
ويوم بعد يوم اعتزلت أبويا وأوهمتهم إني أشتغلت في شركة أمن فترة مسائية، وبقيت زي الظل لعمي، معاه ٢٤ ساعة، بعمل فلوس مكنتش أحلم بيها في حياتي كلها، فلوس كتير، وبقيت بتحكم في أعصابي أكتر وأكتر، لحد ما قعدنا في مرة وكان عمال يعطس بطريقة غريبة، كان تعبان أوي وقعد في الأوضة الصغيرة مش قادر يتحرك، شوية وجه الراجل المُلثم، ادانا عملين ومشي ومعاهم ٦ آلاف جنيه..
عمي مكانش قادر يقوم من مكانه، وطلب مني أروح أنا أحطهم جوة ج.ثة هيوصفلي قبرها، ولما اعترضت غضب، وقال إنه لو مش هيعتمد عليا يبقا أمشي وماجيش تاني، وسكت غصب عني، طمني وقالي إنه هيوصفلي قبر ويديني مفتاحه الميت اللي فيه مدفون انهاردة وجاي في حادثة وجسمه متقطع أصلًا، يعني المهمة هتكون سهلة خالص..
وكمان وعدني لو عملت كدا هاخد انهاردة أربع آلاف مش ألفين، ومفيش مشكلة لو حطيت العملين في نفس الجُ.ثة، خدتهم وأنا عمال أطمن نفسي إن الموضوع هيعدي ومفيش أي مشكلة هتحصل، وفعلًا روحت للقبر الموصوف وفتحت الباب، وقابلت ظُلمة ما بعدها ظُلمة، كل مرة كان عمي بيبقا معايا، أما المرة دي أنا لوحدي، والظلام شديد..
نورت كشاف الموبايل ونزلت القبر وكانت الج.ثة قدام مني، وكأنها حية وبتتنفس، متكفنة بالكفن الأبيض، قربت منها وأنا ريقي ناشف زي الحجر، كشفت عن وشها وجسمي كله أترج، الج.ثة كانت متدمرة، وكأن فيه عربية نقل معدية عليها، ج.ثة مهروسة، والجسم كله متقطع، يعني هحط العمل اللي عبارة عن قماشة مبرومة في أي جرح، وهربط بحبل صغير عشان أقفل على اللحم، و… وطفى نور الفلاش تمامًا، مسكت الموبايل وحاولت أفتحه بس مكانش بيفتح، أجرب البصمة متفتحش، أكتب الباسوورد يقولي خطأ، جربت مرة واتنين لحد ما فتح، نورت الفلاش و… فين الج.ثة؟!
نورت يمين وشمال لقتها واقفة في زاوية القبر ومفتحة عنيها، وكانت بتزوم زي الحيوان بالظبط، وحسيت وقتها إني اتضربت بخنجر بارد في صدري اتسبب في شلل تام، برودة مسكت جسمي وصدري بدأ يضيق ويضيق وكأنها سكرات المو.ت هجمت عليا في لحظة واحدة، حاولت اتنفس مقدرتش، وكأن فيه حاجة زي الجبل فوق صدري مانعاني إني أخد شهيق واحد..
كل ده بيحصل في لحظات بس، حتى المكان بيضلم وبحس بحاجة بتسحبني في حُفرة عميقة أوي، وقدام عنيا شوفت الج.ثة بتحط صباعها في عنيا، ووقعت من طولي، وقعت وحاولت أزحف، أهرب من المو.ت اللي بقا وشيك جدًا، وزي ما بدأت كل حاجة انتهت في لحظة، ولقيت الج.ثة نايمة قدامي ومفيش أي حاجة، شهقت مرة واتنين واتنفضت من مكاني وقفلت الباب وخرجت، أنا مش هعمل ده لو همو.ت.. روحت على عمي وأنا فاقد السيطرة على جسمي وقبل ما أوصل رن تليفوني، لقيته أبويا اللي بيتصل، دموعي نزلت أول ما قرأت اسمه ورديت عليه، وسمعت صوت صراخ رهيب، ولقيته بيقول:
ـ أنت فين يا بني، فيه ناس هجموا على بيت عمك وولعوا فيه ولحقنا مرات عمك وولادها بالعافية، متظهرش دلوقتي لحد ما نفهم فيه إيه.. وقبل ما أنطق بنص كلمة شوفت رجالة جايين من مدخل المقا.بر، ماسكين سلاح وعصيان، استخبيت قبل ما يشوفوني بلحظة، ووقفت أراقبهم بفزع، وكسروا باب الأوضة ودخلوا على عمي، وسمعت الصرخات، صرخات واحد بيتقطع حرفيًا بالسلاح والشوم، وفي لحظة رموا البنزين وولعوا في الأوضة بعمي، وسمعت صوته وهو بيتفحم في الأوضة من جوة، وكأنه بيتحر.ق في قلب ج.هنم..
وهربت، هربت ورجعت على البيت ولقيت البلد مقلوبة حرفيًا، أهل البلد اللي جنبنا وصلهم أكتر من خبر إن عمي بيقطع في جثث أهاليهم، ولما اتأكدوا من ده شوية هجموا وح.رقوا بيته ولولا حمية أهل بلدنا كانت مراته وولاده اتحر.قوا، وشوية ق.تلوه هنا في المقا.بر، وسبحان الله محدش عرف إطلاقًا إن أنا بساعده ومعاه، وإلا كان بيتنا اتحر.ق واتق.تلت أنا كمان، يمكن اللي نجانا إن أبويا رفض الحرام فربنا نجانا بأفعاله..
وفضلت الدنيا مقلوبة أسبوع كامل، تحقيقات وشرطة ومواضيع كبيرة، لحد ما في النهاية شوفت الحقيقة المُخيفة، في يوم وليلة بيت عمي اتحر.ق، بنته اللي بتفتخر بلبسها كله اتحر.ق، مراته اللي بتفتخر بالأكل والشرب كله اتحر.ق، ابنه اللي فرش شقته وخلاص كان هيتجوز شقته اتحر.قت.. وعمي اللي كان بيصرف على البيت اتحر.ق، وكأن نار الفلوس الحرام قررت تاخد كل حاجة في سكتها، وفي لحظة كل حاجة بقت هباء منثور، نظرات عين أبويا بعد الحادثة كانت أبلغ من مليون كلمة، نظرات بتقول:
ـ شوفت يابني، شوفت إننا ممكن نصبر على الفقر بس استحالة نقدر نصبر على نار المال الحرام، شوفت يابني أخرتها كانت إيه، عرفت يابني إني عشان كدا مدخلتش عليكم قرش حرام في حياتي، اتعلمت يابني ولا لا.. ـ يا أبتِ اتق الله فينا ولا تطعمنا إلا من حلال، وإياك أن تدخل علينا الحرام، فإننا نصبر على نار الجوع، ولا نصبر على نار جهنم .. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




