روايات

اختـ,ـناق ثقيل للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

صحيت من النوم انهاردة عرقانة بطريقة غريبة ومش مفهومة، يمكن أول مرة في حياتي أصحى وألاقي نفسي بمـ,ـوت بالطريقة دي، لدرجة إن العرق كان بيدخل جوة وداني وعنيا ومكنتش عارفة أتنفس، روحت على الحمام غسلت وشي وبصيت في المراية واتفاجئت بمنظر غريب، كنت حاسة إني باصة لواحدة تانية خالص..

واحدة وشها شاحب وعنيها حمرة أوي، غسلت وشي مرة تانية ووطيت التكييف عشان تزيد نسبة البرودة وحاولت أنام بس مقدرتش للأسف، فضلت طول الليل حاسة إن مفيش أكسجين إطلاقًا وإني بمـ,ـوت بالبطيء لحد ما طلعت الشمس، ومع أول ضوء للنهار رجعت كل حاجة طبيعية وكأن مفيش أي مشكلة، قمت خدت دش بارد رغم إننا في الشتاء والناس بتسخن المية قبل ما تستحمى لكني مكنتش قادرة..

وخرجت روحت الشغل ونوعًا ما نسيت كل حاجة رغم إني كنت بنام على نفسي في مكتبي، وخلص اليوم ورجعت البيت وكانت كل حاجة طبيعية لحد ما دخلت عشان أنام لأني كنت خلاص فصلت، واتكرر نفس الموضوع مرة تانية، اتكرر بنفس الصورة، بصحى من النوم غـ,ـرقانة عرق، بشهق وكأني بغرق ومش عارفة أخد نفس واحد، وبقوم أجري على البلكونة عشان أحس بأي نوع من أنواع الأكسجين..

التكييف في الليلة دي كان مخلي الأوضة زي الفريزر، والجو كان برد أوي، غير إني عمري ما عرقت وأنا نايمة من الأساس، لا صيف ولا شتا، لحد ما جه الصبح وأمي دخلت عليا وكانت هتصرخ من برودة الأوضة، فضلت تسأل عن سبب إني وطيت التكييف بالطريقة دي بس مردتش عليها، وفي الشغل كنت بمـ,ـوت من النعاس ومش قادرة أتكلم بنص كلمة، لحد ما واحدة صاحبتي نصحتني لما عرفت إني أروح أكشف عند دكتور جلدية لعل وعسى تكون فيه مشكلة..

وفعلًا وفي نفس اليوم روحت لدكتور وحكيتله كل حاجة، الغريب إنه مكنش مستوعب اللي بقوله، وقالي إن ممكن يكون عندي مرض نادر لأن الأعراض دي غريبة جدًا وفي النهاية كتبلي على برشام وقالي استمر عليه وأجيله بعد سبع أيام، لكن للأسف استمر الموضوع بصورة أسوأ وأسوأ، عرق غير طبيعي لدرجة إني المرة دي كنت خلاص بمـ,ـوت لولا إني قدرت أقوم بالعافية..

في اللحظة دي بدأت أسمع صوت أنفاس غريبة، وكأن فيه حد معايا في الأوضة بيتنفس، كانت لحظات صعبة، رعب مع عرق شديد ومش عارفة أتنفس نفس واحد، خرجت بسرعة من الأوضة، على البلكونة ووقعت في الأرض، بحاول أتنفس ومش قادرة لحد ما حصلي إغماء كامل وكنت همـ,ـوت.. صحيت لقيت نفسي على جهاز أكسجين في المستشفى وعرفت إنهم لحقوني بمعجزة، خرجت آخر اليوم فضلت أبكي بصمت، حاسة بخوف غير طبيعي، وسط أهلي وفي بيتي وحاسة إني غريبة، إحساس الأمان اتعدم من جوايا واتبدل بإحساس مُرعب ومُخيف، إحساس إن المـ,ـوت نفسه بقا بيتربص بيا، المـ,ـوت اللي كلنا بلا استثناء بنخاف منه..

وفي الليلة اللي بعدها اتكرر نفس الموضوع، رغم إني كنت نايمة في البلكونة والجو برد زي التلج، حسيت إن الدنيا بتضلم وإني بتسحب في مكان مظلم، وبدأت أحس إن فيه حد بيخنقني عشان يتخلص مني، وأسمع نفس صوت الأنفاس الغريبة اللي كنت بسمعها، صوت أنفاس تقيلة أوي، مُخيفة، وشلال من العرق بينزل بصورة رهيبة عشان يخـ,ـنقني.. صحيت وملقتش غير حل واحد، روحت أنام في البانيو، مليته مية باردة ونمت جواه، ولما صحيت لقيت المية سخنة نار لدرجة إني خرجت منها وأنا مرعوبة..

كل الأمور دي للأسف وقعتني في دور برد قاتـ ـل خلتني أقضي أسوأ أسبوع في حياتي كله، برد ممـ ـيت خلاني متحركش ولو لحظة واحدة من السرير، لدرجة إنهم جابوا واحدة صاحبتي تقعد جنبي وتفضل تلقني الشهادة لكني مكنتش برد عليها، كنت سامعة وشايفة كل حاجة، بس ولا قادرة أهمس ولا أحرك جسمي لحد ما حصلتلي التهابات شديدة بسبب إني نايمة على وضع واحد، كنت بتعذب عذاب غير طبيعي، بشوف المـ ـوت ألف مرة في اليوم، لحد ما بدأت من جوايا أقول:

ـ يا رب خُدني، يا رب مش قادرة أتحمل لحظة واحدة تانية.. وفضلت على الحال ده لحد تاني يوم، لحد ما بدأت أتحسن وعرفت فعلًا أتحرك، وعلى بالليل لقيت صاحبتي (مُنى) جاية، مُنى اللي كانت بتلقني الشهادة كل شوية، اتكلمت معاها بصعوبة وشوفت فرحة غير طبيعية في عنيها، قالتلي إنها طلعت صدقة عني وصدقة عن (حليمة) صاحبتنا.. استغربت شوية وسألتها، الصدقة عني بنية الشفاء إنما الصدقة عن حليمة اللي مـ ـاتت ليه، مكنتش فاهمة، لقتها بصت ناحيتي وقالتلي:

ـ ركزي يا سارة، ركزي هتعرفي كل اللي أنتي فيه ده ليه.. وغصب عني بدأت أركز، وبدأت أفتكر حاجات كتير أوي أوي.. أنا طول عمري ضد الحجاب والنقاب، أنا بنزل يوميًا بفساتين بنص ومفتوحة وشعري ظاهر طول الوقت، مش متخيلة أتحمل الصيف أبدًا بحجاب أو خمار، واللي بتلبس نقاب في الصيف دي بالنسبالي بتنتـ ـحر، وكنت بصرح بده ودايمًا بتريق على المختمرات والمُحجبات، مفيش واحدة من صحباتي نجت من الأذى بتاعي..

حتى يوم وفـ,ـاة حليمة، صاحبتنا المنتقبة، روحنا يومها نودعها الوداع الأخير، ولما طلبت صاحبتنا ندخل نحضر الغُسـ,ـل أهلها رفضوا وقالوا إنها عايزة تفضل مستورة ومتتكشفش على أي حد إطلاقًا ووصت مين يغسـ,ـلها وهي أمها وأختها بس، لقيت نفسي يومها ببتسم وبقول: ـ أحسن تكون طلبت تدفـ,ـن بالنقاب كمان عشان تفطس جوة القـ,ـبر..

قولتها باستهزاء كالعادة، قولتها وأذيتها حتى وهي مـ ـيتة، ومن بعدها بدأت الأحداث دي، شوفت الحر والعرق وبقيت بتعذب بيه عذاب غير طبيعي حتى في عز البرد، بقيت بمـ ـوت، بتخنق طول الوقت، وبعاني معاناة رهيبة، وعرفت إن مُنى ربطت بين أفعالي وبين تعبي، وطلعت صدقة عني وصدقة تاني لصاحبتنا حليمة، ودعت ربنا كتير وعرفت إنها كانت بتصلي جنبي وبتدعي ليل نهار بالشِفا ليا..

يومها كلمتني وقالتلي كلام خلاني أنهار من البُكاء، قالتلي إن يوم القيامة الشمس هتبقا فوق الرؤوس، فيه ناس كتير العرق هيغرقها تمامُا، ٥٠ ألف سنة غرقانين في عرقهم وبيتعذبوا عذاب فظيع، لدرجة إنهم هيتمنوا إنهم يدخلوا النـ,ـار أحسن من الوقفة دي، وفيه ناس هتستظل بظل الرحمن يومها، الناس دول منهم اللي صام في الحر عشان يتقي حر يوم القيامة، ومنهم اللي التزمت بالنقاب والحجاب الشرعي في عز الصيف عشان ربنا يسترها في الدنيا والآخرة، ومنهم ومنهم..

اللي بيتحمل حاجة في الدنيا لوجه الله ربنا بيأجره عليها وأهم أجر هو إنه ينجيك يوم الحر الشديد، يوم القيامة، وأنا للأسف كنت متبرجة، لبسي قـ ـذر وبتحجج عشان الصيف، أهو ربنا ابتلاني بلاء قاسي في عز الشتا، عشان أفهم إن اللي بيعصي ربنا عشان مصلحة في الدنيا ربنا قادر يدمره ويمنع عنه المصلحة دي، في حين اللي بيتقي الله ربنا بيجازيه كل خير.. كل مختمرة ومنتقبة بيعدي عليها الصيف وربنا بيعينها ولها أجر كل خطوة بتمشيها، ولسة أجر الآخرة، عشان كدا أنا هكون زيهم، هتقي الله وهلبس كويس من انهاردة، وهبقا ملتزمة ولو كل بنات الأرض مش ملتزمين..

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى