
دخلت منه وأنا بتنفض وبدأت أبص يمين وشمال، ضوء الممرات كان باهت جدًا، فكرت لو مشيت لآخر الممر هلاقي سلم تاني يطلعني فوق بعيد عن المجانين دول، ومشيت في الممر وأنا ساكتة تمامًا، وفوجئت بحاجة غريبة أوي.. عنبر ١ عنبر ٢ عنبر ٣ فوجئت إن فيه ١٢ عنبر كاملين في الدور ده محدش يعرف عنهم حاجة، وافتكرت كلمة عنبر ١٢ اللي بتتكتب كتير على حمام شقتي، وكملت المشي.. عنبر ١٠ عنبر ١١ عنبر ١٢
العنبر الوحيد اللي كان منور وبابه مفتوح، بصيت بهدوء عشان عنيا تتفح على آخرها من الصدمة، كان فيه مشـ,ـرد نايم على الطاولة متكتف وعـ,ـريان تمامًا، وكان فيه أربع أقفاص فيهم مُشردين متخدرين، وحولين الطاولة كان واقف دكتور منيب واتنين دكاترة تانيين، وفهمت إنهم بياخدوا من الجـ,ـثمان الحي كل الأعضاء اللي ينفع تتاخد وبعدها يدفـ,ـنوه..
حسيت وقتها بفزع كبير، خاصة وأنا شايفة المشرط بيقطع في جسم المشرد واللي كان بيتألم رغم إنه متخـ,ـدر، حسيت بشفقة ملهاش حدود عليهم، وحسيت بكمية الإجرام اللي بيعملها منيب واللي معاه، ودعيت ربنا الموبايل يفتح ويبقا فيه ولو واحد في المية، وفعلًا فتح وصورت كل ده بموبايلي لمدة ثواني وخرجت بسرعة.. وقبل ما أطلع من على السلم حسيت بحد بيمسكني بعنـ,ـف وبيقول: ـ أنتي أيه اللي جابك هنا؟! بصتله بخوف ولقيته دكتور تالت أعرفه، ابتسم بخبث وقال:
ـ دكتورة ندى، أكيد شوفتي اللي بيحصل جوه.. فضلت أتنفض بين إيديه عشان أشوف في إيده مشرط وأسمعه بيقول: ـ تحبي نستفيد منك زي ما بنستفيد منهم، ولا نسيبك تخرجي تبلغي عننا، أعتقد نستفيد منك أحسن.. ووسط فزعي حصلت كل حاجة بسرعة، شوفت المـ,ـشرد اللي عنيه بيضا، مسك إيده بعنف شديد، سمعت صرخة الدكتور الرهيبة، وشوفت عيون المشرد اللي كانت بتقول أمشي من هنا فورًا، جريت زي الصاروخ، وطلعت على قسم الشرطة ورتهم الفيديو، عرفتهم إن المستشفى بتعمل عمل بشع وغير قانوني..
وبعد ساعة بالظبط كان وزير الداخلية بيتابع القضية بنفسه، واتقبض على منيب وطقم الدكاترة كلهم، وعرفنا إن منيب بيجيب كل أسبوع خمس مُشردين، يظهر واحد للنور ويوري الناس أد أيه بيعالجهم وقلبه طيب ويتكرم على إنسانيته، وياخد ٤ ينتهك آدميتهم وياخد أعضائهم كمان.. لسة سامعة آهات المشرد اللي كان شكله مش متخدر بالكامل وهو بيمـ,ـوت بالمشرط، ولسة الوجع بياكل في قلبي عليهم، يمكن وقتها فهمت إننا في نعمة عظيمة، نعمة إن ربنا يخلقنا أصحاء وعقولنا شغالة، عرفت إن دي نعمة عظيمة، وإن غيرنا مبتلى في عقله وعايش زي الأنعام في الأرض..
عرفت إننا لازم نشكر ربنا ليل نهار ونطعمهم ونشفق عليهم، ولو حتى آذونا نتحمل أذاهم كنوع من أنواع الزكاة عن صحتنا، هما في ابتـ,ـلاء، وأحنا في اختبار إننا نشكر ربنا ونعطف عليهم، نشوفهم بشر زينا لأنهم فعلًا بشر، مش نهمشهم ونشوفهم بلاء ونخاف منهم، ونروح نرمي لهم الأكل على الأرض أو نقدملهم أنواع رديئة، بالعكس، لازم نقدملهم أحسن ما عندنا..
اللي أنقذني من المـ,ـوت واحد منهم، الله أعلم هو قرين ميت منهم ولا حي، واللي دلني عليهم برضه قرين حد منهم، وده معناه إنهم كانوا عايزين حقهم اللي اتسلب منهم في الدنيا، ربنا يرحمهم ويسامحني على تقصيري وكراهيتي ليهم بدون سبب، ووعد كل ما هشوف حد منهم في الشارع هدخل على أقرب مطعم أجيب أكل وأقدمه له بابتسامة كبيرة مع دعاء إن ربنا يعوضهم بالجنة.. [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] سورة التوبة
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




