روايات

الوجه القبـ,ـيح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أمي كانت بتقولي إن الداية اللي ولدتها فيا رفضت تاخد أي فلوس وكانت قـ,ـرفانة ومتضايقة من شكلي يوم ولادتي، وحتى الستات كانوا بيهزروا يومها حولين أمي وبيقولوا: ـ الواد ده طالع وِحش لمين؟! وطبعًا كلامهم مكنش مجرد هزار وإنما كان فيه جزء كبير من الحقيقة اللي الكل شايفها، حتى أمي كانت شايفاها وكان عندها أمل إن ملامحي هتتحسن نوعًا ما لما أكبر، لكن الوضع كان بيزداد سوء يوم بعد يوم وكانت المشاكل بتكتر كل شوية..

كل خروجة بمشكلة، كل ما بخرج ألعب مع العيال بتخانق بسبب التنـ,ـمر على شكلي، حتى لما كنت بروح أشتغل مع العُمال في الزراعة كانوا بيتسلوا عليا طول اليوم ويخلوني أداة للضحك والهزار.. سنين طويلة كانت كفيلة إني أكره حياتي وشكل جبهتي المربعة وشكلي كله، حتى إني كنت بعتزل الناس لفترات طويلة أوي، فكرت أكتر من مرة في المـ,ـوت وكنت بتمناه من جوايا لحد ما في فترة اتعرفت على مشايخ كانوا بيزوروا بلدنا وسمعوا حكايتي وقعدوا معايا وفهموني إني لو صبرت على البلاء ده هيكون الأجر الجنة وإني لازم ألجأ لطريق ربنا..

وفعلًا التزمت معاهم فترة طويلة ورغم شكلي بقيت بشوف نظرات الاحترام الكبيرة في عيون الناس كلها، لكن زي ما بيقولوا النفس أمارة بالسوء ولما إيماني ضعف مرة تانية رجع الوضع معايا أسوأ من الأول، وللأسف كنت ضعيف ومكملتش في الطريق ولا حاولت أرجعله مرة تانية..

ومن كتر المشاكل والخـ,ـناقات جتلي الشغلانة الوحيدة والمناسبة للحالة اللي أنا فيها، أشتغل تُربي في مقـ,ـابر بلد جنبنا، قاعد جنب الأموات طول الليل محدش منهم هيصحى ولا هيسخر من شكلي، وبالنهار بروح أنام في بيتي بدون ما أقابل أي حد، بس زي ما هي شغلانة مناسبة جدًا ليا كانت كمان بداية المشاكل بالنسبالي، لأن وجودي وسط الأمـ,ـوات خلاني أشوف حاجات غريبة بيعملها الأحياء في المكان ده واللي هو مش مكانهم من الأساس..

المنطقة اللي ورا المـ,ـقابر كانت المكان الوحيد اللي بتتباع فيه مخـ ـدرات في البلد، والغيط اللي ورا المقـ,ـابر كانت بتحصل فيها عـ,ـلاقات حرام بين بنات الليل وشباب من بتوع المخـ ـدرات، المنطقة كلها متلغمة بالأعمال والأسحار اللي بيجي ناس يدفنوها في المكان من وقت للتاني، غير إن المكان نفسه مش مظبوط وكل شوية بتشوف حاجات وتسمع أصوات وناس بتنادي عليك ورعب ما بعده رعب..

وفي المكان ده شوفت الاحترام الكامل، شوفته من تجار المخـ ـدرات وبتوع الأعمال وغيرهم، والكل بقا بينادي ويقول (عم حامد) لأن الكل كان عارف إنهم ليهم مصلحة كبيرة أوي معايا لو مشيت معاهم في السِكة دي، ومحدش منهم كان يقدر يجبرني على حاجة لأني لو اشتكيت لأهل البلد هييجوا يفرموهم، لأن المكان ده له قدسية كبيرة وكبار البلد قعدوا معايا وقالولي إني في حمايتهم وأي مشكلة أجي أبلغهم بيها..

يعني مكنتش مُجبر ولا خايف من العيال دول، لكن حبيت وجودهم، حبيت الأكل اللي كان بيجيلي كل يوم، والسجاير والشاي والفاكهة، حبيت مكانتي لما كانوا بياخدوا الإذن مني قبل أي حاجة ممكن يعملوها، لحد ما بدأ كام شاب ييجوا يقعدوا معايا بعد ما اتعلمت شرب الحشـ ـيش وبقينا بنعمل قعدات من دي..

وبدأ شاب منهم ينصحني أسهل الموضوع أكتر وتكون ليا نسبة من المخـ ـدرات اللي بتطلع، وإن حرام أضيع عمري بدون ما أعمل شوية فلوس، معرفش ليه وقتها افتكرت كلام المشايخ زمان، لما قالولي أكتر حاجة تضيع الإنسان هي التنازلات اللي بيقدمها في الحرام، وإني عزيز عند الله طالما مُبتلي وأقرب للجنة من النار، إنما لو البلاء خلاني أسـ,ـخط على أقدار الله هكون من أهل النار..

كلام كتير مش فاكر أغلبه، لكن اللي فاكره كل لحظة استهزاء شوفتها وكل واحدة رفضت إنها تتجوزني أو تكلمني، نظرات الستات ناحيتي اللي كلها اشمـ,ـئزاز وكلام الناس اللي دبـ ـحـني، عشان كدا مكنش عندي استعداد اتنازل عن الحياة دي، أنا هنا ملك، ملك المقابر، كل حاجة هنا بتتعمل بإذني أنا وبس..

