روايات

اختـ,ـفاء العروس للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

يوم الصباحية بتاعتي صحيت من النوم ملقتش مراتي نايمة جنبي في السرير، وكنت حاسس بصداع غير طبيعي وعمال اتألم وأحاول أتمالك نفسي عشان أقدر أقف على الأرض، دورت في الأوضة وفي الشقة كلها على مراتي بس مكنتش موجودة، والغريب إن باب الشقة كان مقفول من جوة، يعني استحالة تكون خرجت بدون عِلمي..

قعدت على الكرسي أحاول افتكر، يمكن كل اللي حصل ده كان حِلم وأنا لسة خاطب ومتجوزتش، أو يمكن كل ده وهم وأنا أساسًا معرفش واحدة اسمها (عبير) دورت في الشقة أكتر لقيت فستان الفرح على الكرسي، ولقيت أكل محطوط على السُفرة، وده معناه إني مش بتخيل ولا بتوهم، أنا فعلًا اتجوزت ومع ذلك مش عارف ألاقي مراتي في الشقة..

لحد ما سمعت صوت خربشة في الدولاب، وأول ما فتحته لقيت مراتي جوة متكومة على نفسها في مساحة ضيقة جدًا، استحالة طفل صغير يعرف يدخل فيها، مش عارف دي دخلت فيها ازاي، سحبتها بكل قوتي عشان أعرف أخرجها لقتها بتنكمش على نفسها أكتر وعمالة تترعش والدموع بتنزل من عينيها بصورة غريبة، لكنها كانت دموع ملونة بلون أحمر باهت..

حاولت أطمنها وسألتها عن سبب بكائها لكن نظراتها خلتني مكملش كلامي، وقولت في نفسي يمكن أتأذت بسببي امبارح وأنا مش واخد بالي، اعتذرتلها ودخلت الحمام خدت دش وحسيت إني فوقت شوية، رجعت أدور عليها لكنها كانت اختفت من تاني، الشقة كلها فاضية، الباب مقفول من جوة، وحتى مراتي مش موجودة في الدولاب، دورت من تاني لحد ما لقتها محشورة ورا غسالة المطبخ، في مكان أصغر من المكان اللي كانت فيه في الدولاب..

خرجتها من مكانها لقيت دراعها وارم ولونه أزرق بصورة مُخيفة بسبب إنها كانت محشورة في المكان بطريقة غلط، حاولت أداويها لكنها رفضت تمامًا ودخلت الحمام وقفلت على نفسها الباب، وفضلت في الحمام من الساعة ١٠ الصبح لحد الساعة ١٢ بالليل، طول الوقت ده وهي جوة وأنا مش عايز أخبط عليها لأني خايف المرة دي ألاقيها محشورة في عين الحمام مثلًا ولا حاجة..

لقيت نفسي بدون أي وعي مني نمت، ورغم إن الأوضة كانت حر بطريقة لا تُطاق إلا إني روحت زي ما بيقولوا في سابع نومة، وصحيت على لمسات رقيقة من زوجتي، فتحت عيني لقتها متزينة ومبتسمة وقالتلي إنها جهزت الأكل لأني مكلتش طول اليوم، قمت من سريري مبسوط، وفعلًا لقتها مجهزة وليمة كاملة على السُفرة..

دخلت الحمام اغتسلت ورجعت على السُفرة واتفاجئت إن كل اللي موجود مجرد طبق عدس وريحته صعبة جدًا وكأنه بايظ، وجنب منه رغيف خبز ناشف والفِطر المتعفن فوق منه، حسيت بغضب غير طبيعي وناديت عليها في كل مكان لكنها كانت اختفت، وملقتهاش في أي مكان، ولقيت نفسي بسيب الشقة كلها وبخرج..

فكرت أروح لأمي لأني كنت محتاج أتكلم معاها شوية، وأحكيلها على الحاجات الغريبة اللي بتحصلي وعن مراتي اللي كل شوية بتختفي بصورة غريبة دي، وفعلًا روحت البيت وفتحت بالمفتاح وناديت عليها، بس أمي اللي مبتسبش البيت خالص ملقتهاش، البيت فاضي وعامل زي بيت الأشباح، ورغم إنها مش موجودة قررت أنام هنا الليلة لأني من جوايا كنت خايف أرجع شقتي.. ونمت الليلة دي في بيت أمي، وأول ما روحت في النوم لقيت نفس الإيد الرقيقة بتصحيني مرة تانية، واتفاجئت إنها مراتي ومعاها أمي، وسمعت مراتي بتقول لأمي:

ـ أهو من وقت ما اتجوزنا وهو مختفي خالص ومش عايز يقعد معايا، ده حتى ملمسنيش ولا قرب مني.. لقيت نظرات أمي اتغيرت وبقت كلها نظرات لوم وعتاب، حاولت أبرر أو أحكي عن الحاجات الغريبة اللي بتعملها لكن لساني كان وكأنه اتعقد مكانه ومكنتش عارف أتكلم بنص كلمة، شوية ورجعت أمي وطلبت مني أرجع لمراتي لأنها سبقتني على شقتي، وفعلًا رجعت الشقة اللي كانت فاضية تمامًا، والمرة دي لقيت مراتي من تاني جوة الدولاب عمالة تترعش وتبكي زي عادتها..

المرة دي بس ثورت عليها وغضبت وبدأت أزعق لأني كنت متوتر ومش قادر أتحمل، لدرجة إني ضـ,ـربتها على وشها عشان تفوق من الجِنان اللي هي فيه، الغريب إنها ابتسمت، ابتسمت زي الشيطانة ولقيت نور الشقة كله طفى، وقدام عنيا بدأت أشم ريحة بخور غريبة وأسمع صوت جاي من الحمام، صوت مش مفهوم وكأنه صوت مجموعة قرود محطوطين في قفص مخصوص عشانهم..

مقدرتش أتحمل المشهد ولقيت نفسي بقع من طولي وتحديدًا لما الصداع شد عليا أوي، وفضلت على الحال ده أسبوع كامل، مراتي تظهر وتختفي، الناس في الشارع محدش منهم بيتكلم معايا وكأني مش موجود، ولقيت نفسي بعد الفترة دي غصب عني بروح بالليل لصديقي الوحيد، عم (ماجد) اللي كان بيشتغل أمن في مستشفى جنبنا، روحتله ولقيته ابتسم وعملي شاي وقعدت معاه، سرحان مبتكلمش، أو يمكن مش لاقي كلمة واحدة أنطقها.. والغريب إنه بدأ يتكلم ويحكيلي عن حالة جت انهاردة المستشفى عندها برد وعلى بالليل كانت مـ ـاتت وفضل يحكي عن حاجات كتير وختم الجملة في النهاية وقال:

ـ ودفناها في قبر قريب من القبر اللي اتدفـ,ـنت فيه مراتك من عشر سنين.. الكلمة فزعتني وبصتله برعب كامل لقيته ضحك ضحكة طويلة وقال: ـ أنت لسة بتنسى وتفتكر زي المجانين، يابني مش أحنا دفناها سوا من عشر سنين، وللعلم أنا لقيت حل للحالة اللي أنت فيها دي.. كلامه بس رجعلي الذاكرة كلها، من عشر سنين بالظبط لما اتجوزت، وسمحت لصحابي يعملوا الواجب معايا زي ما بيقولوا ويدوني مخـ ـدرات ومنشطات، خدت يومها حاجات معرفهاش لدرجة إني غبت عن الواقع وصحيت لقتني قاتـ ـل مراتي وحاططها في الدولاب..

وعشان أهرب من المصيبة دي طلعت عليها سُمعة إنها هربت ليلة الفرح مع واحد بتحبه وأهلي قدروا يطلعوني منها ودفناها بدون عِلم حد، أمي الوحيدة لما عرفت مـ ـاتت من الصدمة، ماتت وهي مش راضية عني إطلاقًا.. وبعد المصيبة دي بدأت أفقد عقلي يوم بعد يوم، والناس بقوا يعاملوني على إني مجنون، وبقيت كل سنة في توقيت جوازي بتحصلي حاجات غريبة أوي ومش مفهومة، وهي إني بنسى كل حاجة وبعيش الحكاية مع مراتي من أول وجديد، قالوا مرض نفسي وقالوا مس من الجِن..

كل اللي اعرفوا إن جسمي بيتحلل وأنا عايش، وإن (ماجد) ده شريكي في المصيبة دي ودفن معايا مراتي يومها، واللي اتفاجئت بيه إني فاقد النطق من خمس سنين مبنطقش بنص كلمة، وإن كل اللي شوفته في شقتي وشقة أمي كان جنان ويمكن شغل عفاريت..

ماجد كمل كلامه وقالي إن الحل في إني أدفن نفسي جنب مراتي وهو هيقفل عليا الباب عشان أرتاح، وإلا هفضل أتعذب عمري كله، قال كلامه وفضل يضحك بأعلى صوته، بيستهزأ بواحد مجنون وكمان فاقد للنُطق، محستش بنفسي غير وأنا بمسك حجر وبكسر دماغه ألف حتة، لحد ما الغفير بتاع المنطقة قبض عليا وسلمني للشرطة اللي ودتني في النهاية للمصحة، واللي سمعت الدكتور بيقول فيها: ـ الراجل ده أيامه في الدنيا معدودة وشكله شاف الويل في حياته..

صدق في نص الجملة التانية، وياريت يصدق في الأولى وأمـ,ـوت وارتاح، لأني استحق ده، كل راجل بيسلم نفسه لغيره أو لصديق سوء يستاهل اللي يجراله، كل راجل يسيب المخـ ـدرات تسوقه ويعمل الحرام ويغيب عقله اللي ربنا أنعم عليه بيه يستاهل، كل راجل بياخد منشطات تدمره وتدمر جسمه يستاهل، عشان كدا ربك حرم الخـ,ـمر، حرمها تمامًا، بس أحنا اللي بنحب طريق الشيـ,ـطان وطريق النار.. [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] سورة المائدة

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى