنا حابب أقولك ياللي بتقرأ بلاش ثم بلاش تكمل الحكاية دي مهما كان، وحابب أقولك إنك ممكن تهلك بعد قراءة القصة دي، مش مصدقني صح، طيب هنشوف.. دخلت لصالة البيت القديم وشميت ريحة عطنة غريبة، كأن البيت مفيش حد عايش فيه من الأساس، شوية وجت الست العجوزة بكوبيات الشاي حطتها على ترابيزة خشب ولقيتها بتنادي بصوت قوي، كأنها لسة شابة:

ـ بت يا جواهر، تعالي الضيف وصل.. ظهرت جواهر، واحدة في الثلاثينات تقريبًا، فيه عرجة واضحة في مشيتها، بصيت لملامحها لقيتها تقريبًا عمية مبتشوفش لأن عنيها طافية خالص.. وبدون مقدمات قالت بصوت هادي وعميق جدًا هزني من جوة: ـ دفعت الإيجار ولا لسة يا أستاذ فريد؟؟ اتنفضت مكاني وأنا قاعد عشان تضحك هي وتقول: ـ مش هضيع وقت وهحكيلك، عشان النهاية قربت أوي أوي.. وبدأت تحكي كلام كتير أوي، وغريب، وغامض، وعجيب جدًا، كلام خلاني أكتب أغرب مقالة كتبتها في حياتي، مقال بنصحك متكملوش وتقف لحد هنا مهما كان فضولك، مهما كان..

التتمة بعد ساعة إن شاء الله.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى