روايات

السحر القديم للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

جوزي مات وسابلي تلت شباب صغيرين كلهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي يوم وليلة لقيت نفسي لوحدي، لوحدي مع تلت شباب محتاجين مصاريف كتير أوي وبصورة مُنتظمة متخلصش، وأنا لو هقول إن ليا مصدر دخل واحد هكون كدابة، لأني معنديش ولا أي مصدر دخل، وحتى مصاريف الشهر اتصرفت كلها في الجنازة والعزاء والأمور دي كلها..

وقعدت بعد أيام الحُزن أشوف الدنيا اللي بقت كلها أسود في أسود، هعمل أيه وهروح وهاجي منين، وبدأ الخوف يدب في قلبي، خوف من المستقبل اللي بيقولي إني هشوف ولادي بيمو.توا من الجوع قدامي وأنا مش قادرة حتَّى أطعمهم، ومفيش أي مجال إني أشوف المستقبل غير كدا للأسف..

وقعدنا بعد أيام العزاء ناكل من الأكل اللي بعته بعض الجيران كنوع من أنواع الوِد لحد ما خلص كله، وقعدت قدام باب البيت أبص للناس بحيرة وخوف، عايزة أصرخ وأنادي فيهم حد يساعدني، عايزة اشتري حفاظات ليهم وإلا هيمرضوا ويتعبوا، عاوزة أجيب لبن وأكل معين مبيعرفوش ياكلوا غيره، طيب ابني اللي بينادي وبيقول أنا جعان يا ماما بطريقة صعبة جوة ده هعمل معاه أيه..

وعدت أيام صعبة، أيام كنت أتمنى أمو.ت ولا إني أعيشها، لحد ما واحدة جارتنا اقترحت عليا أجيب أرانب وأربيها فوق السطوح وخلال أسابيع هيبقا مشروع كويس وأكتر من حد هيتعامل معايا لما يعرف ظروفي، وكمان سلفتني عشان أشتري شوية أرانب وأربيهم، وبالفعل نزلت تاني يوم اشتريت الأرانب..

بدأت أربيهم وأنا مستنية بفارغ الصبر اليوم اللي هبيع فيه أول جوز أرانب وأجيب فلوس، ولادي من قهرتي عليهم بقيت بسيبهم يقعدوا قدام باب المسجد والناس بقت تعطف عليهم بأكل أو أكياس لبن أو أي حاجة، أما أنا ففضلت تلت أيام مكلتش حاجة تقريبًا لحد ما كنت همو.ت من نقص التغذية، أيام صعبة وبدعي إنها تعدي على خير..

لحد ما فعلًا مشيت الأمور معايا شوية، بعت أول جوز واتنين وتلاتة وكنت بخطط أشتري تاني وأوسع المشروع، لحد ما طلعت في يوم لقيت الأرانب كلها ميتة، معرفش ده تعلب ولا عِرسة ولا أيه بالظبط، بس اللي أعرفه إن المبلغ اللي معايا يادوب يسد الدين اللي عليا، ورجعت في يوم وليلة لنقطة الصفر..

يومها بصيت للسما، مكنتش عارفة أقول أيه، يارب كانت حصلت مع حد غيري، إنما الخسارة دي مينفعش إنها تحصل معايا بأي شكل من الأشكال، مينفعش، وساءت حالتي أكتر وأكتر ومبقتش عارفة أنا ممكن أعمل أيه، لحد ما جارتي اقترحت عليا مرة تانية أشتري شوية خضار وأفرش بيهم قدام البيت لعل وعسى أقدر أكسب أي مبلغ يسترني،وقد كان..

اشتريت خضار بالتقسيط وفرشت قدام البيت، وبعد ٦ أيام بعت الكمية اللي كان باظ تقريبًا ربعها، ولقيت المبلغ يادوب يكفي الدين اللي عليا، ورجعت مرة تانية لنقطة الصفر، قعدت يومها ألطم على وشي، ليه اللي بيحصل معايا ده، هنعيش شحاتيين ولا هنمو.ت من الجوع، وبعدين أنا صغيرة على الهم ده كله، ليه اتكتب عليا أعيش العيشة الغريبة دي..

وفضل عيالي التلاتة اللي كبيرهم عنده ١٧ سنة قدام الجامع، يفضلوا طول النهار هناك عشان يرجعوا ومسمعش منهم كلمة جعانيين، وأنا مكاني، لعل وعسى جارتي تجيب فطار وتيجي تفطر معايا، غير كدا كان اليوم بيعدي ومباكلش أي حاجة في اليوم كله، لحد ما جتلي جارتي للمرة الثالثة وقالتلي إنها شاكة إن حد عاملي حاجة (سحر) في حياتي وإن اللي أنا فيه ده مبيحصلش في العادي..

بدأت تمر عليا مشاهد كتير أوي، ولادي التلاتة اللي اتولدوا مُعاقين، جوزي الوحيد اللي مات في حادثة العربية وكل الناس خرجوا بجروح سطحية، المشاريع اللي مبتكملش والفقر اللي ملازمني في حياتي، وفعلًا فكرت أروح أزور واحد من المشايخ دول، لعل وعسى يساعدني في اللي أنا فيه، وزورت شيخ اسمه (مُرتضى) وحكيتله كل حاجة بالتفصيل وأجزم إن فعلًا فيه سِحر قديم أوي في حياتي وكل اللي في البيت متأثرين بيه، وإنه يقدر يفكه ويخلي حياتي أحسن كتير..

بس كان عايز يعقد معايا صفقة، عرفت إن الست اللي معاه سابته، وطلب مني أساعده في شغله يوميًا، والمقابل يعالجني، ويديني راتب شهري أصرف منه على عيالي، ولما سألته عن طبيعة الشغل عرفت، عرفت إنه الكُفر بعينه، هكون مراته بدون عقد ما بينا وأكون متاحة بين إيديه وبالأخص أيام الحيض، هرسم على جسمي طلاسم معينة وهاكل دماغ الستات عشان يصدقوا إنه شيخ مفيش منه اتنين، وكل يوم لازم أكون عنده..

ورجعت بيتي، رجعت وأنا هنفجر من التفكير، قدامي فرصة أقدر أعيش بيها وأصرف على عيالي، وهتتحل كل مشاكلي بس لو قولت اه، دلوقتي بس عرفت ليه الإنفاق على الأرملة له أجر عظيم، لأنك بتحميها وقتها من إنها تمشي في سكة الفاحشة، دلوقتي عرفت معنى القهر والذل، وللأسف مفيش أي حل قدامي غير إني أوافق، بس لو وافقت هخسر آخر حاجة أنا متمسكة بيها، هخسر آخرتي، الحاجات اللي بيطلبها كلها كُفر والعياذ بالله..

عشان كدا رفضت، وقولت لو همو.ت من الجوع هيبقا أكرملي، وهو لما عرف قالي إنه هيجبني راكعة وهطلب منه السماح، وفعلًا بدأت أسوأ الأمور تحصل في بيتي وبالأخص مع أولادي المُعاقين؛ تخيل تصحا تلاقي ابنك أعزكم الله بيشرب من عين الحمام المية القذرة، تخيل حد منهم يمسك سكينة ويبقا عايز يقتل التاني وأتجرح أنا جرح كبير ولولا ستر ربنا كان قتلني..

ولادي التلاتة كانوا عاملين زي الأشباح في البيت، بقيت بسمع أصوات مرعبة بتيجي من أوضتهم، أصوات كلها بتشتمني بأبشع الألفاظ اللي في الدنيا، تعبت، تعبت أوي لحد ما بقيت بدور على حد يفتيني إني لو قتلت نفسي مش هيكون حرام، كل ده عشان مرضتش أعمل حاجة حرام، كل ده عشان عايزة أعمل مشروع وأمشي بالحلال..

لحد ما في يوم كل حاجة اتغيرت للأبد، ولادي كانوا عند المسجد، وأثناء خروج المصلين واحد منهم جتله حالة صرع، وبعدها التاني ثم التالت، والناس اتجمعوا وكان بالصدفة فيه شيخ من برة البلد بيصلي معاهم أول ما شافهم طلب من أهل البلد يشيلوهم ويرجعوهم على بيتهم، وفعلًا جابوهم على بيتي، فتحت الباب لقيت نص البلد قدام بيتي وولادي بيصرخوا بجنون.. الشيخ اتكلم معايا وقالي إن فيه أذى كبير أوي في حياتنا واستأذن إنه يعالجه، وبكيت، بكيت من قلة الحيلة والتعب، أنا ست وأضعف مما يكون، طمني بابتسامة ووعدني إن كل حاجة هتبقا تمام..

جمع ولادي التلاتة في مكان واحد وقرأ عليهم قرآن لحد ما هديوا التلاتة، قرأ على مية بملح ورشها في البيت كله وقالي إن ده تطهير للبيت لأن فيه حد بيحاول يأذيني، وطلب مني أحكيله كل حاجة.. وحكيت، حكيت كل حاجة بالتفصيل، وبدأ يفكر وبعدها طلب مني أسيبه في البيت ليلة واحدة مع الأولاد وأروح أبات عند جارتي، وطمني راجل من أهل البلد وقالي إن الشيخ ده مضمون ،وفعلًا عملت اللي قال عليه ورجعتله تاني يوم بعد ليلة منمتش فيها لحظة واحدة..

وأول ما دخلت صُعقت لما سمعت ابني الكبير بيتكلم والتقوص اللي في رجليه راح وملامح وشه بقت طبيعية، ده حتى ولأول مرة أسمعه بيقول (يا أمي)، قعدت على الأرض مصدومة عشان ألاقي ولادي الاتنين كمان كويسين جدًا وكأنهم طبيعيين..

قعدت جمب الشيخ مذهولة تمامًا، لقيته حاطط طبق فيه مية بملح وفيه ورق كتير ، وقالي إن فيه سحر شديد أوي أتعمل من زمان في البيت، السحر ده اتسبب في أذى لكل اللي في البيت وبالأخص الأطفال، والسحر ده أتعمل للحفر عن الآثار وغالبًا جوزك اللي عمله عشان يقدر يطلع ده، وفعلًا افتكرت أيام صعبة محبش أفتكرها، لما جوزي جاب راجل غريب وفضل يقرأ في البيت لما كنت حامل، وبعدها خلفت مرة واتنين وتلاتة أطفال مُعاقين..

قالي إن السحر ده من أسوأ أنواع السحر اللي بيأثر على كل اللي في البيت، بيأثر على الأطفال، والنفسية، وبيوقف الحال، وبيتسبب في مشاكل كبيرة ممكن توصل للمو.ت، وطبعًا الضرر بيحصل بأمر الله، والسحر ده هو السبب في إن ولادي ميقدروش يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي، وكان السبب إن المشاريع تبوظ، ولما روحت لمُرتضى الدجال حاول يزود الأذى وبقا سحر ومس كمان لأولادي، وعشان كدا كان بيحصلهم صرع لأن السحر مبيتسببش في صرع ولولا حالات الصرع مكنش عرف ولا شافهم امبارح وعالجهم..

وبدأت افتكر إن لولا المشاريع اللي باظت وكانت سبب أزور دجالعامل إنه شيخ، وبعدها يأذيني وولادي يتأذوا والشيخ يشوفهم مكنش كل ده حصل، وكأن ربنا كان بيرتبها بالملي عشان الفرج يجي مرة واحدة، وكأن كل الأذى والفقر اللي حصل تمهيدًا لأكبر حاجة فرحتني في حياتي.. أهل البلد لما عرفوا الحكاية أكتر من حد طلب ابني الكبير يشغلوا معاه، وابني الوسطاني حد اشتراله توك توك واتعلم عليه واشتغل، وابني الصغير راح يتعلم في المدرسة، وخلال سنة بقا ولادي بيصرفوا على البيت وبيخططوا يبنوا عشان يتجوزوا كمان..

معجزة مكنتش أتخيل إنها تحصل معايا، معجزة أكدتلي إن لما الدنيا كلها تتقفل قدامك أعرف إن الخير هيجي مرة واحدة، بس وقتها ممكن ربنا يختبرك ويفتحلك باب حرام، عشان يشوفك هتصبر فيديك الخير كله، ولا هتنتكس وتمشي في الحرام فتنتهي حياتك للأبد، وأنت واختيارك.. [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى