
قبل فرحي بأيام جدتي تعبت أوي وكنا كل شوية نوديها المستشفى، بس للأسف حالتها مكنتش بتتحسن أبدًا بحُكم السِن والمرض اللي كان عندها واللي محدش كان قادر يشخصه من الأساس، عشان كدا كنت بقضي اليوم كله تقريبًا معاها أساعدها وأخدمها لأنها كانت دايمًا نايمة في السر,,ـــــير وكنت بمهد إني أكلم خطيبي عشان نأجل الفرح شوية لحد ما جدتي تتحسن لأنها أكتر إنسانة بتحبني في الدنيا ومحتاجة إنها تكون معايا وواقفة في فرحي..
لكن أمي أول ما عرفت اللي في دماغي كانت هتمــ,,ـــــوتني بالمعنى الحرفي، وقالتلي إننا مش هنأجل الفرح إطلاقًا ومفكرش في الموضوع دا مرة تانية، ولما حاولت أستنجد بوالدي عرفت إنه مش هيقدر يعمل حاجة رغم إنها أمه، لأن أمي لما بتصمم على حاجة بتعملها مهما حصل، عشان كدا استسلمت للأمر الواقع وفضفضت مع جدتي اللي قالتلي أكمل في فرحي عادي لأنها عاوزة تفرح بيا مهما حصل وإن شاء الله هتكون كويسة..
وقبل الفرح بيومين تقريبًا روحت لجدتي وشوفت نظرتها اللي حفظاها كويس وعرفاها، فيه حاجة عايزة تقولي عليها والحاجة دي مش هينة أبدًا، والحاجة دي كنت بعتبرها سِر بيني وبين جدتي وبس، جدتي كانت دايمًا بتشوف رؤى للناس اللي بتحبهم، وكل الرؤى كانت بتتحقق بكل حذافيرها تقريبًا، عشان كدا لما كانت تقولي إنها شافت ليا رؤية كنا بنفسرها وبنفذ اللي فيها بالظبط، واللي شافته المرة دي غالبًا مش سهل، مش سهل خالص..
جدتي شافت رؤية تحذيرية من خطيبي اللي هنتجوز أنا وهو بعد يومين، والتحذير مكنش هين، تفسير لرؤية بيقول إني هتأذي أذى كبير أوي لو كملت في الجوازة دي، واعتذرت وفضلت تبكي لأنها مكنتش عايزة تكسر فرحتي بس حاجة زي دي مينفعش متقولهاش.. ومشيت من عندها وأنا حاسة بإحساس قاسي أوي، ورغبة قوية في إني أفرح وأكمل فرحي وأبقا عروسة، ورغبة تانية في إني متجاهلش تحذير عارفة كويس إن تجاهله معناه أزمة كبيرة في حياتي، وكنت متيقنة من جوايا إني مش هتجاهل التحذير وتحديدًا لأنه جاي عن طريق أكتر إنسانة بحبها في الدنيا..
رجعت وأنا بتجهز للصدام مع أمي عشان أقنعها ازاي ألغي الفرح اللي تقريبًا الناس كلها اتعزمت عليه وكل حاجة جهزت، ومسافة مع حكيت لأمي شوفت قدام مني إنسانة معرفهاش، وشها اتغير ووشها بقا لونه عامل زي الد م ومسكتني حبستني في الأوضة وقالتلي نصًا: ـ لو متجوزتيش هتبرى منك للأبد..
ووقعت في حيرة رهيبة، ومبقتش عارفة ازاي هقدر أقنع أمي بحاجة زي دي واللي أبويا نفسه مبيعرفش ياخد قدامها حق ولا باطل، وكان واضح إن الموضوع هيكمل غصب عني، ولما حاولت مرة أخيرة وقولتلها إن جدتي شافت رؤية إن الجوازة دي هيكون منها أذى كبير قالتلي لو هي نفسها شافت رؤية هتتجاهلها وهتكمل الفرح..
وبعد يوم كامل تيقنت إن خلاص الفرح هيتعمل وسلمت أمري لله، وجهزت للفرح وعرفت إني خلاص هتزف خلال ساعة بالكتير، وقررت أزور جدتي للمرة الأخيرة، بس طبعًا خروجي بفستان الفرح ولوحدي كان جنون ومحدش هيسمح بيه أبدًا وتحديدًا أمي، عشان كدا قعدت ودخلت أنا وعريسي عش الزوجية وأنا من جوايا متضايقة ومخنوقة لأني مسلمتش على جدتي السلام الأخير..
وبعد يومين بالظبط قررت أروح أزور جدتي وأطمنها عليا وأقولها إني بخير وإن غالبًا الرؤية اللي شافتها كانت مجرد حلم وإن كل الأمور كويسة، بس لما روحت اتفاجئت إن البيت مقفول، لوهلة قلبي اتقبــ,,ـــــض وروحت لأمي وسألتها فقالتلي إنها راحت عند عمتي في مصر تقعد عندها فترة، استغربت جدًا لأن جدتي عمرها ما كانت بتسيب بيتها وتقعد عند حد، بس هعمل إيه، ولما سألت عن السبب أمي قالتلي حاجة مش لازم أعرفها والحمد لله على قد كدا..
وفعلًا أموري مشيت تمام يوم كمان، لحد ما كنت مع جوزي وقاعدين في البلكونة بنضحك وبنهزر وسمعنا مرة واحدة صوت رزع وكأن باب الحمام اتخبط بكل قوة، قمت مخضوضة وجوزي طمني وقالي إنه هيروح يشوف فيه إيه، وفعلًا راح وفضلت مترقبة دقيقة اتنين ومفيش أي صوت، ناديت عليه مرة واتنين وتلاتة، لحد ما قمت من مكاني وروحتله، وقدام عنيا لقيته واقع على الأرض وكأنه عامل زي الجــ,,ـــــثه.. صرخت بأعلى صوت وناديت على أبوه وأمه وخدوه وجريوا على المستشفى ولسبب مش مفهوم اتحط تحت جهاز الأكسجين واتقال إن القلب نبضاته ضعيفة جدًا وإنه هيفضل فترة تحت الملاحظة..
رجعت لأمي وأنا حزينة وزعلانة وحكتلها على اللي حصل، لقيت وشها اتغير وقالت: ـ حسبي الله ونعم الوكيل.. مفهمتش هي قصدها على مين، بس فضلت متابعة حالة جوزي يومين كاملين على أمل إنه هيتحسن، لكنه للأسف مكنش بيتحسن إطلاقًا، وكان الوضع بيسوء يوم بعد يوم.. وطبعًا مكنش ينفع أسيب شقة جوزي في الظروف دي وكنت بنام فيها لوحدي، وكل شوية كنت بسمع نفس الخبط على باب الحمام، بس كان خبط ضعيف وكنت بوهم نفسي إنه مجرد وهم مش أكتر، لحد ما اتكرر نفس الموضوع المرة دي بس كان خبط قوي ومُرعب..
روحت ناحية الحمام وأنا بقدم رِجل وبأخر رِجل لحد ما لمحت في الضلمة واحدة ست عجوزة مدياني ضهرها، كان باين من لبسها وشكلها، وقفت متسمرة ومرعوبة لحد ما لفت ناحيتي، ولما شوفتها جريت عليها وناديت بكل لهفة (جدتي).. قربت منها وحاولت أحــ,,ـــــضنها بس وقفت قبل ما أوصلها، كان فيها حاجة غريبة أوي، ولما دققت أكتر فهمت، وشها كان شاحب وعنيها مفيهاش أي بريق، وكأني ببص لجــ,,ـــــثه جدتي مش إنسانة حية، مقدرتش أتحمل لحظة تانية ووقعت من طولي، ولما صحيت سبت البيت كله وجريت على بيتنا، بكيت في حــ,,ـــــضن أمي كتير أوي وحكتلها اللي شوفته، لقتها اترعشت أكتر وقالتلي:
ـ أنا لازم أقولك على الحقيقة.. وقالتلي على أغرب حاجة ممكن أسمعها في حياتي، قالتلي أحلام جدتي اللي كانت تشوفها كانت بسبب إنها ست بتاعة أعمال وأسحار مش ست مؤمنة ومتدينة، وإنها كانت دايمًا بتمنعني عنها عشان كدا، ولما قالت إن جوازتي هتكون سبب أذى كانت بتقولها عشان مش عاوزاني أتجوز وأقعد جنبها وهددت إنها هتسحرني أنا وجوزي، عشان كدا أمي صممت أبويا يمشي جدتي تعيش بعيد عند أخته لأنها خايفة عليا، بس واضح إن السحر اللي جدتي عملته لسة مستمر والدليل إني شوفتها بالشكل المُرعب ده..
دخلت أوضتي وانهرت من العياط، جدتي اللي كنت بحبها ومبحبش غيرها طلعت ست مش كويسة وكمان عاوزة تأذيني، طيب ليه كل دا، بكيت كتير لحد ما روحت في النوم خالص، وهناك اتفاجئت بيها، بجدتي، زعقت فيها في الحلم وقولتلها إنها بتأذيني وإنها ست مش كويسة، لقتها اتكلمت بحزن ومرار وقالت: ـ تفتكري أنا ممكن أعمل كدا، دنا كنت بحفظك قرآن من صغرك وبعلمك الصلاة، روحي عند عمتك هتعرفي إني مش هناك وقوليلها جدتي فين؟؟
وصحيت من النوم مخضوضة، ورغم الخوف اللي في قلبي قدرت أجيب رقم عمتي من تليفون أبويا من وراه وكلمتها، واتفاجئت إن جدتي مش عندها أصلًا، ولما عمتي كلمت أبويا قالها إن جدتي مـ ـاتت يوم فرحي، وهما خبوا الخبر عشان الفرح يكمل، وتحديدًا أمي اللي قالت كدا لأبويا وأجبرته يعمل كدا.. وجت عمتي للبلد تجري ومعاها خبر مُرعب أكبر، بلغت وقالت إنها شاكة في مــ,,ـــــوت جدتي، وبلغت إنها اتدفــ,,ـــــنت بدون تصريح دفــ,,ـــــن وده محل شك كبير أصلًا، ولما جت الشرطة وحققت وقالوا هنطلع الجثمان أمي متحملتش واعترفت إنها خنقت جدتي و.ـ ـتها، أيوة أمي اللي عملت كدا..
أمي هي اللي بتاعة أعمال وخرافات وحاجات من دي، وكانت بتكره جدتي طول عمرها لأنها ست متدينة وبتحبني أوي، ولما جدتي حلمت وحاولت تمنعني أتجوز جوزي ده كان بسب إنه ابن واحدة تانية بتاعة أعمال، وأمي معجبهاش الكلام وفكرت في فكرة شيطانية، طول عمرها منتظرة مــ,,ـــــوت جدتي عشان ورث أبويا تاخده كله، فقررت تتخلص منها يوم الفرح، عشان تقنع أبويا يدفــ,,ـــــن بدون عِلم حد ويقولوا إنها سافرت ومحدش هيسأل عليها خلاص..
وهي اللي عملت عمل ليا ولجوزي عشان أخاف وتقنعني بروايتها الكذابة وإن جدتي ساحرة، بس سبحان الله يشاء ربك إن كل حاجة تتكشف بسبب حلم تاني تشوفه عمتي، حلم شافت فيه أمي بتخنق أمها اللي هي جدتي بحبل رفيع.. ورغم إن أمي انتهى مستقبلها إلا إني مزعلتش عليها ومفتكرتش غير كلام جدتي وبس اللي كانت بتقوله دايمًا، المؤذي مبيأذيش غير نفسه، لأن ربك سبحانه وتعالى قال [وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] سورة فاطر.. الله يرحمك يا جدتي..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




