روايات

وهم الحرية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا أكتر واحدة عملت مشاكل مع جوزها لدرجة إننا كنا بنعمل قعدة عُرفية بمعدل مرة أو أكتر في الأسبوع الواحد، كنت عايشة معاه عشان نتلكك لبعض بس، كرهته غصب عني بسبب غيرته الزايدة اللي بقت تخنق، السوق مكنتش بعرف أنزله عشان أشتري حاجتي بحِجة إني هحتك بالبياعين وهو مش حابب كدا، ممنوع أشتري حاجة من حد بيلف بالخضار تحت البيت..

لبس معين اللي أخرج بيه وأغلب خروجاتي كانت معاه هو وبس، وكانت حِجته إنه مسؤول عني وإن الست لازم يكون فيه رقيب عليها في كل أفعالها مهما كنت كويسة وإن الرقابة مش شك وإنما هي مسؤولية، بس كل ده كرهني فيه أكتر لحد ما الناس زهقوا مننا، أهلي مبقوش يقعدوا في القعدات العُرفية لأني بصراحة مكنتش بسمع ليهم وفي النهاية اتقالي بالنَص: ـ أعملي اللي أنتي عاوزاه..

ولقيت إني لو كملت هدمر حياتي وإني لازم أخرج للدنيا وأعيش شبابي اللي بيتدفــ,,ـــــن معاه، عشان كدا قررت اتطلق المرة دي، ورغم إني كنت مستنية حد يعترض أو يحاول يوقفني عن قراري بس الكل كان مؤيد، أحنا خلاص ملناش عيشة مع بعض، بس عشان أقهره رفضت تمامًا البنت تعيش معاه مهما حصل، البنت هتعيش معايا أنا لحد ما تبلغ السِن القانوني، وانفصلنا تمامًا، وهو شهادة لله أداني حقوقي كلها وساب الشقة ليا ولبنته نعيش فيها..

وكلها أسابيع وأخواتي سابوني وكل واحد عاش حياته ولقيت نفسي وحيدة محدش بيسأل عليا إطلاقًا، بس عكس المتوقع محستش بالضيق ولا بالحُزن أبدًا، لأني من الستات اللي عندها طاقة مبتخلصش، الست اللي بيقولوا عليها مبتتهدش، عشان كدا بقيت بخرج أشتغل، واشتري حاجات آخر النهار واتاجر فيها، وانزل بالليل أروح لصحباتي وأتمشى في الشوارع وأرجع أعمل الأكل وأنام أنا وبنتي عشان يبدأ يوم جديد..

ورغم إنها حياة كلها مرمطة بس كنت بعاند وشايفة إني هكمل في الحياة دي، وإني هعمل حاجة في حياتي يوم ما، وحاجة مهمة جدًا كمان، ومشيت حياتي لمدة ١٠ سنين كاملين، ١٠ سنين كنت شغالة فيهم في مصنع وبتاجر وبخرج وبروح، عملت علاقات مع ناس كتير أوي وبقيت بقعد على الكافيهات وعايشة حياتي وبقا معايا مصدـ,,ـــر دخل كويس أوي..

حتى بنتي بقت صاحبتي رغم إنها كانت بتدلع شويتين عليا، بس كنت ناوية أدلعها أكتر وأكتر وأخليها تشوف اللي أنا مقدرتش أشوفه في حياتي، وكمان قررت مجوزهاش دلوقتي خالص غير لراجل مش معقد وعنده أمراض نفسية زي أبوها، وهي ولأنها اتعلقت بيا أول لما كملت ١٦ سنة رفضت تروح لأبوها، وهو تفهم الموضوع أو يمكن مبقناش نفرق معاه وسابها معايا..

في الفترة دي بدأت تحصل مشاكل بيني وبين عبير بنتي لأنها كانت بتزهق من القعدة لوحدها، ولما بتكون في الأجازة بتضايق، فعرضت عليها تيجي تشتغل معايا في المصنع اللي أنا فيه، وبما إني قديمة في المكان فكنت أقدر أشغلها في مكان كويس أوي، طبعًا طارت من الفرحة، طالعة لأمها عندها طاقة غير طبيعية.. وفعلًا روحت وعرضتها على المدير، وقرر إنه يشغلها في مكان اسمه (العينات) مكان في المصنع بيختبر عينات القماش ويشوفها تنفع للشغل ولا لا، مكان بيشتغل فيه عدد محدود ومتدلعين دلع كبير وعندهم كانتين وكافيتريا وعايشين حياتهم وكمان مرتبهم كويس أوي..

ومن تاني يوم شغل بدأت أحس بالنشاط بيدب في عروق بنتي، ولقيت نفسي بفتكر أبوها المُعاق ذهنيًا لما كان بيقول الست مكانها البيت، لا الست مكانها الشغل وتقدر تعمل شغل أجدع من أي راجل في الدنيا، والدليل أهو أنا وبنتي.. وفرحت أكتر لما عرفت إن عندها قَبول زي أمها وعرفت أصحاب كتير من الشغل أكبر منها ومن عمرها وبقت بتخرج معاهم بعد الشغل وعايشة حياتها، لحد ما بدأت ألمحها من وقت للتاني بتقف مع شاب في الشغل تضحك وتهزر..

ومن جوايا فرحت أكتر، خليها تعيش عمرها بدون عُقد وخنقة ومشاكل، وبدأت ألمح عليها السعادة أكتر وبقت بتسهر تتكلم كتير في التليفون وكنت من وقت للتاني بقفشها بهزار وأحذرها تخلي بالها من نفسها بالضحك، وكملت الحياة يمكن سنة، سنة شوفت فيها بنتي بتكبر وتبقا عروسة زي القمر، حتى الناس في المصنع بقوا بيحسدوها على نشاطها وجمالها وكانوا بيقولوا إنها طالعة لأمها..

كنت فخورة بيها بطريقة غير طبيعية لحد ما بدأت أشوفها فعلًا أكبر إنجازاتي في الحياة، ولما أبوها كان بيحتاج يشوفها كنت بقوله الحمد لله إن البنت اتربت معايا وإلا كانت هتطلع معقدة ومتخلفة وإني هخليها أحسن بنت في الدنيا وهعيش عشانها وبس.. لكن كان واضح إن عيون الناس مش هتسبنا في حالنا، لأن البنت بدأت تتعب كل شوية وملامحها تتغير ويظهر عليها التعب والإرهاق، بدأت تشتكي من بطنها وترجع كتير وتغيب من الشغل والدراسة وكمان بقت بتشتكي كل شوية من الخنقة والضيق وبقت بتتحاشى تقعد معايا كتير أوي..

سألت أكتر من حد وقالوا أكيد محسودة ولازم تترقي، وفعلًا واحدة زي بنتي تتحسد وجدًا كمان، عشان كدا بدأت أروح بيها على أكتر من حد يرقيها، وكانت بتتحسن وترجع حالتها تسوء من تاني، وترجع حالتها تتحسن وترجع أسوأ تاني..

وفضلت شهرين كاملين متمرمطة معاها ومع ذلك كنت بخرج وبحاول أعيش حياتي لأنها نكبة وهتعدي، وأنا قّد أي حاجة تحصل، ومش هقول محتاجة راجل جنبي في الظروف دي، أنا أقدر أعمل كل حاجة، لحد ما جت أسوأ ليلة في حياتي لما صحيت قلبي مقبوض بطريقة غريبة، دخلت أطمن على بنتي لقتها منزلة مية لونها أبيض من بقها ومرمية في الأرض، جريت عليها وفضلت أهز فيها بس مكنتش بتتحرك.. صرخت وفضحت الدنيا والناس اتجمعوا وخدوها معايا على المستشفى، وهناك خرجت ممرضة سمرا مش هنسى ملامحها وهي بتقول بكل برود وكأنه أمر عادي:

ـ البنت مـ ـاتت.. الكلمة وقتها نزلت عليا زي الصاعقة، وقعت من طولي، شقيت هدومي، حطيت التراب على راسي، صرخت، لطمت خدودي، حاولت أطعن نفسي، حاولت أرمي نفسي من فوق، عملت كل حاجة سيئة يومها، والأسوأ إن المستشفى رفضت تسلمني بنتي وبلغوا الشرطة لأن فيه شبهة جنائية ولازم تتشرح..

بنتي، البنت النشيطة الجميلة اللي عندها ١٧ سنة بس مـ ـاتت وكمان هتتشرح بعد دقايق، حاولت أترجاهم رفضوا تمامًا، لازم تشريح، وقضيت ليلة عاملة زي الجحيم كنت بتمنى فيها أقع في الأرض وحد يبقا جنبي، حد يقف معايا بس، اتصلت بجوزي أستنجد بيه وأتوسل له يجي بسرعة، وكلها نص ساعة وجالي وهو مخضوض، وقتها خرج التقرير، التقرير المُرعب، البنت كانت حامل ومـ ـاتت بسبب جرعة كبيرة من أدوية بتسبب إجـ ـهاض..

تعرفوا إني فقدت عقلي يومها، فقدته بجد وجريت في الشارع أصرخ زي المجنونة، بنتي مكنتش محسودة، بنتي بسبب تربيتي ليها القذرة رافقت شاب من المصنع وحملت منه، ولما خافت من الفضيحة صحباتها نصحوها بأدوية إجـ ـهاض، ولما خدتها مـ ـاتت بسببها، دلوقتي فهمت ليه وجود الراجل مهم، مهم جدًا كمان، وإن الراجل الغيور نعمة عظيمة للست، لأن وجوده بيمنع كوارث عظيمة إنها تحصل..

لو متطلقتش مكنتش بنتي هتروح مصنع وترافق شاب وتعمل الحرام وتمـ ـوت، لو كنت لسة متجوزة كان زماني بعمل الأكل في البيت وبشرب الشاي وقاعدة مع جوزي وبنتي، لكني عاندت الفِطرة اللي ربنا فطرني عليها، ونسيت إن ربنا بيرحم المرء اللي بيعرف قدر نفسه، وأنا ست..

الست ضعيفة، ولو ربنا رحمها من العناء لازم ترحم نفسها، إنما لو مرحمتش نفسها محدش هيرحمها، وربنا مش هيعينها لو كانت ظالمة، لأنها مش أرملة أو مضطرة، الست مش غيورة زي الراجل، عشان كدا التربية محتاجة راجل أكتر من الست، واستسهال الست بيعمل مشاكل غير طبييعة، كل ده بقوله وأنا…..، ولا بلاش أقولكم أنا فين دلوقتي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى