
لسة فاكرة كلام جدتي كويس أوي، خاصةً لما بصت يومها بصة غريبة ليا وقالتلي بالنص: ـ أنتي كدا هتلفتي نظرهم ليكي يا بنتي.. قالت الجملة دي ساعتها وفي نفس اليوم بالليل ماتت، ماتت ومقدرتش أحل اللغز بتاع كلامها غير الأيام دي بس، كلامي ممكن يبان غريب ومش مفهوم، بس خليني أحكيلك حاجة أغرب من الخيال، حاجة يمكن كل البنات مش فاهمينها أو فاهمين بس مخدوعين زيي كدا..
دخلت الجامعة زي أي بنت ودخلت في الصدام المتوقع لأي بنت في المرحلة دي مع أهلي، هما شايفين إن اللبس بتاعي بدأ نوعًا ما ياخد منحنى مش محترم وإن ده مش من الدين ولا الشرع، وأنا كنت شايفة إنهم مكبرين الموضوع وإن كل البنات بتلبس كدا عادي وإن العقلية المتخلفة دي لازم تتغير بقا، البنت دلوقتي بقت رئيسة جمهورية وأحنا لسه بنعدل على لبسها ونقول البنطلون ده ضيق والفستان ده قصير..
ومن جوايا كنت مقتنعة إن رقم واحد في تخلفنا ده إننا مركزين في تفاهات، وإن الإيمان الحقيقي مكانه القلب، مش شوية هدوم ولا هيقدموا ولا هيأخروا، وفضلنا في صراع طويل مع بعض لحد ما بدأ أبويا يغضب عليا وأمي تحاول بشتى السُبل تصلح ما بينا، وكانت النجاة من كل ده لما سقطت في سنة أولى وقررت أحول لكلية تانية، وبما إن الكلية التانية مش متاحة في جامعة المحافظة بتاعتنا فكان لازم أقدم في جامعة القاهرة وأسكن في السكن الجامعي..
وفعلا وبعد نقاش طويل وافق والدي مُضطر، ولقيت نفسي في يوم وليلة في السكن الجامعي بره أي قيود وتعقيدات، بل وشوفت الحرية الكاملة في جامعة القاهرة، اللي عايزة تلبس نقاب بتلبس، واللي عايزة تمشي من غير حجاب هتمشي، والإيمان في النهاية مكانه القلب، وبدأت أمارس الهواية الأقرب لقلبي بكل حُرية، هواية ابراز كل الجمال اللي جوايا بكل الطُرق..
مفيش حاجة بتنزل موضة إلا ولازم أجربها، كنت بجيب شهريًا بمبالغ كبيرة ميكاب وأجرب كل الإطلالات بتاعة النجوم والفنانين، كنت نجمة، برنسيس، استايلي ولبسي والميكاب بتاعي عملولي حضور وشخصية وسط الدفعة بتاعتي أسرع من المتوقع، بل وبعض البنات بدأت تقلدني بكل الطرق، كنوع من أنواع الغيرة.. كنت مبسوطة، بعمل كدا لنفسي مش عشان أجيب عريس ولا الشباب يبص عليا زي ما المغيبين بيقولوا ويرمونا بالباطل، وفي خلال سنة جربت تقريبًا كل أنواع الموضة، ولبست كل حاجة تبرز أنوثتي للأعمى حتى، بس في النهاية دي حريتي، ولو كلمتني وقولتلي بأذي الشباب هقولك ما يغض بصره، قناعتي ومش هتتغير..
أو يمكن جه وقت الحساب بطريقة سريعة ومن المكان الأبعد عن نفسي، كانت عندي عادة غريبة شوية، وهي إني أقف قدام المراية أكتر من ساعة بالليل أجرب الميكاب واللبس واتأمل نفسي بطريقة مُبالغ فيها، بل أوقات كنت بحب أقف عارية قدام مراية الحمام واتأمل نفسي بغرور شديد، غرور اتولد جوايا من نظرات الولاد والبنات اللي كانت كلها انبهار وإعجاب كبير..
في الليلة دي كنت أنا وصاحبتي بس في السكن، وأنا كالعادة في الحمام بجرب ماسك جديد وبجرب نوع روج جديد، شغلت المية السخنة وخدت دش سخن عشان وشي يتغسل كويس عشان أجرب الماسك، واتملى الحمام بالبخار كالعادة، خلصت الدش ورحت ناحية المراية الضبابية اللي قفلت الرؤية بسبب البخار اللي اتكثف عليها..
مسكت قماشة وجيت امسحها بس اتفاجئت بحاجة غريبة أوي، شوفت آثار كف إيد صغيرة زي إيد الطفل معلمة على المراية من الجنب الشمال، تأملتها بتعجب غريب لفترة طويلة، بعدها حاولت اتجاهلها وبدأت أمسح المراية عشان أشوف نفسي، بس الغريب إن آثار الإيد مكنتش بتتمسح إطلاقًا، وكأنها محفورة على المراية، أو الاحتمال المُرعب إن الآثار دي من جوة المراية نفسها، والأغرب إن آثار البخار مكنش بيتمسح من على المراية، وفضلت أحاول امسحها بدون أي نتيجة..
وقفت قدامها مستغربة، مش فاهمة أيه السبب، في اللحظة دي لمحت حركة على سطح المراية، وكأن فيه إيد صغيرة بتمسح المراية من جوة، والضباب كان بيتمسح معاها، بصيت بعيون فزعة ناحية الإيد لحد ما ظهرت قدامي في المراية عين مشوهة، عين سودة بتنزل مادة سودة لزجة زي الدم.. وقتها صرخت، صرخت بأعلى صوت وخرجت من الحمام وجريت على الأوضة، صاحبتي كانت تحت ومحدش سمعني، قعدت في الأوضة بترعش من الرعب وحاولت أقنع نفسي إن اللي شوفته ده كان مجرد وهم، وفين وفين لحد ما قدرت أنام، بس الغريب إن في نومي شوفت نفسي في أوضتي بلبس واتزين عشان انزل للكلية..
والمُفزع إن كان فيه كائن قصير زي الطفل وشه كبير أسود وشعره طويل وعيونه بشعة كان بيبص على جسمي بصة ترعب، وأنا في الحلم كنت عريانة وبلبس ومش شايفاه، وهو كان بيتأمل جسمي بنظرات شيطانية، لدرجة إنه قرب مني أوي وأنا برضه في الحلم بلبس ومش شايفاه، وبعدها بلحظات بدأت إيديه تطول لحد ما حطها على رقبتي وبدأ يلمسها، في اللحظة دي اتنفضت من نومي لما حسيت بنفس اللمسات على رقبتي..
قلبي كان بيدق وكنت عرقانة ومش قادرة أنطق من الرعب، كانت الشمس طلعت قمت عشان ألبس وأروح الكلية، بس الحلم فضل معايا، راعبني، لدرجة إني لبست لبس الكلية فوق لبس البيت من رعبي من اللي شوفته في الحلم، وعدى اليوم عادي نوعًا ما، ورجعت السكن وأنا بحاول اتناسى كل اللي حصل ودخلت الحمام من تاني، بس المراية كانت عادية وكل حاجة طبيعية، بدأت أخد الدش بتاعي..
مسافة ما فتحت الدش بدأت أسمع صوت خبط، كأن فيه حاجة بتخبط على باب الحمام، قفلت الدش وحاولت أسمع بس مفيش حاجة، فتحت الدش من تاني وبدأ صوت الخبط من تاني، قفلت الدش وبدأت أركز أكتر، وقتها بس قدرت أحدد، كان فيه صوت طرقات جاية من المراية، طرقات غريبة.. قربت من المراية وأنا قلبي بيتنفض ومسافة ما بصيت شوفت نفس الكائن بيبصلي من مراية الحمام، وقبل ما أهمس بحرف قطع نور الحمام، واتشليت مكاني، ولساني اتشل، مكنتش قادرة أنطق بحرف واحد، في اللحظة دي بس حسيت ببرد رهيب بيمسك في جسمي..
جسمي مشلول، لساني مشلول، وقلبي هيقف من الفزع، وبدأت أحس بإيد باردة بتلمس جسمي، إيد صغيرة، ناشفة، حاسة بضوافرها بتنغرز في جسمي، وبدأت تتحرك على جسمي كله وأنا واقفة بتنفض زي المصروعة، وفضلت الإيد تتحسس جسمي لأكتر من دقيقة لحد ما فقدت الوعي ووقعت في الحمام، وفضلت ليلة كاملة واقعة في الحمام وحاسة من حوليا كيانات بتطير وبتتفرج على جسمي العريان.. كنت خجلانة، مقهورة، ببكي وأنا في الغيبوبة بسيول من الدموع والقهر والندم، وصحيت، صحيت على خبط على باب الحمام، كانت صحبتي، تمالكت نفسي بالعافية ولبست هدومي وخرجت..
دخلت أوضتي وفوجئت بعلامات كتير أوي على جسمي، علامات زرقا لكف إيد صغير زي اللي شوفته على المراية، وحتى في نومي بقا بيتكرر حلم واحد بس، بشوف نفسي عريانة ومتعلقة في حبل وسط المقابر، وفيه حيوانات كتير بتتفرج على جسمي ونظراتهم كلها شهـ ـوة ورغبة، وبعدها بيقربوا مني ويفضلوا يتحسسوا جسمي بقسوة لحد ما اتنفض من نومي وأصحى ألاقي جسمي كله علامات..
ومن يومها بدأت اتدمر، شعري يقع، ملامحي تبهت، ووزني ينقص، كنت عاملة زي اللي جالها سرطان غريب، وشوفت في العيون شماتة غريبة، محدش وقف جمبي ولا واساني، وفضلت شهر كامل عايشة في جحيم ملوش أول من آخر، لحد ما قابلتني صديقة ونصحتني، قالتلي أيًا كان التعب اللي فيكي، الجئي لربنا مش هيسيبك..
وفعلًا ولأول مرة أحس بقيمة النصيحة دي، اتوضيت وصليت، وفضلت أدعي ربنا كتير وابكي، بكيت يومها وكأني كنت مخزنة دموع سنين، دموع تعب وخوف وقهر، وقتها بس حسيت بهدوء نفسي كبير، وبدأت ألتزم، ونوعًا ما بدأت الأحلام تقل معايا واحدة واحدة، لحد ما في ليلة وأنا نايمة شوفت جدتي الله يرحمها، كنا واقفين أنا وهي في مكان واسع وكانت بتقولي: ـ كدا هتلفتي نظرهم ليكي يا بنتي.. ولقيت الفرصة وقتها إني اتكلم وأفهم، قولتلها: ـ تقصدي مين يا جدتي؟؟
ـ اللي عايشين معانا وبيراقبونا يا بنتي، اللي بيشوفوا عوراتنا ويشتهونا يا بنتي.. ـ تقصدي الجن؟؟ ـ الجن وغيرهم، لازم نستخبى من عيونهم اللي بتنهش في أجسامنا يا بنتي.. ـ وأنا خلاص مش هتزين تاني عشان استخبى منهم يا جدتي.. في اللحظة دي سمعت صوت غضبان بيقول: ـ غلط.. بصيت ناحية الصوت وشوفته، جدي الله يرحمه اللي مات وأنا لسة طفلة، فاكراه وعارفاه من الصور ـ غلط، أحنا بنخفي عوراتنا عشان ربنا قال حرام مش مخافة من الجن والإنس..
رديت عليه بتوتر وقلت: ـ بس يا جدي أنا مؤمنة وقلبي أبيض..
ـ أكبر غلط إنك تكوني فاهمة الدين والإيمان باطني بس، الدين ظاهر وباطن، واللي الظاهر بتاعه فاسد لازم يكون الباطن بتاعه فاسد، ضحكوا عليكوا ودخلوكوا في صراعات مين يغض بصره ومين تخفي زينتها، ونسيتوا إن اللي بتتزين مبتشمش ريحة الجنة، ملعونة ومطرودة من رحمة ربنا، محدش فهمك إنك بلبسك ده بتفتني ألف شاب، بتعصي ربنا، بتفسدي في الأرض، بتتلعني ليل نهار بأفعالك، مين ضحك عليكي وفهمك إن الإيمان في القلب وإنك بتتزيني لنفسك، نفسك أهم ولا كلام ربك، كلام ربك اللي عصتيه فخليتي هوام الجن ينتهك جسمك، ولو شايفة إن ده عقاب فلسة عقاب ربنا أصعب ألف مرة..
وقتها بكيت، بكيت كتير أوي وقلت: ـ أعمل أيه يا جدي؟؟ ـ ترمي كل اللبس ده وتلتزمي، وإلا فأنتي حكمتي على نفسك بالطرد من رحمة ربنا في الدنيا وفي الأخرة كمان، هتعيشي ملعونة، مفتونة، موهومة، وهيضحكوا عليكي ويقولوا إنك صح وإنهم الغلط، لحد ما تلاقي نفسك في قلب قبر مقفول عليكي وبتتحاسبي لوحدك، اتقي الله في نفسك لأن محدش هيرحمك، ولا بشر، ولا جن، ولا حتى ملائكة العذاب.. وصحيت، صحيت ودموعي بتسيل على خدي، وبدأت أجمع كل هدومي عشان ارميها والتزم بالحجاب الشرعي، وقتها بس سمعت آية قرآنية بتقول [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ] سورة النور
قال النبي ﷺ (صِنْفانِ مِن أهْلِ النَّارِ لَمْ أرَهُما، قَوْمٌ معهُمْ سِياطٌ كَأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَها) صحيح مسلم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