عشان كدا بقيت بسهل كل حاجة، دفـ,ـن الأعمال، المخـ ـدرات وتجارتها، حتى لو حد عامل مصيبة وعايز يدفـ,ـنها ولو حتى كانت جُـ,ـثة كان بيدفع وكنت بعديهاله، لحد ما لمحت في مرة شاب داخل مع بنت ورا المقابر وبدأت أفتكر حاجات كتير، افتكر حرماني من الجواز وإن تكون في حياتي واحدة ست..

عشان كدا بدأت أطلب أعمل الحرام مع البنات دول، وطبعًا مكنش فيه واحدة منهم تقدر تقول لا أو ترفضني، لكن كنت بشوف في عنيهم نظرات كلها قرف ناحيتي حتى وهي معايا، نظرات كانت بتحسسني بالنقص وبتفكرني بكل القديم، ورغم استمتاعي بالحرام ده إلا إنه كان مؤذي جدًا، كنت بحس نفسي كيان بشع لا يصلح إنه يلمس ست..

ومع المخـ ـدرات الكتير اللي كنت باخدها عشان أنسى واللي كفيلة تولد جوة عقلك كل الأفكار الشـ ـاذة اللي في الدنيا ومع دفن بنت شابة من البنات بدأت أفكر في الأمـ ـوات، في العادي مش هتفكر في حاجة زي دي، إنما المخـ ـدرات تخليك تفكر في الجنون نفسه.. وفتحت أول مقبرة لبنت كنت دافنها وعملت الفِعل ده مع المـ ـيتة، عملته وكانت أول مرة مشوفش في عنيها نظرات اشمئزاز ناحيتي، لأنها كدا كدا مـ ـيتة ومش حاسة بحاجة، عشان كدا حبيت الموضوع ده ولقيته بيغنيني عن الجانب ده كله، لدرجة إني مبقتش بشتهي الأحياء من الستات وإنما الأمـ ـوات وبس..

وبقا يوم فرحي لما بتدفـ,ـن واحدة وعمرها صغير نوعًا ما، بل وبقيت بجهز حاجات السهرة من المخـ ـدرات والأكل والشُرب، ويومها كنت بقفل المقابر خالص، ممنوع حد يقرب منها لحد ما انتهي من اللي عايز أعمله، لحد ما بلغوني بجنازة بنت شابة مـ ـاتت انهاردة وإني أجهز المدفن بتاعها.. عرفت إنها لسة عروسة جديدة مكملتش شهرين، معرفش ليه فرحت بزيادة، فرحت أوي، أنا هعوضها عن عريسها ده اللي جه في بالي، وأثناء الدفن فضلت أرمي عيني عشان أشوفها أو ألمحها بالكفن بس أهلها كانوا مهتمين أوي بسترها، حتى إن حد يلمحها، وكانوا بيدعولها وبيقولوا عاشت محتشمة وهتمـ ـوت محتشمة..

بس كل ده ميهمنيش أنا يهمني إن الليل يجي بسرعة عشان أفرح باللي عايز أعمله، وفعلًا جهزت كل حاجة وروحت بالليل أفتح عليها المقـ,ـبرة بتاعتها، معرفش ليه حسيت إن حد بيحدف عليا حجارة وأنا رايح، حاجات بتحصل كتير، لكن التوقيت غريب، وكأنها بتحذرني من إني أقرب منها، شوية وموبايلي رن، كان واحد معرفة بيسهر معايا وعارف اللي بعمله..

كان بيكلمني عن البنت وقالي بلاش دي، دي بنت محترمة بزيادة ومحدش كان يعرف شكلها وأنا خايف عليك، استغربت كلامه وحسيت بخوف من جوايا، بس شربت سيجـ ـارة مخـ ـدرة عشان أفصل دماغي خالص، ونزلت فعلًا وفكيت الكفـ ـن من عليها وقتها بس سمعت صوت من ورايا، صوت غضبان، وكل حاجة ضلمت تمامًا.. …………….

فيه شاب راح القسم وكان غـ ـرقان د م، وقال إنه راح يقرأ الفاتحة بالليل عند قـ,ـبر مراته اللي مـ ـاتت من ساعات، ولقى التُربي فاتح المقبـ,ـرة وبيعـ,ـري جسمها فمسك حجر ضخم وهشم راسه جوة القبر لحد ما فرمها تمامًا، وشال مراته دفـ,ـنها في مكان تاني وراح بلغ عن نفسه بعدها، البلد اتقلبت يومها، والشاب بعد تحقيقات كتير خد براءة بس فضل اللغز الكبير إنه ازاي راح في التوقيت ده تحديدًا..

وقال بعد كدا اللي مقالوش في التحقيقات، قال إنه شافها في الحلم بتطلب منه يجلها بسرعة خلال خمس دقايق، وفعلًا راحلها وشاف المشهد ده وانتقملها وهي مـ ـيتة، والقصة اتوثقت في أكتر من مكان وكل الناس لعـ,ـنت التُربي ده، لـ ـعنوه لأنه كانت قدامه فرصة يبقا إنسان كويس بس أختار السهل وبقا شيـ,ـطان، مش كل شخص مُختلف أو بيتعرض لأذى يمشي في سكة الشـ,ـيطان.. أحيانًا اختلافك بيميزك عند الله ويخليك تقرب أسرع، وقتها أجرك يكون أكبر بكتير من الناس العادية، وافتكر إن بلاءك أوقات كتير بيكون في استهزاء الناس بيك فاصبر ومتتغيرش للأسوأ..

[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ] سورة العنكبوت بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى